حماتي بصت في الطبق وقالت الاكل ده مايشبعش راجل
حماتي بصّت في الطبق وقالت الأكل ده ما يشبعش راجل وجوزي رمى الشوكة على السفرة وقال قدامها يا تتعلمي تطبخي صح يا تغوري من البيت. ساعتها قلعت المريلة بهدوء لكن محدش فيهم كان متوقع أنا رايحة فين ولا ناوية أعمل إيه.
اتعلمي الطبيخ يا إما تلمي هدومك وتغوري.. مفيش مكان في بيتي لواحدة مبتعرفش توكل جوزها.
الكلمة دي خرجت من عصام وكأنها رصاصة استقرت في قلب دينا. دينا، اللي بقالها سنتين بتشيل وتتحمل، بصتله ببرود غريب، مفيش دمعة نزلت، مفيش صراخ. بس في اللحظة دي، حاجة جواها انكسرت للأبد. قلعت المريلة، طبقتها بمنتهى الهدوء، حطتها على الرخامة، وخرجت من المطبخ.. بس مش عشان تروح تترجى أمه أو تعتذر، هي كانت بتحدد وجهتها الجديدة.
حماتها مدام فوزية كانت جاية من الصبح، داخلة بشنطة فيها كفتة بيتي ومخلل مشكل وبصة عين مسمومة، دينا حفظتها صم. فوزية مش بس جاية تزور ابنها، دي جاية تفتش في دفاتر دينا.
يا دينا يا بنتي، المطبخ ريحته مش بتاعة طبيخ بيت، أنتوا هتاكلوا إيه؟ سألتها وهي بتفتح الحلة كأنها قاضي بيحكم بالإعدام.
بانيه مشوي بالأعشاب يا طنط، أخف على المعدة.
فوزية لوت بوزها أعشاب إيه يا اختي؟ الراجل عايز لحمة! عايز أكل يملى العين ويقويه، مش شوية الخضرة اللي بتعمليهم ده. أومال الرجالة بتهرب من البيوت ليه؟ عشان الأكل اللي يخلي الواحد كأنه بياكل عشب.
دينا سكتت، والسكوت كان طريقتها عشان متمسكش في خناق الحماة. دخل عصام، رمى الجاكيت، باحس أمه، ورمى كلمة في الهواء وهو داخل المطبخ ريحة أكل حلوة.. تسلم إيدك يا أمي.
دي كفتتي يا حبيبي، كنت جايباها معايا وسخنتها ردت فوزية وهي بتبص لدينا بانتصار.
قعد عصام على السفرة، دينا حطت طبق البانيه المشوي. داقه، كشر، وزقه بعيد وكأنه رماه في وشها. ناشف.. كالعادة. هو إنتي مبتتعلميش؟
دينا بصوت مخنوق عصام، حاولت أظبطه..
قاطعها وهو بيبص لأمه يا أمي، قولي لها الكلمتين اللي اتفقنا عليهم.
فوزية اتأففت يعني.. هو فعلاً ناشف، ومفيش طعم.
عصام ربع إيده وضرب الضربة القاضية سمعتي؟ أمي بتقول إنك فاشلة. اتعلمي الطبخ زي الستات، يا إما مفيش داعي نضيع وقت بعض.
الكلمة دي كانت الشعرة اللي قصمت ظهر البعير. دينا سابت المعلقة، قلعت المريلة، وبصت لعصام بصه طويلة، بصه كأنها بتغسل إيدها منه ومن كل ذكرياتهم سوا. تمام.. أنا فهمت كويس أوي.
خرجت من المطبخ، والبيت فجأة بقى هادي. عصام وأمه فضلوا ياكلوا كفتة، وهو بيشتم في طبيخ مراته، ومش واخد باله إن دينا دخلت المطبخ تاني. ساعتين كاملين، دينا كانت بتطبخ.. مش عشان ترضيه، بس عشان تثبت لنفسها إنها كانت تقدر، بس هو مكنش يستاهل. عملت طاجن لحمة بالبرقوق وكبيبة شامي وسلطة خضراء بتتبيلة جدتها السرية. فرشت السفرة، رتبت الأطباق، وسابت البيت.
عصام دخل المطبخ لقى السفرة عامرة، اتخض أخيراً يا أمي! ده إنتي اللي عملتي الأكل ده؟ طعمه عالمي!
فوزية بصت لابنها بصة شفقة يا غبي.. دي دينا اللي عملته، واقفة ساعتين بتطبخ وأنت داخل طالع ولا عبرتها.
عصام بلع لقته، ووشه اتغير طب.. يعني.. مش بطال! ونادى بصوت عالي يا دينا! تسلم إيدك.. الأكل مش بطال!
مفيش رد. دخل أوضة النوم.. الدولاب فاضي، السرير مفرود، والشنطة مفيش. دينا اختفت.
مكالمة تليفون، عصام بيصرخ أنتي هتروحي فين؟ والمصاريف؟ والبيت؟
ردت عليه دينا بصوت ثابت، وكأنها ست تانية خالص أنا عند صاحبتي. والأكل اللي أنت كلته النهاردة؟ ده كان آخر مجهود أعمله عشان أرضي غرورك. أنت مش بتدور على زوجة يا عصام، أنت بتدور على طباخة تطلع عليها عقدك. أنا كنت بشوفك بتتحايل على الأكل في المطاعم وبتقول عليه تحفة، وفي بيتي بتطلعه ناشف.. الفرق مش في الطبيخ، الفرق فيك أنت.
أنا كنت بهزر! ارجعي وبطلي جنان!
الهزار بيبقى فيه ضحك من الطرفين، وأنا عمري ما ضحكت على إهاناتك قدام صحابك وأهلك. كفاية كدة.
الأيام مرت، عصام حاول يمثل دور الضحية، بس الواقع كان أقوى. البيت بقى كئيب، الإيجار تقيل عليه، والمطبخ بقى كابوس. بعد شهر، ساب الشقة، وبقى عايش في أوضة مفروشة، بيحرق البيض، وبيغسل مواعينه اللي مابتنضفش، وبيفتكر طعم الكفتة اللي كان بيتباها بيها وهي مش من عمايله.
أما دينا؟
فتحت
صفحة جديدة في شقة صغيرة، بتطبخ بمزاج، وبتعزم صحابها اللي بيقدروا لقمة العيش وبيدعوا لها من قلبهم. اكتشفت إن طعم الأكل بيحلو لما تتقاسم اللقمة مع حد بيحترم تعبها، مش حد بيستنى غلطة عشان يكسرها.
دينا فهمت الدرس اللي كتير بيغفلوا عنه اللي ما يقدرش وجودك، مايستحقش مجهودك.. وإن الكرامة أهم من أي لقمة عيش ممكن تتاكل في بيت مفيهوش احترام