عاملة النظافة

لمحة نيوز

يا تتجوز الست اللي بتنضف شوارع الكومباوند يا تستحمل السجن لوحدك.
يا تتجوز الست اللي كل يوم بتكنس شوارع الكومباوند، وتتعلم تعيش من غير فلوسي يا بكرة الصبح هجيب أحسن محامي في مصر للراجل اللي كنت هتموته بعربيتك.
كريم المنشاوي افتكر إن أبوه بيهزر.
كريم عنده 27 سنة، عمره ما اشتغل شغلانة بجد، كسر أكتر من عربية، ومتعود إن اسم عيلته يحل أي مصيبة يعملها. لكن اللي حصل الليلة دي كان مختلف.
وهو راجع آخر الليل على طريق مصر إسكندرية الصحراوي، كان سايق عربيته الرياضية بسرعة جنونية، وفجأة فقد السيطرة وخبط في موقع إنشاءات. الحارس اتصاب بكسور خطيرة، والمصيبة الأكبر إنه طلع مستشار سابق وعنده معارف تقال في النيابة.
المرة دي... النفوذ مش هيكفي.
الحاج محمود المنشاوي، واحد من أكبر رجال الأعمال في مصر وصاحب مجموعة شركات ضخمة، بص لابنه ببرود وقال
أنا تعبت من ترقيع غلطاتك... المرة دي يا هتتعلم، يا هتضيع.
أما البنت اللي اختارها علشان تكون العقاب، فكان اسمها ندى عبدالعزيز.
كل يوم قبل الفجر، كانت بتنضف شوارع كومباوند فاخر في الشيخ زايد. هادية، محترمة، عمرها ما مدت إيدها لحد، وكل اللي يعرفها يشهد إنها شاطرة بشكل يلفت النظر.
الحاج محمود كان بيلاحظها من بعيد. شافها أكتر من مرة تكتشف أخطاء في الحسابات، وتنظم شغل العمال بطريقة أحسن من المديرين، وتحفظ أرقام ومصاريف في دماغها كأنها كمبيوتر.
لما استدعاها مكتبه وعرض عليها جواز رسمي لمدة سنة، ما اتوترتش ولا اتفاجئت.
أول حاجة سألت عنها كانت
هاخد كام؟
وبعدين قالت بكل هدوء
عايزة أوضة لوحدي... وممنوع كريم يقرب من ورقي أو فلوسي.
وسكتت ثانية وأضافت
وكمان علاج أختي الصغيرة ملك لازم يتكفلوا بيه بالكامل... هي عندها سكر، وأنا مش هسمح إنها تقعد يوم واحد من غير أنسولين.
الحاج محمود وافق فورًا.
بعد أسبوع، اتكتب الكتاب في مكتب الشهر العقاري.
كريم دخل ومعاه ستة من صحابه، وكلهم فضلوا يضحكوا على بدلة الشغل اللي ندى كانت لابساها.
واحد منهم قال بصوت عالي
دي العروسة ولا جاية تنظف القاعة؟
والباقي انفجروا من الضحك.
ندى ولا حتى رفعت عينيها.
مضت الورق في هدوء.
مافيش فرح... ولا زفة... ولا صور... ولا حتى بوسة.
كان مجرد عقد... وباقة ورد بسيطة... وصمت تقيل.
بعدها نقلوا يعيشوا في بيت صغير كان الحاج محمود مجهزه ليهم.
أول ما دخل كريم، قال بثقة
أنا داخل خارج براحتي... وإنتِ مش مراتي بجد.
ندى ردت وهي بتحط شنطتها
ممتاز... وإنت كمان مش شاغلني. بس تدفع نص مصاريف البيت، ومتحولوش لكباريه.
تاني يوم الصبح، كريم فتح التلاجة لقى ورقة متعلقة عليها جدول بالمصاريف، وتقسيم الشغل، ومواعيد دفع الفواتير.
ضحك باستهزاء.
لكن ضحكته اختفت أول ما جرب يفتح تطبيق البنك... واكتشف إن أبوه قفل كل كروت الفيزا والحسابات اللي كان بيصرف منها.
خلال أسبوعين، حاول يكرهها في عيشتها.
كان يسيب المواعين متكومة، ويجيب صحابه يسهروا للفجر، ويشغل الأغاني بأعلى صوت.
ندى ولا مرة زعقت.
كانت ببساطة تحسب عليه تكلفة أي حاجة بوظها، وتنضف مكانه، وتفصل السماعات، وتكمل حياتها كأن وجوده مش فارق معاها.
في ليلة، صحي كريم يشرب مية.
وهو معدي قدام أوضتها، لمح النور شغال.
بص من الباب...
اتفاجئ بندى قاعدة قدام لابتوب قديم، حواليها ملفات، وعقود، وجداول حسابات معقدة.
استغرب وقال بسخرية
هو من إمتى واحدة بتنضف شوارع بتفهم في الكلام ده؟
ندى قفلت الملف بهدوء وقالت
من قبل ما ناس زيك تفتكر إن الفلوس تشتري كرامة الناس.
قبل ما تقفل الملف، كريم لمح عنوان مكتوب بخط كبير
شركة عبدالعزيز للصناعات... تحقيقات في الاستيلاء والإفلاس المتعمد.
وفي آخر صفحة...
كان فيه اسم خلا قلبه يقع من مكانه.
رامي العزازي.
أقرب شريك لأبوه... وأكتر واحد بيثق فيه.
في اللحظة دي، كريم حس إنه واقف قدام سر ممكن يقلب حياة عيلته كلها...
لكن الحقيقة اللي كانت مستخبية بقالها ثلاث سنين... كانت أخطر بكتير مما يتخيل.
كريم فضل واقف مكانه، وعينه معلقة على اسم رامي العزازي، كأنه شاف شبح.
ندى قفلت اللابتوب في هدوء، وقالت لو كنت ذكي... انسى إنك شفت أي حاجة.
لكن الفضول كان أقوى منه.
تاني يوم، راقبها من غير ما تحس. كانت تخرج الفجر تشتغل في الكومباوند، وترجع العصر، وبعدها تقعد بالساعات تراجع ملفات ومستندات، وتتكلم مع محامين ومحاسبين بأسماء كبيرة، وكأنها مش مجرد عاملة نظافة... وكأنها شخص بيجهز لحرب.
وفي يوم، وهو بيفتش في المكتبة يدور على أي دليل، لقى ظرف قديم وقع من بين الكتب.
فتح الظرف...
كان فيه صورة لرجل واقف قدام مصنع كبير، وعلى كتفه بنت صغيرة عمرها حوالي عشر سنين.
عرفها فورًا...
كانت ندى.
أما الراجل...
فكان صاحب شركة عبدالعزيز للصناعات، الشركة اللي أعلنت إفلاسها من ثلاث سنين.
لكن اللي جمد الدم في عروق كريم، كان الصورة اللي بعدها.
رامي العزازي... واقف جنب والد ندى، وبيسلم عليه بابتسامة.
تحت الصورة مكتوب
اتفاق الشراكة... قبل أسبوع من الكارثة.
في نفس اللحظة دخل الحاج محمود.
أول ما شاف الصور، وشه اتغير.
وقال لأول مرة بصوت مهزوز قفّل الظرف.
لكن كريم سأله إيه اللي حصل؟
الحاج محمود قعد على الكرسي وكأنه كبر عشرين سنة في دقيقة.
وقال والد ندى... كان أنضف راجل اشتغلت معاه.
إحنا كنا ثلاثة شركاء... أنا... هو... ورامي.
وفي ليلة واحدة... الشركة أعلنت إفلاسها... وهو مات بعدها بأيام من القهر.
كريم سأل ورامي؟
الحاج محمود بص في الأرض وقال رامي أقنعنا إن والدها هو اللي سرق الفلوس.
وكل الأدلة كانت ضده.
ندى خرجت من أوضتها بهدوء وقالت
لأن الأدلة... كانت متفبركة.
ورمت على الترابيزة فلاشة صغيرة.
قالت دي نسخة من تسجيلات اتخبت ثلاث سنين.
لما شغلوها...
ظهر رامي بيتكلم مع مدير الحسابات.
حولوا كل الأموال على الشركات الوهمية... وكل الورق يتحط باسم عبدالعزيز... ولو اتكشفنا... هو اللي هيتحبس.
الصمت ملأ البيت.
الحاج محمود مسك راسه بإيده.
ولأول مرة في حياته...
بكى.
قال بصوت مكسور أنا ظلمت الراجل.
ندى ردت وأمي ماتت بعده بست شهور.
وأختي كانت بتلف على المستشفيات
 

تم نسخ الرابط