ثلاث غرز في رأسي بقلم محمد عبده
حين فتحت عيني بثلاث غرز في رأسي، كتب زوجي: "أمي لم تلمسكِ إلا قليلاً، كفاكِ تمثيل دور الضحية". لم أرد… فتحت حقيبة بها 150 ألف جنيه، اتصلت بمحاميتي، واختفيت. بعد أسبوع، مكالمة واحدة فقط جمعت الشرطة والجيران ودليلًا قلب كل شيء… وكشف من هي الضحية الحقيقية.
الجزء الأول
— اعتذري لأمي، وبكرة ترجعي البيت. بلاش تعملي قصة على وقعة بسيطة.
قرأت ليلى رسالة أحمد ثلاث مرات وهي على سرير المستشفى. كان في رأسها ثلاث غرز خلفية، وخدها الشمال متورم، ومحلول متوصل في دراعها. بره، ممرضة بتزق عربية معدنية. وجوه، الصمت كان بيوجع أكتر من الجرح.
الليلة اللي قبلها، كانت ليلى راجعة شقتها في القاهرة بعد شغل 10 ساعات في مكتب محاسبة. قبل ما توصل، وقفت في صيدلية تشتري علاج لحماتها، الحاجة أمينة، اللي عايشة معاهم بقالها سنتين.
أول ما فتحت الباب، شمت ريحة أكل محروق.
الحاجة أمينة كانت واقفة قدام البوتاجاز، ماسكة الموبايل وبتتفرج على فيديوهات. وفي الصالة، منى أخت أحمد، بتاكل شيبسي، وابنها بيقطع في ورق نبتة كانت ليلى مربيّاها بقالها سنين.
— الأكل اتحرق — قالت ليلى وهي بتطفي النار — ممكن أعمل حاجة سريعة بدلها.
الحاجة أمينة رفعت عينيها:
— هو أكلي بقى يقرفك؟
— لا طبعًا… بس الأكل المحروق ممكن يضر ضغطك.
— اللي بيضرني إنتِ… خمس سنين متجوزة ابني، ولسه ما عرفتيش تخلفي!
ليلى مسكت كيس الصيدلية جامد. سمعت الجملة دي كتير قبل كده… دفعت تحاليل وعلاجات وديون كتير من غير ما تشتكي، بينما أحمد دايمًا يقول إن أمه "طبعها صعب".
لما الطفل وقع تراب في جزمتها، طلبت منه بهدوء يسيب النبتة.
منى ضحكت بسخرية:
— دي زرعة مش بني آدم… إيه الدراما دي!
— سيبوها — ردت ليلى — أنا مش مستحملة هزار النهارده.
الحاجة أمينة خبطت على الترابيزة:
— إنتِ بتردي عليّ في بيت ابني؟!
— وأنا كمان بدفع في البيت ده.
الصفعة كانت قوية لدرجة إن ليلى فقدت توازنها. قبل ما تلحق تستوعب، زقتها الحاجة أمينة ناحية الطرقة. دماغها خبطت في زاوية الجزامة، ووقعت على الأرض… والدم بدأ ينزل بين شعرها.
منى اتراجعت خطوة… لكنها ما طلبتش إسعاف.
— قومي — قالت الحاجة أمينة — أنا حتى ما عملتش حاجة!
ليلى، وهي شبه فاقدة التوازن، طلعت موبايلها واتصلت بالإسعاف.
في المستشفى، الممرضة كلمت أحمد… كان في رحلة صيد مع أصحابه في العين السخنة.
— حالتها خطيرة؟ — سأل بضيق — وأمي عاملة إيه؟
ما جاش المستشفى.
بس بعت الرسالة دي.
ليلى قلبت الموبايل، فتحت الملاحظات، وبدأت تجمع كل حاجة: إيصالات، تحويلات، عقود، وصور. الساعة 2:13 الفجر، بعتت رسالة لـ سلمى، مديرة العمارة:
"بكرة الساعة 8 عايزة أطلع حاجتي… من غير ما حد يعرف."
سلمى ردت فورًا:
"مدام نادية، جارتك، شافتهم وهما بيخرجوكي… وكمان في كاميرات في الطرقة."
ليلى بطلت عياط.
ولأول مرة من 5 سنين، فهمت إنها مش محتاجة تثبت لحد إيه اللي حصل.
هي بس محتاجة تبطل تحميهم.
وما حدش كان يتخيل إيه اللي هيحصل تاني يوم…
الجزء الثاني
الساعة كانت 7:58 صباحًا لما وصلت ليلى قدام العمارة.
نزلت من التاكسي بهدوء، لابسة نضارة شمس كبيرة تخبي آثار الكدمات، وشال خفيف مغطي جزء من رأسها. في إيدها شنطة صغيرة… لكن جواها كان قرار عمرها كله.
سلمى كانت مستنياها عند الباب.
— إنتِ كويسة؟ — سألتها بقلق.
ليلى هزت رأسها:
— هبقى كويسة… بس لازم أخلص بسرعة.
طلعوا سوا، وكل خطوة على السلم كانت بتفكرها باللي حصل… نفس المكان، نفس الحيطان… لكن إحساسها كان مختلف. المرة دي، مش داخلة تراضي حد… داخلة تاخد حقها.
أول ما فتحت الباب، كان البيت هادي بشكل غريب.
— شكلهم لسه نايمين — همست سلمى.
ليلى ما ردتش… دخلت على طول أوضتها، وبدأت تلم هدومها وأوراقها المهمة. كل حاجة كانت بتتحط في الشنطة كأنها بتسترجع جزء من نفسها.
فجأة… صوت عالي كسر الصمت.
— رجعتي؟!
كان أحمد واقف عند باب الأوضة، وراه أمه الحاجة أمينة، ومنى.
— إنتِ إزاي تدخلي من غير إذني؟ — قال أحمد بعصبية.
ليلى بصتله بثبات:
— دي شقتي زي ما هي شقتك.
الحاجة أمينة قربت منها، بنبرة مليانة سخرية:
— رجعتِ تكملي تمثيل؟ ولا جاية تاخدي فلوس كمان؟
ليلى سكتت لحظة… وبعدين فتحت الشنطة الصغيرة، وطلعت ظرف سميك.
— فلوس؟ دي فلوسي أنا.
رمت الظرف على الترابيزة قدامهم.
— 150 ألف جنيه… كل قرش فيهم متوثق. تحويلات، إيصالات، مصاريف البيت، علاجك يا حاجة، ديونكوا… كله.
أحمد اتفاجئ:
— إنتِ بتعملي إيه؟
— اللي المفروض كنت أعمله من زمان.
فتحت موبايلها، وبدأت تعرض صور:
— دي صور الكاميرات في الطرقة… وقت ما زقتيني ووقعت.
— ودي تسجيلات صوت… لما كنتوا بتتكلموا عني وأنا مش موجودة.
— ودي تقارير المستشفى.
منى بدأت تتوتر:
— إنتِ بتسجلينا؟!
ليلى ردت بهدوء قاتل:
— كنت بحاول أحمي نفسي.
الحاجة أمينة صرخت:
— كله كدب!
في اللحظة دي… ليلى ضغطت على زر الاتصال.
— أيوه يا فندم… اتفضلوا.
دقايق… وكان في خبط على الباب.
اتفتح الباب… ودخلت الشرطة.
وراهم… اتجمعوا الجيران.
مدام نادية كانت أول واحدة تتكلم:
— أنا شفت كل حاجة… الست الكبيرة زقتها قدامي.
الضابط بص للجميع:
— في بلاغ رسمي، وأدلة واضحة.
أحمد حاول يتكلم:
— دي مراتي… وإحنا نحل الموضوع بينا.
ليلى قاطعته:
— أنا مبقتش مراتك.
سكتت لحظة… وبعدين كملت:
— أنا رفعت قضية طلاق… وقضية اعتداء.
الصمت نزل زي الصاعقة.
الحاجة أمينة اتغير لونها:
— إنتِ هتودينا في داهية!
ليلى قربت منها… وقالت بهدوء:
— أنا مش بودي حد في داهية… أنا بس بطلت أكون الضحية.
الضابط طلب منهم ييجوا القسم.
وأحمد، لأول مرة… كان ساكت.
بيشوف كل حاجة بتنهار قدامه.
ليلى خدت شنطتها… وخرجت من البيت.
المرة دي… من غير ما تبص وراها.
لكن اللي ما كانوش يعرفوه…
إن اللي حصل النهارده… كان مجرد البداية.
الجزء الثالث (قبل قبل الأخير)
مرّ أسبوع… لكن الصمت ما كانش هدوء، كان عاصفة بتتكوّن.
ليلى كانت قاعدة في مكتب محاميتها، أستاذة نجلاء، قدامها ملفات مترتبة بدقة… كل ورقة فيها حكاية، وكل حكاية فيها دليل.
— إحنا جاهزين — قالت نجلاء بثقة — بس في مفاجأة إنتِ مخبياها لحد دلوقتي.
ليلى ابتسمت ابتسامة خفيفة:
— مش مفاجأة… دي الحقيقة اللي هما حاولوا يدفنوها.
في نفس الوقت… كان أحمد قاعد في القسم، ملامحه متغيرة لأول مرة.
— إنت فاهم خطورة اللي حصل؟ — قال له الظابط — في شهود وكاميرات وتقارير طبية.
— دي مراتى… كانت بتبالغ — رد أحمد بصوت ضعيف.
— مراتك؟ — الضابط بصله بحدة — ولا الضحية؟
سكت أحمد… لأنه لأول مرة، ما عندوش إجابة.
**
في اليوم المحدد… المحكمة كانت مليانة.
جيران، معارف، ناس جايين يشوفوا القصة اللي بقت حديث المنطقة.
دخلت ليلى بثبات… مش نفس الست اللي خرجت من البيت مكسورة.
وراها محاميتها… وفي إيدها ملف تقيل.
على الناحية التانية، أحمد قاعد جنب أمه الحاجة أمينة، ومنى.
نظراتهم كلها توتر… وخوف.
القاضي بدأ الجلسة:
— نبدأ بعرض الأدلة.
نجلاء وقفت، وفتحت أول ملف:
— تقرير المستشفى… إصابة في الرأس، 3 غرز، كدمة شديدة في الوجه.
بعدها شغّلت فيديو…
كاميرا الممر… اللحظة اللي اتزقت فيها ليلى، وسقطت.