سر ليلى
تحتضنني.
تركتها.
ما زالت أمي.
لكن عندما بدأت بعبارة أختك ما عندها مكان، رفعت يدي.
قلت
أمي، أريدك تشوفين شيئاً.
عرضت عليها صور عتبة البيت.
البيض المكسور.
الحليب المسكوب.
قدمي المتورمة.
التقرير الطبي.
رسالة مريم التي تطلب فيها مسحوق الغسيل في ذلك اليوم نفسه.
وقائمة المصاريف.
جلست أمي ببطء.
قالت
مريم
بدأت أختي تبكي مرة أخرى.
كنت تعبانة يمه. حيدر قال إن سامر دائماً يحب يعمل نفسه ضحية.
نظرت أمي إلى حيدر.
هز كتفيه.
إي، دائماً يذكرنا بكل شيء.
قلت
بكل شيء ماذا؟ أنني أعيش في بيتي؟
أغلقت أمي عينيها.
وحين فتحتهما، لم يكن وجهها كما كان.
قالت
ثلاثون يوماً.
نظرت إليها مريم برعب.
شنو؟
قالت أمي
أخوك معه حق. أقدر أساعدك تبحثين عن غرفة. أقدر أخلي كرار عندي أيام. لكن ما راح أطلب من سامر يستمر بصرفه على رجل تركه مرمي تحت المطر.
نهض حيدر.
طبعاً. هسه الكل ضدي.
نظرت إليه أمي ببرود لم أره في وجهها من قبل.
قالت
لا يا ابني. الكل ضد راحتك على حساب غيرك.
وكان ذلك بداية النهاية.
غادر حيدر في اليوم الثالث حتى يفكر، ولم يعد إلا في الليلة التالية، تفوح منه رائحة شراب، ومعه حكاية عن عمل لم يصدقها أحد.
واجهته مريم.
ارتفعت أصواتهما داخل الغرفة.
خرج كرار وجلس معي في الصالة.
كنا نشاهد الأخبار دون كلام.
وفجأة قال
آسف خالي.
قلت
قلتها قبل.
قال
لا. آسف لأنني عشت هنا وكأنك غير موجود.
لم أعرف ماذا أقول.
لذلك هززت رأسي فقط.
بعد اثنين وعشرين يوماً، وجدت مريم غرفة صغيرة قرب السوق.
لم تكن
جدرانها قديمة، ومطبخها ضيق، لكنها كانت لها بإيجار، لا بذنب شخص آخر.
ساعدتها أمي في دفع العربون.
أنا لم أفعل.
قدمت لها شيئاً آخر أن أدفع أجرة نقل صغيرة إذا وقّعت اتفاق الخروج وسلمت المفاتيح.
وافقت.
رفض حيدر.
قال
أنا ما أوقع على شيء.
ابتسمت زينب ابتسامة خفيفة.
إذن توقع أمام القاضي لاحقاً.
وقّع.
في اليوم الذي غادروا فيه، كانت السماء ترش مطراً خفيفاً.
ليس مثل ليلة سقوطي.
كان مطراً أهدأ.
كأن السماء تغسل بلا ضجيج.
وضعت مريم المفاتيح على الطاولة.
كانت عيناها منتفختين.
قالت
أنا فعلاً استغليتك.
نظرت إليها.
انتظرت الأعذار.
لم تأتِ.
قالت
خفت أن أبقى بلا شيء، فبدأت أتصرف كأن ما تملكه أنت هو أيضاً لي. وعندما وقعت غضبت لأنك احتجت إلى مساعدة. لأن ذلك أجبرني أن أرى نفسي.
أخذت نفساً عميقاً.
قلت
أردت مساعدتك يا مريم.
قالت
أعرف.
قلت
لكنك حولتني إلى واجب.
هزت رأسها.
أعرف.
احتضنني كرار قبل أن يخرج.
احتضنني بقوة.
قال
أگدر أجي أشوفك، صح؟
نظرت إلى مريم.
خفضت رأسها.
قالت
إذا خالك يريد.
وضعت يدي على كتف الولد.
قلت
أنت تقدر تجي. لكن تطرق الباب. وتغسل الكوب الذي تشرب فيه.
ابتسم بخجل.
حاضر.
حيدر لم يودعني.
خرج وهو يحمل شاشة ليست له.
تنحنح أبو علي من عند الباب.
قال
الشاشة تبقى.
احمر وجه حيدر.
وضعها على الأرض.
كان ذلك آخر هدية منحني إياها البيت أن أراه يخرج ويداه فارغتان.
حين أغلقت الباب، كان الصمت كبيراً.
لم يكن جميلاً في البداية.
كان كبيراً فقط.
كانت في الصالة آثار على
كانت غرفة الضيوف تشبه مكاناً مرّت عليه معركة.
وكان مخزن الطعام شبه فارغ.
لكن البيت كان لي مرة أخرى.
جلست على الأريكة وقدمي مرفوعة.
جاء أبو علي بزجاجتين من مشروب غازي.
قال
على بيتك.
صدمت زجاجتي بزجاجته.
قلت
وعلى عتبتي القاتلة.
ضحك.
وضحكت معه.
وللمرة الأولى منذ السقوط، لم تؤلمني الضحكة كثيراً.
كانت الشهور التالية بطيئة.
شفى الكاحل.
ليس تماماً، لكنه شفى.
أصلحت الدرجة أمام الباب.
وضعت ضوءاً بحساس حركة.
اشتريت سجادات مانعة للانزلاق.
غيّرت قفل الباب الرئيسي.
دهنت غرفة الضيوف باللون الأبيض، وحولتها إلى مكتب.
في أحد أيام الأحد، استيقظت وصنعت القهوة لي وحدي.
لم تكن هناك أصوات عالية.
ولا مقاطع كرتون.
ولا حيدر يسأل إن كان بقي خبز.
فتحت النوافذ.
دخل هواء بارد، ورائحة أرض مبللة، وصوت بعيد لبائع ينادي على خبز الصمون الحار.
وقفت وسط الصالة.
مع فنجاني.
مع بيتي.
مع سلامي.
وبكيت مرة أخرى.
مثل يوم وقّعت أوراق البيت.
لكن هذه المرة لم أبكِ لأن شيئاً كبيراً يحمل اسمي.
بكيت لأنني فهمت أخيراً أن امتلاك البيت لا يعني شيئاً إذا سمحت للآخرين أن يخرجوك من نفسك.
عادت مريم بعد ثلاثة أشهر.
وحدها.
كانت تحمل كيس مانجو، وملامح متواضعة لم أعرفها فيها من قبل.
قالت من العتبة
ما جاية أطلب شيء.
لم تدخل.
وهذا قال لي أكثر من أي خطاب.
سألتها
كرار شلونه؟
قالت
أفضل. يشتغل أيام السبت في مكتبة قرطاسية. حيدر وأنا انفصلنا.
لم أقل لها قلت لك.
ليس لأنني قديس.
بل لأنني لم أعد بحاجة إلى الانتصار.
نظرت إلى الدرجة التي أصلحتها.
قالت
كلما أشوف المطر أتذكر.
قلت
وأنا أيضاً.
قالت
سامر سامحني.
الاعتذار الحقيقي لا يبدو مثالياً.
يبدو متعباً.
بلا تزيين.
بلا جمهور.
فتحت لها الباب.
قلت
تقدرين تدخلين تشربين قهوة.
امتلأت عيناها بالدموع.
متأكد؟
قلت
نعم. لكن البيت لم يعد ملجأ.
هزت رأسها.
قالت
إذن شنو هو؟
نظرت إلى صالتي، وطاولتي، ومكتبي، والضوء الداخل من النافذة.
قلت
هو بيت. والبيت يُحترم فيه من يحمله على كتفيه.
دخلت مريم ببطء، كأنها تمشي على أرض مقدسة.
لم تخلع حذاءها وترميه كما كانت تفعل من قبل.
لم تفتح الثلاجة.
لم تطلب شيئاً تأخذه معها.
جلست على الكرسي الذي قدمته لها، وأمسكت فنجان القهوة بكلتا يديها.
تحدثنا قليلاً.
لكننا تحدثنا بطريقة مختلفة.
أحياناً لا تنكسر العائلات عندما يضع أحدهم حدوداً.
أحياناً تكون قد انكسرت قبل ذلك بصمت، في كل مرة يعطي أحدهم، ويتعود الآخر على الأخذ دون أن ينظر.
الحد فقط يصدر الصوت.
ترك الكسر ألماً خفيفاً في كاحلي عندما يتغير الجو.
في تشرين الأول، حين يبدأ المطر بالهطول بقوة، يخبرني كاحلي قبل السماء.
أحياناً أقف على العتبة، تحت الضوء الجديد، وأنظر إلى الدرجة التي وقعت عندها.
لم أعد أشعر بالخجل.
أشعر بالذاكرة.
هناك، مبللاً وكاحلي مكسور، ظننت أن عائلتي
تركتني وحيداً.
لكن لا.
لقد جعلوني أرى بوضوح.
وهذا الوضوح، رغم أنه آلمَني مثل كسر مفتوح، أنقذني من أن أواصل العيش كضيف في حياتي.
عاد
لكنه ليس فارغاً.
إنه مليء بشيء لم يكن يجد مكاناً بين حقائب الغرباء، والأعذار، والصحون المتسخة.
إنه مليء بالسلام.
وهذا، بعد كل ما دفعته، كان الإيجار الوحيد الذي لم يكن يجب أن أسامح عليه.