لم يكن معها

لمحة نيوز

لم يكن معها ثمن دفن والدتها... لكن عرض مديرها الغريب غيّر حياتها، ورسالة قديمة أخفت سرًا لم يتوقعه أحد.
كانت فيروز تبلغ من العمر سبعةً وعشرين عامًا، ولم تنم سوى ساعات قليلة خلال ثلاثة أيام متواصلة.
كانت تجلس أمام مكتب أدهم المنصوري، أحد أشهر رجال الأعمال في القاهرة، بعدما طلب مقابلتها بشكل عاجل.
نظر إليها للحظات، ثم قال بهدوء
لو دفعت لك كل المبلغ اللي محتاجاه... هتقبلي تعملي حاجة واحدة أطلبها منك؟
رفعت فيروز عينيها إليه في حيرة، وقالت
على حسب... إيه هو الطلب؟
قال وهو يشبك يديه أمامه
جدتي كبيرة في السن، ورافضة تدخل أي حد غريب بيتها. محتاج حد أمين يفضل معاها يومين لحد ما أرجع من سفر ضروري. كل اللي يهمني إنها تكون في أمان.
ساد الصمت للحظات.
لم تكن فيروز تتوقع هذا الطلب، لكنها كانت تعرف أن الوقت ينفد.
فسألته بصوت خافت
ولو وافقت... هتدفع كام؟
قال
قولي إنتِ محتاجة كام؟
تنهدت فيروز وقالت
محتاجة مئتين وستة وتمانين ألف وأربعمائة جنيه.
لم يكن الرقم مبالغًا فيه.
فمنذ ثلاثة أيام فقط رحلت والدتها أمينة بعد سنوات طويلة من المرض، وتراكمت عليها مصاريف المستشفى والديون، ولم يعد معها ما يكفي حتى لشراء مدفن أو إنهاء إجراءات الدفن.
ظل أدهم ينظر إليها طويلًا.
كان يتوقع أن تطلب مبلغًا أكبر، أو تحاول استغلال الفرصة.
لكنها ذكرت الرقم بدقة، وكأنها تحفظه عن ظهر قلب.
فتح درج مكتبه، وأخرج دفتر شيكاته، وكتب المبلغ كاملًا.
ثم وضع بجواره ساعة فاخرة، وقال
دي هدية كمان.
ابتسمت فيروز ابتسامة باهتة، وأعادت الساعة إلى مكانها.
وقالت بهدوء
أنا طلبت حقي... مش أكتر.
أخذت الشيك، وشكرته، ثم غادرت المكتب.
بعد أربعة أيام...
دُفنت والدتها في هدوء.
وقبل أن تغادر المقبرة، اقترب منها الشيخ مصطفى، وسلمها ظرفًا أصفر قديمًا.
وقال
والدتك أوصت إن الرسالة دي ما تتفتحش إلا بعد دفنها.
أخذت فيروز الظرف، وضغطت عليه بين يديها، لكنها لم تستطع فتحه.
كانت تشعر أن قلبها لم يعد يحتمل أي مفاجأة جديدة.
بعد خمسة أسابيع فقط...
تلقت اتصالًا من مجموعة المنصوري.
تم تعيينها منسقة تنفيذية داخل الشركة، براتب لم تكن تحلم به.
كان ذلك كافيًا لتبدأ حياة جديدة، وتسدد ديون والدتها.
وفي أول يوم عمل...
انفتح باب المصعد.
وكان أول شخص يقف أمامها هو أدهم المنصوري.
نظر إليها للحظات...
ثم مر بجوارها في صمت تام.
لم يقل كلمة واحدة.
لكن ذلك الصمت كان كافيًا ليجعلها تشعر أن وراء الأمر شيئًا لا تعرفه.
لم يمر وقت طويل حتى بدأت الهمسات تنتشر داخل الشركة.
قالت رانيا إن فتاة جاءت من حي بسيط لا يمكن أن تصل إلى هذا المنصب بهذه السرعة.
أما ياسمين، ابنة أحد كبار المستثمرين، فكانت تؤكد للجميع أن هناك سرًا كبيرًا تخفيه فيروز.
لكن فيروز تجاهلت كل الكلام، وانشغلت بعملها فقط.
وبعد أسبوعين...
وأثناء ترتيب ملفات قديمة داخل قسم الأرشيف، شعرت بدوار شديد، وسقطت مغشيًا عليها.
وحين استعادت وعيها في المستشفى، أخبرتها الطبيبة بأنها تعاني من إرهاق شديد وسوء تغذية حاد بسبب الضغوط التي مرت بها في الأسابيع الأخيرة.
طلبت منها الراحة والاهتمام بصحتها قبل أن ينهار جسدها تمامًا.
خرجت فيروز من المستشفى وهي تحمل حقيبتها، وفي داخلها الظرف الأصفر الذي لم تجرؤ على فتحه حتى الآن.
وأثناء عودتها...
لاحظت سيدة مسنة تبدو عليها الحيرة بعدما اختلطت عليها أكياس الدواء.
أسرعت إليها، وساعدتها حتى هدأت.
ابتسمت السيدة وقالت
أنا الحاجة إنعام... ممكن توصّليني البيت؟
وافقت فيروز.
وبعد دقائق...
وصلت معها إلى فيلا كبيرة.
وما إن فُتح الباب...
حتى دخل أدهم المنصوري.
توقف مكانه فور أن رأى فيروز تقف بجوار جدته.
وقال بدهشة
يا تيتة... إنتِ تعرفيها منين؟
نظرت الحاجة إنعام إلى الاثنين، ثم ابتسمت ابتسامة غامضة، بينما كانت فيروز ما تزال تحمل الظرف الأصفر داخل حقيبتها...
دون أن تعلم أن الرسالة الموجودة بداخله كانت قادرة على كشف سر ظل مخفيًا لسنوات طويلة، وأن حياتها الحقيقية لم تبدأ بعد جلست الحاجة إنعام على الأريكة وهي تراقب ملامح أدهم بصمت، ثم قالت بابتسامة هادئة
البنت دي ساعدتني في الطريق، ولولاها كان زماني وقعت.
نظر أدهم إلى فيروز، وقال باقتضاب
شكرًا.
أومأت برأسها في هدوء، واستأذنت لتنصرف، لكن الحاجة إنعام أوقفتها.
استني يا بنتي... اشربي فنجان قهوة الأول.
لم تستطع أن ترفض طلب سيدة في عمر جدتها.
جلست في صمت، بينما كانت عينا الحاجة إنعام لا تفارقان وجهها، وكأنها تحاول تذكر شيء قديم.
وفجأة سألتها
اسم والدتك كان إيه؟
ترددت فيروز للحظة، ثم أجابت
أمينة.
تغيرت ملامح الحاجة إنعام للحظة خاطفة، لكنها أخفت دهشتها سريعًا.
قالت بصوت منخفض
ربنا يرحمها.
أما أدهم، فقد لاحظ ذلك التغير، لكنه لم يعلق.
في اليوم التالي...
استدعاها أدهم إلى مكتبه.
دخلت وهي تتوقع أن يكون هناك خطأ في العمل.
لكنه قال بهدوء
جدتي ارتاحت لك جدًا... وعايزك تزوريها كل كام يوم لو وقتك يسمح.
تعجبت فيروز من الطلب.
وأنا؟
ابتسم لأول مرة ابتسامة خفيفة.
هي اللي طلبت.
وافقت احترامًا للحاجة إنعام، ثم غادرت المكتب، لكنها لاحظت أن رانيا كانت تقف خارج الباب تسترق السمع.
ومنذ تلك اللحظة...
بدأت الشائعات تنتشر بشكل أكبر.
بعد يومين...
كانت فيروز ترتب أغراضها في المنزل، فسقط الظرف الأصفر من حقيبتها.
ظل أمامها دقائق طويلة.
وأخيرًا...
قررت أن تفتحه.
لكن قبل أن تمزق طرفه، رن هاتفها.
كان رقمًا مجهولًا.
ردت بحذر.
جاءها صوت رجل مسن يقول
أوعي تفتحي الرسالة وإنتِ لوحدك... لأن اللي فيها هيغيّر حياتك، وفي ناس مستعدة تعمل أي حاجة علشان السر ده يفضل مدفون.
وقبل أن تسأله من يكون...
أغلق الخط.
تسارعت أنفاسها، ونظرت إلى الظرف مرة أخرى.
وفي اللحظة نفسها...
سمعت صوت طرقات قوية على باب شقتها.
تقدمت بخطوات مترددة، وعندما فتحت الباب...
لم تجد أحدًا.
لكن على الأرض كانت توجد حقيبة جلدية قديمة، وعليها ورقة صغيرة كُتب فيها بخط مرتجف
الحقيبة دي كانت أمانة عند والدتك... والوقت جه تعرفي الحقيقة.
ارتجفت يدا فيروز وهي حملت الحقيبة إلى الداخل، دون أن تدرك أن ما بداخلها سيربط بين ماضي والدتها، والحاجة إنعام، وأدهم المنصوري، بطريقة لم يتخيلها أحد أغلقت فيروز باب الشقة بإحكام، وسحبت الستائر، ثم وضعت الحقيبة الجلدية فوق الطاولة.
كانت قديمة جدًا، وعليها آثار سنوات طويلة من الاستعمال، لكن الغريب أن قفلها لم يكن مكسورًا.
فتحتها ببطء...
وفي الداخل وجدت ألبوم صور قديم، وملفًا بني اللون، وميدالية فضية على شكل مفتاح، ودفترًا صغيرًا كُتبت على غلافه عبارة واحدة
لا يُفتح إلا بمعرفة فيروز.
اتسعت عيناها بدهشة.
كيف عرفت والدتها أنها ستصل إلى هذه الحقيبة يومًا؟
فتحت الدفتر بسرعة، لكنها وجدت أن معظم صفحاته ممزقة، ولم يبقَ سوى الصفحة الأولى.
وكان مكتوبًا فيها
يا فيروز... لو الدفتر وصل لإيدك، اعرفي إن الحقيقة أكبر بكتير من اللي كنتِ متخيلاه، وأول شخص لازم تثقي فيه هو قلبك... مش كلام الناس.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
وقبل أن تكمل البحث، لفت انتباهها الألبوم.
فتحت أول صورة...
فوجدت والدتها أمينة وهي في ريعان شبابها، تقف بجوار الحاجة إنعام، وتبتسمان وكأنهما أختان.
همست فيروز بذهول
ماما كانت تعرفها؟
قلبت الصفحة التالية...
لتجد صورة أخرى تجمع والدتها مع رجل لم تره من قبل، لكن أكثر ما صدمها هو وجود طفل صغير يقف بينهما.
كان وجه الطفل مألوفًا بشكل غريب.
ظلت تحدق في الصورة عدة دقائق، ثم انتفضت فجأة.
لقد كان ذلك الطفل يشبه أدهم المنصوري إلى حدٍ كبير.
وفي صباح اليوم التالي...
ذهبت إلى الشركة، لكن عقلها كان مشغولًا بما
 

تم نسخ الرابط