بعد طرد والدي لي ج1
بعد طرد والدي لي من البيت بسبب التحاقي بالجيش، حضرت حفل زفاف أخي لكن اللي حصل هناك قلب كل الموازين.
بعد سبعة عشر عامًا من اليوم اللي طردني فيه أبويا من البيت، رجعت أشوفه تاني في فرح أخويا الصغير.
كان الفرح في قاعة فخمة في القاهرة الجديدة، شكلها يوحي بالثراء القديم، لكن الحقيقة كانت مليانة توتر وخوف من الإفلاس. وقفت في آخر القاعة، لابس بدلة غامقة بسيطة، وواقف باعتدال اتعودت عليه سنين طويلة.
أنا ماكنتش جاي بس عشان أخويا أنا كنت في مهمة سرية لمراقبة رجل أعمال فاسد اسمه كريم منصور، واحد من أخطر ممولي الصفقات المشبوهة، وأبويا كان بيحاول يبيع له شركة العيلة اللي بتنهار.
أبويا شافني.
قرب مني بنفس الخطوة الواثقة اللي فاكرها، وعينيه مليانة نفس النظرة القديمة احتقار واستعلاء. بصلي من فوق لتحت، وابتسم ابتسامة ساخرة.
وفجأة، الراجل الغني كريم منصور وقع كأس النبيذ الأحمر بتاعه على الترابيزة الغالية.
بدل ما ينادي على الجرسون أبويا بصلي أنا.
كان عايز يستعرض سلطته قدام الكل.
قال بصوت واطي مليان أوامر
هات فوطة ونضف اللي حصل. وكمان هات للأستاذ كريم كاس تاني حالًا.
من 17 سنة، كان قفل الباب في وشي وقال لي ما أرجعش غير لما أعتذر عن فضيحتي للعيلة لما اخترت الجيش.
كنت وقتها عندي 18 سنة.
دلوقتي؟
أنا بقيت قائد لآلاف الجنود.
لكن ما اتهزتش.
نزلت بهدوء على ركبتي، ومسحت النبيذ الأحمر من على الأرضية الخشب الفخمة. كنت محافظ على هدوئي عشان مهمتي ما تتكشفش.
خليه يحس بالقوة شوية كمان.
الحفل كمل.
وأبويا سحب أخويا محمود على جنب في أوضة خاصة، وكان بيضغط عليه عشان يمضي عقد بيع الشركة لكريم قبل ما الليلة تخلص.
وفي اللحظة دي العروسة سلمىبكل هدوءها وقوتها، وكانت محامية سابقة في القضاء العسكريمسكت الميكروفون.
ما شكرتش حد.
صوتها اتغير بقى حاد ورسمي.
قالت
في أفراح كتير بيبقى فيها خداع والليلة دي مش استثناء.
القاعة كلها سكتت.
وشاورت ناحية الأوضة اللي فيها أخويا وقالت
ما تمضيش على العقد يا محمود.
وبعدين لفتت ناحيتي.
كل الناس بصت وراها عليّ أنا.
وقفت مستقيمة، وحطت الميكروفون لحظة وبصتلي مباشرة.
وبحركة واضحة وقوية أدتلي تحية عسكرية كاملة.
القاعة كلها اتصدمت.
وقالت بصوت عالي وواضح
ارفعوا كاساتكم للرجل اللي دفع تكاليف الفرح ده كله اللواء آدم الشريف.
سكون مفاجئ سيطر على المكان.
ابتسامة أبويا المتعجرفة اختفت في لحظة.
والحقيقة ظهرت أخيرًا.
الجزء الثاني
الصمت اللي ملأ القاعة كان تقيل كأنه بيضغط على صدور كل اللي واقفين.
العيون كلها اتحولت ناحيتي.
وأبويا كان أول واحد اتكلم، بس صوته ماكانش زي الأول.
كان فيه ارتباك واضح
إيه الهزار ده؟!
لكن محدش ضحك.
سلمى ما اتحركتش من مكانها، وعينيها ثابتة عليّ، كأنها بتأكد للجميع إن اللي اتقال حقيقة مش هزار.
أنا وقفت ببطء.
مسحت إيدي بمنديل، وعدلت بدلتي، وبعدها رفعت رأسي وبصيت في عيون الحضور وبعدين على أبويا مباشرة.
قلت بهدوء
مش هزار يا فندم الحقيقة بس اتأخرت شوية.
همسات بدأت تنتشر في القاعة
لواء؟!
هو ده؟!
إزاي؟!
كريم منصور كان واقف، ملامحه اتغيرت فجأة، وبدأ يحسبها صح. واضح إنه فهم إن اللعبة أكبر مما كان متخيل.
في اللحظة دي، باب القاعة اتفتح.
ودخل مجموعة رجال ببدل رسمية أنيقة لكن وقفتهم كانت عسكرية بحتة.
واحد منهم تقدم خطوة وقال بصوت حازم
تمام يا فندم، المكان مؤمّن.
القاعة كلها اتجمدت.
أنا أومأت له بهدوء.
وبعدين بصيت ناحية كريم منصور وقلت
أستاذ كريم ياريت تفضل معانا شوية.
ابتسم ابتسامة متوترة وقال
مش فاهم في إيه؟ أنا مجرد مستثمر
قاطعته
مستثمر؟ ولا ممول لعمليات غسيل أموال وتهريب؟
الهمهمة زادت والقلق بقى واضح على كل الوجوه.
أبويا اتدخل بسرعة
إنت بتعمل إيه؟! ده ضيف مهم!
بصيت له لأول مرة من غير أي محاولة إخفاء لمشاعري.
وقلت
ضيف؟ ولا آخر أمل ليك عشان تنقذ شركتك؟
سكت.
لأول مرة ماكانش عنده رد.
محمود خرج من الأوضة وهو ماسك العقد، وشكله متوتر
في إيه يا جماعة؟
سلمى قربت منه بسرعة وقالت
ارمي العقد ده دلوقتي.
بص لها وبعدين بص لي وكأنه بدأ يفهم.
أنا كملت
الشركة دي كانت على وشك تقع في إيد ناس هتدمّر كل حاجة وأنا كنت هنا عشان أوقف ده.
وبعدين أشرت للضباط.
في لحظة اتحركوا حوالين كريم منصور.
بدأ يتراجع
إنتوا ماعندكوش دليل!
ابتسمت بهدوء وقلت
الدليل موجود من 6 شهور مراقبة.
واحد من الضباط طلع ملف وقال
تسجيلات، تحويلات، وشهود كل حاجة.
في اللحظة دي كل حاجة انهارت بالنسبة له.
اتقبض عليه وسط ذهول الحضور.
القاعة بقت فوضى
ناس بتهمس ناس بتصور وناس مش فاهمة إيه اللي بيحصل.
لكن أنا كنت واقف في مكاني.
ببص على أبويا.
هو كمان كان باصص لي
بس المرة دي، ماكانش فيه غرور.
كان فيه صدمة وخوف وندم بدأ يظهر.
قال بصوت مكسور
إنت بقيت كده إزاي؟
رديت بهدوء
اليوم اللي طردتني فيه كان أول يوم في حياتي الحقيقية.
سلمى رجعت تمسك الميكروفون، وقالت بابتسامة خفيفة
أعتقد إن الفرح ده عمره ما هيتنسي.
والناس بدأت تصقف
تصفيق مش للفرح بس
لكن للحقيقة اللي ظهرت أخيرًا.
أما أبويا
فضل واقف لوحده.
أول مرة
يحس إنه هو اللي خسر كل حاجة.
يتبع
في انتظار الجزء الثالث قبل الاخير