إقلع السلسلة دي لـ محمد عبده
اقلع السلسلة دي إيديك ما تستاهلش 50 جرام دهب
قالت حماتي قدام جوزي، وأنا سكت ونفذت. بس بعدها طلبت إن كل العيلة تتجمع واحتفظت بالفاتورة كاملة، الفاتورة اللي هتخلي حفلتهم تتحول لحاجة عمرهم ما ينسوها.
الجزء الأول
اقلعي السلسلة دي قبل ما توسّخي الدهب بإيديك.
قالتها سلوى بصوت عالي قدام جوزي، من غير كسوف ولا حتى محاولة تخفّي كلامها. كنت واقفة على ترابيزة المطبخ في شقتنا في المنصورة، بقص أطراف الورد لطلبية فرح. صوابعي مليانة خدوش من الشوك، ولسه تحت ضافري شوية تراب. كانت بتبص لإيدي كأنها دليل إني اتخلقت علشان أخدم وبس مش علشان أمتلك حاجة ليها قيمة.
يوم الأحد هنديها ل رنا كملت عندها عيد ميلادها ال ودخلت الجامعة. هي اللي يليق عليها الدهب ده.
حطيت إيدي على رقبتي. السلسلة كانت تقيلة، 50 جرام دهب، وكانت بتاعة جدتي أمينة. مش قطعة حديثة ولا رقيقة كانت سميكة، دهب أصفر، وقفلها قديم جدي كان صلحه مرتين. جدتي اديتهالي قبل ما تموت بأيام.
ما تخليش حد يحدد قيمتك على حسب شغلك قالتلي وقتها.
حماتي كانت عارفة القصة دي أنا اللي حكتها لها يوم ما اتجوزت أنا وكريم.
مش هينفع أديها قلت دي آخر حاجة فاضلة لي من جدتي.
ضحكت بسخرية.
يا ندى، بلاش مبالغة. الذكريات مش بتتقاس بالجرامات. وبعدين إنتي شغالة في مشتل في طلخا طول اليوم شايلة زرع وطين. السلسلة دي ضايعة عليكي.
كريم كان قاعد جنب الشباك، ماسك اللابتوب وبيراجع شغل. شغال مشرف صيانة في فندق، وبقاله شهور بيحاول يتجنب أي مشاكل مع أمه. سمع الكلام وقف كتابة، بس ما اتكلمش.
استنيت.
ثانية
خمسة
عشرة
ولا كلمة.
سلوى طلعت علبة خضرا من شنطتها وحطتها على الترابيزة.
رنا محتاجة حاجة تبيّن إن عيلتها وراها. صاحباتها بنات دكاترة ومحامين ورجال أعمال مش عايزاها تلبس حاجة شكلها رخيص.
ممكن نجيب لها هدية تانية قال كريم بصوت واطي.
إنت اسكت كفاية إنك بتدفع إيجار البيت اللي مراتك ملياه زرع حتى في الحوض.
البيت ما كانش هو بس اللي بيدفعه. السنة اللي قعد فيها من غير شغل أنا اللي كنت بمشي الدنيا، من شغل الورد للفرح والعزاء والتخرج. كمان أنا اللي سلفت فلوس لمصاريف جامعة رنا بس سلوى قالت للكل إنها من فلوسها.
مسكت إيدي ولفّتها بالعافية.
بصي جروح، خشونة، بقع شايفة إن دهب زي ده يليق بيكي؟
سحبت إيدي.
أيوه لأنه كان بتاع ست اشتغلت أكتر مني بكتير.
ابتسامتها جمدت.
بلاش أنانية. رنا زي بنتك خصوصًا إنكم بعد ست سنين جواز حتى ما قدرتوش تجيبولي حفيد.
الكلمة جات في مقتل. هي عارفة إني فقدت حملي السنة اللي فاتت. كريم قفل اللابتوب وسكت برضه.
وده كان أسوأ من الإهانة.
بصيت له وفهمت إن أمه ما كانتش هتتمادى كده لو هو ما كانش سايب لها الطريق بسكوته.
تمام قلت بهدوء حتى أنا استغربته.
كريم رفع عينه.
يعني إيه؟
السلسلة لازم يلبسها حد يعرف قيمتها.
سلوى ابتسمت وزقّت العلبة ناحيتي.
كنت عارفة إنك هتفهمي.
فكّيت السلسلة من ورا رقبتي. الدهب لمس إيدي وبقى بارد. في لحظة افتكرت جدتي وهي قاعدة قدام بيتها بتنقي الفول، والسلسلة بتلمع على صدرها.
وفجأة سمعت صوت ضوافر سكر، كلبنا البلدي اللي لقيناه في الشارع، وهو داخل بيجري وبيهوه. قرب مني وحط راسه على رجلي.
سلوى مدّت إيدها تاخد السلسلة.
أنا قفلت إيدي عليها.
كريم، حضّر حفلة يوم الأحد قلت بهدوء غريب مامتك هتحتاج كل العيلة تكون موجودة.
ليه؟ سأل.
بصيت للعلبة المفتوحة لإيد حماتي وللموبايل اللي سابته على الترابيزة وشاشته منوّرة. لحقت أشوف صورة فاتورة قديمة واسمي مكتوب في رسالة.
ساعتها فهمت إن سلوى مش بس عايزة تاخد السلسلة
دي كانت بتجهّز علشان تتهمني إني سرقتها.
لو كنت مكاني كنت هتعمل إيه لما تكتشف إن عيلتك نفسها بتحضّر لك إهانة قدام الكل؟
شكراً إنك كملت لحد هنا
القصة لسه في بدايتها الجزء الجاي فيه المفاجأة
الجزء الثاني
قضيت باقي اليوم وأنا شغالة بإيدي بس عقلي كان في حتة تانية خالص.
الصورة اللي شفتها على موبايل سلوى ما كانتش صدفة. كانت فاتورة قديمة، ومش أي فاتورة دي كانت فاتورة السلسلة نفسها.
بس إزاي؟
الفاتورة دي المفروض معايا أنا متخبية في درج صغير في أوضتي، جوه علبة خشب قديمة كانت بتاعة جدتي.
رجعت البيت بسرعة بعد ما خلصت الشغل، وقلبي بيدق بعنف. دخلت أوضتي وقفلت الباب ورايا، وفتحت الدرج.
العلبة كانت في مكانها.
بس لما فتحتها إيدي اتجمدت.
الفاتورة مش موجودة.
فضلت أبص للعلبة الفاضية وكأني مش مصدقة. أنا عمري ما طلعتها من مكانها ولا حد يعرف عنها غيري.
ولا حتى كريم.
ساعتها بس، كل حاجة بدأت تركب على بعضها.
سلوى كانت متأكدة زيادة عن اللزوم. طريقتها، كلامها، الضغط اللي عملته ما كانش علشان هدية وبس.
دي كانت مجهزة حاجة أكبر.
قعدت على السرير وأنا بحاول أستوعب.
يعني هي خدت الفاتورة من غير ما أحس؟
ولا
ولا في حد ساعدها؟
الفكرة خبطت في دماغي فجأة، وخلت نفسي يتقل.
كريم.
رفعت عيني وبصيت لباب الأوضة كأني مستنية يدخل في أي لحظة ويأكد خوفي.
هو الوحيد اللي كان ممكن يدخل أوضتي بسهولة من غير ما أشك فيه.
وهو الوحيد اللي سكت سكت على كل كلمة، كل إهانة، كل ضغط.
يمكن ما كانش بس ساكت
يمكن كان عارف.
يمكن كان جزء من اللي بيحصل.
حسيت بحاجة بتتكسر جوايا مش مجرد ثقة، لأ ده إحساس بالأمان نفسه.
بس بدل ما أعيط ابتسمت.
ابتسامة هادية، باردة.
لأن في اللحظة دي قررت.
لو هم ناويين يفضحوني قدام العيلة كلها
أنا كمان هخليهم يندموا على اليوم ده.
قمت وفتحت الدولاب، وطلعت ملف قديم كنت مخبياه.
ملف فيه كل حاجة
إيصالات، تحويلات، صور، رسائل.
كل جنيه دفعته في البيت كل مرة ساعدت فيها، كل دليل على حقي.
حتى فلوس جامعة رنا اللي اتقال إنها من سلوى.
كنت محتفظة بكل حاجة من غير ما أعرف إن اليوم ده هييجي.
قفلت الملف بإحكام، وحطيته في شنطتي.
وبعدين بصيت لنفسي في المراية.
المرة دي مش هسكت.
يوم الأحد كان بيقرب
واللعبة لسه ما بدأتش أصلاً.
الجزء قبل قبل الأخير
صحيت يوم الأحد بدري قبل أي حد.
البيت كان هادي بشكل غريب، بس جوايا كان في دوشة مش بتسكت. لبست بهدوء، واخترت هدوم بسيطة نفس الهدوم اللي سلوى دايمًا بتقلل منها. بصيت لنفسي في المراية، ولمست رقبتي الفاضية مكان السلسلة.
المرة دي أنا اللي قررت أخلعها بس مش استسلام.
ده كان جزء من الخطة.
خرجت من أوضتي لقيت سلوى في المطبخ، بتدي أوامر للخدامة وبتراجع تفاصيل العزومة كأنها حفلة ملكية.
بمجرد ما شافتني، ابتسمت الابتسامة اللي بقت حافظاها.
جاهزة يا ندى؟ النهارده يوم مهم.
جدًا رديت بهدوء.
كريم كان واقف في الصالة، لابس ومرتب بس ملامحه متوترة. عينيه بتتهرب مني، وده أكد شكوكي أكتر.
قربت منه