اخت جوزي ج3 ...... منال علي

لمحة نيوز

اللحظة دي كانت زي السكينة اللي بتفصل بين عمرين.

​أحمد باصصلي ومستني ردي، وشه فيه علامات استفهام كتير ومش فاهم إيه اللي بيحصل.

وجوز سارة واقف محرج وراها وبيبص في الأرض.

أما سارة... فكانت مبتسمة ببرود يخوف، ومثبتة عينيها في عيني كأنها بتقولي: «انحني واقبلي، وإلا هقلب الترابيزة على دماغك».

​في ثانية واحدة، مر شريط التلات سنين قدام عيني:

تبييض هدوم، طبخ بالطلب، نزول وطلوع طول شهور حملها ورجلي وارمة، كلام حماتي وطبطبتها السلبية، وإحساسي إني عايشة في ضغط وتعب دائم عشان أرضي أخت شايفة إن من حقها تستغلني وتخليني خدامة لبيتها.

​وسألت نفسي سؤال واحد:

هو أنا لو بلعت الكيس ده النهاردة، وبكرة، وبعده... هعيش إمتى؟

المواجهة مرة واحدة أهون ألف مرة من إني أموت كل يوم بالبطيء وأنا محنية ومكسورة الخاطر.

​التردد اللي كان مكتفني، اتبخر فجأة.

اتبخر وحل محله هدوء غريب... هدوء الست اللي خلاص استكفت ومش باقية على حاجة تغضب كرامتها.

​أحمد كرر سؤاله باستغراب:

«في إيه يا نادين؟ مالك ساكتة كده؟ هي فعلاً كانت متفقة معاكي على الهدوم؟»

​بصيت لسارة في عينيها مباشرة، شوفت ومضة قلق صغيرة ظهرت في نظرتها أول ما لقتني ثابتة ومش مهزوزة.

​أخدت نفس طويل، ولفيت وشي لأحمد، وقولت بصوت هادي وقوي ملأ الصالة:

«لأ يا أحمد... مش متفقة. ومش هاخد الهدوم دي، ومش هغسل قشاية تانية في بيتها لحد ما أموت.»

​الصالة سكتت سكون تام.

جوز سارة اتخض، وأحمد تنح وبصلي بصدمة: «نادين؟! إيه الكلام ده؟ مالك بتتكلمي كده ليه وبتردي على أختي بالطريقة دي؟»

​سارة وشها قلب ألوان، وابتسامتها الباردة اختفت، وقالت بنبرة حادة طالع منها غل:

«شكلك نسيتي نفسك يا نادين... شكلك فاكرة إنك فوق المساءلة، تليفوني في إيدي والمسدجات اللي شايلاها ليكي من زمان كفيلة تعرف أحمد حقيقتك!»

​أحمد لف لأخته وزعق:

«تليفون إيه ومسدجات إيه؟! أنتوا في إيه بينكم؟! ما تفهموني الحكاية من أولها!»

​دموعي نزلت، بس المرة دي مكنتش دموع ضعف... كانت دموع قهرة سنين بتخرج.

قربت من أحمد ووقفت قدامه وقولتله:

«الحكاية إن أختك بتلوي دراعي يا أحمد. شيفاني طيبة وبخاف على زعلك وعلى بيتي، فاستغلت فضفضتي معاها زمان وبقت تحاسبني عليها وتخليني خدامة لبيتها ولجوزها عشان خايفة إنك تفهمني غلط!»

​أحمد عروق وشه نفرت وبص بيني وبينها: «كلام إيه وفضفضة إيه؟ انطقوا!»

​سارة طلعت تليفونها بسرعة وفتحت الشات وقالت بغيظ:

«اتفضل يا أحمد، شوف الهانم قبل فرحكم بأسبوعين كانت بتبعت تقولي إيه في حقك! اقرأ كلامها وهي بتقول إنها خايفة من طباعك ومش مطمنة ليك وبتقول إنك عصبي ودمك حامي ومكنتش عارفة تكمل ولا لأ! شوف اللي كانت شايلاه في قلبها من وراك، وأنا اللي كنت ساكتة ومستحملة عشان بيتك ميتخربش!»

​سارة مدت الموبايل لأحمد وهي فاكرة إنها خلاص انتصرت وكسرتني قدامه.

​أحمد خطف الموبايل منها، وبدأ يقرأ الكلام بتركيز، وعينيه بتتحرك بين السطور.

أنا فضلت واقفة مكاني، رافعة راسي وبصاله بكل صدق:

«اقرأ يا أحمد... اقرأ كل كلمة قولتها. كنت مرعوبة قبل الفرح، صغيرة ومش فاهمة عصبيتك، روحت لأختك بحسن نية أفضفض معاها وأقولها إني بحبك بس خايفة من زعلك وطالباها تنصحني وتطمني... بدل ما تكون أخت وسند، شالت الرسايل دي تلات سنين عشان في كل مرة أقول فيها تعبانة، تقول لمامتها دي متكبرة وأنا هفضح كلامها القديم لأخويا وأعرفه كانت بتقول إيه في ضهره!»

​أحمد فضل باصص في التليفون...

ثواني كانت أطول من سنين.

سارة كانت بتبتسم ورا ضهره وفاكرة إنها أشعلت النار، وقالت: «شفت يا أحمد؟ شفت إنها كانت بتشتكي منك في ضهرك؟»

​أحمد نزل إيده ببطء... ولف وشه لسارة.

بس النظرة اللي في عين أحمد مكنتش غضب مني نهائي...

كانت نظرة صدمة وعتاب قاسي جداً لأخته.

​أحمد صوته طلع واطي ومخنوق من كتر الخذلان:

«ده اللي مسكاه على مرات أخوكي يا سارة؟ رسايل بنت بتفضفض معاكي بأمانة وبتقولك أنا بحب أحمد ونفسي نعيش في هدوء بس خايفة من نرفزته، وبتترجاكي تنصحيها إزاي تحتويني؟ ده الكلام اللي شايلاه في التليفون تلات سنين عشان تذليها بيه؟!»

​سارة اتلجلجت ووشها احمر: «أحمد... دي... دي كانت بتتكلم عليك من وراك...»

​«اخرسي!»

صوت أحمد رج أركان الشقة، لدرجة إن كيس الهدوم وقع من إيد سارة على الأرض.

​أحمد قرب من سارة وهو مصدوم:

«أنتي أختي أنتي؟! بدل ما تطمنيها وتاخديها في حضنك، تشيلي كلامها وتستغلي خوفها وطيبتها عشان تغسلك وتطبخلك وتخدمك وهي حامل وتعبانة؟! بقى دي الست اللي شالتك في عينيها تسع شهور حمل، وكنت دايمًا تقولي نادين أختي ومبتتأخرش عني؟! كنتي مسيطرة عليها باللؤم ده؟!»

​جوز سارة وشه بقى في الأرض من شدة الإحراج والكسوف، وشد مراته من دراعها: «حقك عليا يا أحمد... والله العظيم أنا ما كنت أعرف ولا أقبل المهزلة دي أبداً.»

​أحمد بص لمصطفى وبص لأخته بنظرة حاسمة:

«تاخد مراتك يا مصطفى وتتفضلوا، وأقسم بالله لو سمعت إنها قربت من نادين بكلمة أو لمحت رجلها في شقتي دي تاني، لا هتبقى أختي ولا أعرفها لحد ما أموت!»

​سارة حاولت تتكلم وتبرر، بس جوزها شدها وخرج بيها وهو مكسوف جداً من تصرفاتها، وأحمد قفل الباب وراهم بحزم.

​الصالة رجعت هادية.

أحمد وقف شوية ضهره ليا، حاطط إيديه على وشه ومش مستوعب كمية اللؤم اللي ظهرت من أقرب الناس ليه.

​قعدت على الكرسي وأنا بنهج، ودموعي بتنزل في صمت من كتر الضغط اللي انزاح من فوق كتافي.

​أحمد لف ببطء، وقرب مني، وقعد قدامي ومسك إيديا الاتنين:

«حقك عليا يا نادين... أنا آسف إني خليت عصبيتي زمان تخوفك مني وتخليكي تدوري على أمان عند حد مبيصونش الأمانة. وآسف على كل يوم شيلتي فيه فوق طاقتك عشان خاطر ترضيهم وتتفادي المشاكل.»

​بصيت في عينيه وقولتله:

«أنا كان كل همي بيتنا يفضل هادي يا أحمد، وعمري ما كرهت أهلك، بس كان لازم أقف لنفسي لأن التمادي مكنش هيخلص.»

​أحمد مسح دموعي وقال بلهجة حاسمة:

«من النهاردة مفيش حد يقدر يملي عليكي حرف، وبيتك وكرامتك هما أولويتي، واللي ميحترمكيش في بيتي ملوش مكان فيه.»

​تاني يوم، حماتي عرفت باللي حصل. نزلت اعتذرتلي وهي مكسوفة، وعرفت إن بنتها غلطت بغباء وإن سكوتها عليها كان أكبر غلطة.

الأيام عدت، وبقت الحدود واضحة وصريحة بيني وبين الكل، وعلاقتي بأحمد بقت أقوى وأنضج بكتير لأننا اتعلمنا إن الوضوح والمصارحة هما الحماية الحقيقية لأي بيت.

​وأنا اتعلمت الدرس اللي غير حياتي:

الطيب مش معناه الساذج، وكلمة «لأ» لما بتتقال في وش الاستغلال، هي أول خطوة لحماية النفس وراحة البال.

تم نسخ الرابط