قصة كاملة بقلم محمد عبده ج3
الجزء العاشر — السر الذي تركه الأب
ظلت ليلى ممسكة بالصورة القديمة، تحدق في وجه والدها وكأنها تراه للمرة الأولى.
قلبتها مرة أخرى.
الجملة ما زالت واضحة:
"القصة لم تنتهِ بعد... لأن والدك ترك لك شيئًا لم تجديه في الخزنة."
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
قالت لنفسها:
— ماذا تركت لي يا أبي؟
جلست على الأريكة، وبدأت تستعيد كل ما حدث خلال السنوات الماضية.
الخزنة.
الأوراق.
الحسابات.
التحويلات.
ثم تذكرت شيئًا صغيرًا لم تهتم به من قبل.
قبل وفاة والدها بأيام، أعطاها مفتاحًا قديمًا وقال لها:
— احتفظي به يا ليلى، سيأتي يوم تحتاجين إليه.
في ذلك الوقت ظنت أنه يتحدث عن صندوق قديم.
لكنها لم تجد شيئًا في الخزنة.
نهضت بسرعة.
بحثت بين أغراض والدها القديمة حتى عثرت على المفتاح.
كان صغيرًا، نحاسيًا، وعليه رقم محفور:
27.
توقفت ليلى.
ثم اتصلت بدانية.
— دانية، أحتاج مساعدتك.
— ماذا حدث؟
— أعتقد أنني وجدت شيئًا تركه أبي.
بعد ساعة، كانت الاثنتان تقفان أمام مبنى قديم يملكه والد ليلى منذ سنوات.
كان المبنى مهجورًا تقريبًا.
سألت دانية:
— لماذا لم تخبريني عن هذا المكان؟
— لأنني لم أكن أعرف بوجوده أصلًا.
دخلتا المبنى.
وفي الطابق السفلي وجدت ليلى صفًا طويلًا من الخزائن المعدنية.
كانت تحمل أرقامًا.
بحثت حتى وصلت إلى الرقم 27.
أدخلت المفتاح.
دار القفل.
فتحت الباب.
كان بداخل الخزانة صندوق أسود صغير.
فتحت ليلى الصندوق بيدين مرتجفتين.
وجدت ملفات.
وصورًا.
وعقودًا.
لكن المفاجأة الأكبر كانت رسالة بخط يد والدها.
فتحتها.
وكان أول سطر فيها:
"إذا وصلتِ إلى هذه الرسالة، فهذا يعني أن عمر لم يكن أخطر شخص في القصة."
رفعت ليلى عينيها إلى دانية.
قالت:
— ماذا يعني هذا؟
— اقرئي.
تابعت ليلى:
"ابنتي ليلى...
أعرف أنك ستكتشفين يومًا أن بعض الناس حاولوا تشويه اسمي، وأن الأموال التي اختفت لم تكن كما أخبروك.
لم أسرق أموال المشروع.
كنت أحاول حمايتها.
لكنني اكتشفت أن مجموعة من الشركاء كانوا يخططون لتحويلها إلى شركات وهمية خارج البلاد.
احتفظت بالأدلة.
ولذلك بدأوا يهددونني.
أحدهم كان أقرب إليّ مما تتخيلين."
توقفت ليلى.
قالت دانية:
— هل ذكر اسمًا؟
هزت ليلى رأسها.
— ليس بعد.
تابعت القراءة.
"لم أستطع مواجهة الجميع وحدي.
لذلك وضعت جزءًا من الأدلة في مكان لا يعرفه أحد.
والشخص الوحيد الذي كان يعرف مكانه...
هو عمر."
شهقت ليلى.
— عمر؟
قالت دانية:
— إذن زواجك منه لم يكن صدفة.
واصلت ليلى القراءة.
"عمر لم يتزوجك بسبب المال فقط.
كان يعرف أنني أخفي شيئًا.
اقترب منك ليصل إليك.
لكنني لم أكن أعرف إلى أي مدى سيذهب."
سقطت الرسالة من يد ليلى.
قالت:
— كان يعرف أبي.
— وربما كان يعمل مع الأشخاص الذين حاول والدك كشفهم.
فتحت ليلى ملفًا آخر.
كانت هناك أسماء كثيرة.
شركات.
حسابات.
تحويلات.
ثم وجدت اسمًا جعل الدم يتجمد في عروقها.
سامح.
لكن المفاجأة لم تكن في وجود اسمه.
بل في التاريخ.
كان سامح يتعامل مع والدها قبل سنوات طويلة من زواجها بعمر.
قالت ليلى:
— دانية...
— ماذا؟
— سامح لم يدخل حياتي بسبب عمر.
نظرت إليها دانية.
— بل دخلها بسبب والدك.
في تلك اللحظة، رن هاتف ليلى.
كان رقمًا مجهولًا.
ترددت قبل أن تجيب.
ثم قالت:
— نعم؟
جاءها صوت رجل هادئ:
— إذا كنتِ قد وجدتِ الصندوق، فأنت الآن تعرفين الحقيقة.
قالت:
— من أنت؟
— شخص كان والدك يثق به.
— ماذا تريد؟
— أن أخبرك أن القضية التي بدأت بعمر وسامح أكبر بكثير مما تتصورين.
صمت قليلًا ثم قال:
— لكن لا تخافي.
— لماذا؟
— لأن والدك لم يترك لك الأدلة فقط.
— ماذا ترك أيضًا؟
جاء الرد:
— ترك لك الدليل الذي يمكنه إسقاط الجميع.
ثم انقطع الاتصال.
نظرت ليلى إلى دانية.
قالت المحامية:
— هل سنبحث عنه؟
ابتسمت ليلى لأول مرة منذ أيام.
— لا.
— لماذا؟
رفعت الملف في يدها.
— لأنه هذه المرة...
هم من سيبحثون عني.
بعد أشهر، ظهرت الحقيقة كاملة أمام المحكمة.
كشفت المستندات أن شبكة مالية كبيرة كانت تستخدم شركات وهمية لإخفاء الأموال وتحويلها.
ثبت تورط سامح في إدارة جزء من العمليات.
أما عمر، فثبت أنه زوّر مستندات واستغل زواجه من ليلى للوصول إلى أصول والدها.
نادين قدمت شهادتها، وكشفت تفاصيل أخرى ساعدت التحقيق.
أما ليلى...
فلم تعد المرأة التي جلست يومًا في المقعد 7C وهي تحاول فهم سبب خيانة زوجها.
لقد أصبحت صاحبة القضية التي كشفت شبكة كاملة من الفساد والخداع.
وفي يوم صدور الحكم، خرجت ليلى من المحكمة.
كانت دانية بجانبها.
قالت:
— انتهى كل شيء.
نظرت ليلى إلى السماء.
— لا.
ابتسمت دانية.
— ماذا تقصدين؟
قالت:
— هذه المرة انتهى خوفي فقط.
ضحكت دانية.
ومضت الاثنتان بعيدًا عن المحكمة.
وفي المساء، عادت ليلى إلى منزلها.
وضعت صورة والدها على الطاولة.
ثم قالت بهدوء:
— الآن فهمت لماذا طلبت مني ألا أثق بسهولة.
فتحت درجًا صغيرًا.
وأخرجت تذكرة قديمة.
كانت تذكرة الطائرة.
7C.
احتفظت بها طوال هذه الفترة.
نظرت إليها طويلًا، ثم ابتسمت.
لم يعد المقعد 7C بالنسبة لها رمزًا للخيانة.
بل أصبح رمزًا للحظة التي بدأت فيها تستعيد حياتها.
حياة لم يعد عمر جزءًا منها.
ولا سامح.
ولا أي شخص يستطيع ابتزازها أو التحكم فيها.
أغلقت الدرج.
ثم فتحت النافذة.
دخل هواء الصباح إلى الغرفة.
لأول مرة منذ اثني عشر عامًا، شعرت ليلى أنها حرة حقًا.
وضعت يدها على صورة والدها وقالت:
— شكرًا يا أبي.
ثم ابتعدت عن النافذة.
لكن قبل أن تغادر الغرفة، وصلتها رسالة جديدة.
رقم مجهول.
فتحتها.
كانت تحتوي على صورة واحدة فقط.
صورة لرجل يقف بجوار والدها قبل سنوات.
حدقت ليلى في الصورة.
ثم تجمدت.
لأن الرجل لم يكن غريبًا.
كان الشخص الذي ظنت طوال حياتها أنه أكثر إنسان يمكنها الوثوق به.
وتحت الصورة كُتبت جملة قصيرة:
"هل أنت مستعدة لمعرفة الحقيقة الأخيرة عن والدك؟"
رفعت ليلى عينيها.
ابتسمت.
وقالت:
— نعم.
وهكذا انتهت قصة المقعد 7C...
لكن قصة ليلى الحقيقية...
كانت قد بدأت للتو.