يعني انا بقيت ولا حاجه ج٣ بقلم منال علي
الجزء الثالث
نجلاء واقفة في مدخل العمارة، عينها مبرقة والورق بيتزحزح من إيدها من كتر الصدمة.. العقد العرفي كان حقيقي، والرسالة اللي في ظهر الورقة كانت بتنهش في هدوئها اللي صدقت إنها وصلت له.. "أحمد كان كاتب الشقة دي ليا أنا.. و هجيلك أخد حقي".. التوقيع كان باسم "نهى".
نجلاء أخدت نفس طويل، وطلعت شقتها.. قفلت الباب وراها وقعدت على أقرب كرسي.. كان ممكن ټنهار، وكان ممكن ټعيط وتندب حظها إن النكد وراها وراها.. بس المرة دي مكنتش نجلاء الضعيفة.. نجلاء امبارح ماټت مع رنة الكلابشات.
مسكت الموبايل وطلبت الرقم المكتوب على ظهر الورقة.. الخط فتح وجاء لها صوت نسائي مستفز:
— ألو.. قريتي الورق؟
نجلاء ردت بكل برود وثبات يدرس:
— قريته يا نهى.. وأحب أقولك إن أحمد كان بيغفلك زي ما كان بيحاول يغفلني.. الشقة دي ملكي أنا من قبل ما أشوف وشه، ومسجلة في الشهر العقاري ومفيش مخلوق يقدر يمس حيطة منها.. روحي دوري عليه في السچن وخديمعاه الإيصالات القديمة والديون اللي سابها وراه.. أنا مبقاش ليا صلة بالقصة دي.
نهى حاولت تزعق وتناقض، بس نجلاء قفلت السكة في وشها وعملت للرقم "بلوك".. وبصت للورق كام ثانية.. وطوتها ببرود.. وبعدين قطعتها حتت صغيرة جدًا.. ورمتها في سلة المهملات وهي بتهز رأسها وتهمس لنفسها بثقة:
— دي مبقتش حكايتي.. والصفحة دي اتقفلت واتحرقت كمان.
المركب اللي تمشي لله تنجح.. بعد الحاډثة دي بأيام، الشقة رجعت لهدوئها.. نجلاء بقت كل يوم الصبح تفتح الشبابيك وتدخل الشمس اللي كانت محرومة منها، وبقت تشتري زرع صغير وتحطه على حافة الشباك يدي بهجة للمكان..
أحيانًا وهي طالعة أو نازلة، كانت تسمع همسات وسرسرة الجيران على السلم:
— أهي دي الست اللي طردت جوزها وحبسته.
— أهي قاعدة لوحدها دلوقتي ولا وراها ولا قدامها.
لكنها ما كانتش بترد.. ولا حتى بتزعل أو تلتفت وراها.. الكلام مبيأكلش عيش، وهي مكنتش بتدور غير على حاجة واحدة بس.. إنها تعيش في أمان!
في يوم من الأيام، بعد حوالي شهرين من الحكاية دي، جرس الباب رن.. فتحت وبصت، لقت مندوب توصيل (دليفري) واقف وشايل كرتونة كبيرة شيك جدًا:
— مدام نجلاء؟
— أيوه أنا.. خير؟
— اتفضلي يا فندم، الأوردر ده مدفوع الشحن والحساب ومبعوت ليكي بالاسم.
قفلت الباب وهي مستغربة، وحطت الكرتونة على السفرة وفتحتها بفضول.. أول ما فتحتها، عينها لمعت من الفرحة.. لقيت طقم مغارف ومقصوصات مطبخ جديدة وشيك جدًا مصنوعة من الخشب الزان الفاخر، ومعاهم كارت صغير عليه خط مألوف.. خط صاحبتها "منى" بتاعت إسكندرية، ومكتوب فيه:
"خلي المعلقة القديمة المکسورة ترتاح شوية في الدرج.. وابدأي اطبخي حياتك الجديدة على نظافة.. بحبك يا صاحبتي".
نجلاء ضحكت من قلبها.. ضحكة عالية وصافية مكنتش تفتكر إنها بتعرف تضحكها أصلاً!
في مكان تاني بعيد.. ورا القضبان الأسمنتية، كان أحمد بيقضي أيامه بين تحقيقات وأسئلة ومشاكل وقضايا ڼصب ملهاش أول من آخر، وندم متأخر ملوش أي قيمة.. ولأول مرة في حياته، يمكن فهم معنى "البيت".. البيت مش أربع حيطان بنتحكم في اللي جواهم، ولا عقد ملكية بنذل بيه شريك حياتنا.. البيت هو الأمان.. والأمان لما بيضيع، كل حاجة بتبقى ولا حاجة!
أما نجلاء... فكانت قاعدة في صالتها الهادية، في شقتها المنورة.. حاطة رجل على رجل، وسامعة صوت نفسها وهي بتتنفس براحة.. الصوت كان هادي.. وجميل.. ومنتظم.. كأنه معزوفة موسيقية مريحة للأعصاب.. ولأول مرة من سنين طويلة قوي.. مفيش أي صوت شخط أو صړيخ بيقطع خلوتها بـ نفسها.
النهاية: