فخ في دولابي ج3 ...... منال علي
مسكت الورقة بإيد بترتعش، وقربتها من عيني تحت نور الأباجورة الخافت.
كانت مكتوبة بخط إيد أنثوي، ناعم وحزين، وموجهة لآدم:
"آدم…
الفلوس اللي مامتك بعتتهالي عشان أسلّمها باقي التحاليل والتقارير الطبية بتاعتك وتشتري سكوتي، مش هتعوضني عن حرقة قلبي ولا التشويه اللي شوهتوه لسمعتي قدام الناس لما فسخت خطوبتنا.
أنا سكت ووافقت أطلع من حياتك بكرامتي ومقولتش لحد إنك عقيم ومفيش أمل في علاجك، وسبت مامتك تروّج في كل حتة إني أنا اللي مابخلفش عشان تحمي اسمك ورجولتك.
بس ربنا شاهد على ظلمكم… وحسبي الله ونعم الوكيل فيك وفيها. ربنا ينتقم منكم، وذنب المسكينة اللي هتدبسوها في الجوازة دي هيكون في رقبتكم ليوم الدين."
— ريهام.
الدنيا لفت بيا… بقلم مـنال عـلي
وقفت مكاني وكأن صاعقة ضربتني في نفوخي.
ريهام… خطيبته القديمة اللي فسخ معاها قبل ما يتقدملي بشهور!
أمه كانت دايمًا تقولي عنها: "دي كانت واحدة قليلة الأصل ومابتخلفش، والحمد لله إن ابني ربنا نجاه منها قبل ما يتورط!"
كل حاجة في ثواني بانت واتكشفت قدام عيني!
الصورة وضحت زي الشمس في عز الضهر:
حماتي كانت عارفة إن ابنها عقيم…
وعشان تحميه، كانت بتدور على أي وسيلة تعلق بيها العيب على الست اللي هيتجوزها!
ولما دخلت أوضتي وفتشت في أدراجي ولقيت تحاليل التكيسات وعلاج تنظيم الهرمونات، طارت من الفرحة…
شافت فيها طوق النجاة!
قررت تسبق وتعمل الفضيحة، عشان تحطني في خانة المذنبة، والناس كلها تقول: "يا عيني على آدم، اتدبس في واحدة مابتخلفش وهو مش عارف!"
والورقة دي كانت شايلاها معاها عشان تتخلص منها، ولما شدت الظرف بتاعي من شنطتها رمت الورقة دي بالغلط معاه على السرير!
في اللحظة دي، الدموع اللي في عيني نشفت تمامًا.
الكسرة والخوف اللي كنت حاسة بيهم اتبخروا، وحل مكانهم برود غريب وقوة عمري ما حسيت بيها في حياتي.
طلعت تليفوني بهدوء شديد.
صورت الورقة صورة واضحة جدًا، ورفعتها على الإيميل وعلى الواتساب عندي عشان تضمن حقها.
وبعدها صورت روشتات علاجي والتقارير الطبية اللي بتوضح إن اللي عندي مجرد تكيسات بسيطة بتتعالج في كام شهر.
فتحت الدولاب، طلعت شنطة سفري الكبيرة.
لميت كل هدومي، قفلتها، وأخدت دهبي وأوراقي الرسمية وحطيتهم في شنطة إيدي.
وقبل ما أمد إيدي على الباب عشان أخرج، سمعت صوت المفتاح في الباب اللي بره.
آدم كان راجع الشقة.
دخل الأوضة بملامح حادة، وكان متوقع يلاقيني منهارة على الأرض وبلطم على وشي وبترجاه يسامحني.
بص للشنطة المحطوطة على الأرض، وبصلي باستغراب وقال بقسوة:
"إيه ده؟ فاكرة إنك بالتمثيلية دي هتخليني أصعب عليا؟ أمي نزلتني تحت وقالتلي خليك رحيم بيها، بس بشرط… الجوازة دي عشان تكمل، تمشي تحت خط رجل أمي، ومن بكرة تروحي لأكبر دكاترة عشان تشوفي مصيبتك دي ليها حل ولا لأ!"
بصيت له من فوق لتحت بابتسامة سخرية هادية.
ابتسامة خلته يرتبك ويرجع خطوة لورا.
سألني بعصبية: حصري علي روايات واقتباسات
"إنتِ بتبتصلي كده ليه؟! اتجننتي؟!"
طلعت الورقة من جيبي ومديت إيدي بيها قدامه:
"اقرأ دي يا باشمهندس… وفهمني مين فينا اللي عنده مصيبة؟ ومين اللي لابس قناع ومقضيها غش وكدب؟"
آدم خطف الورقة باستهزاء…
لكن أول ما عينه جت على الكلام المكتوب، وشه بهت تمامًا.
الدم هرب من ملامحه، إيديه بدأت ترتعش، والورقة وقعت منه على الأرض زي ما وقعت منه رجولته في نظري في اللحظة دي.
بصلي برعب، وصوته اختفى:
"نـ… نورهان… الورقة دي… دي… جبتيها منين؟"
ضحكت بصوت عالي:
"جبتها من الحجة سعاد! أمك اللي كانت متطوعة تحميك من الغش والكدب، وهي بترمي أوراقي على السرير وقعت منها ورقة فضيحتك!"
آدم جرى ومسك إيدي بترجي هستيري:
"نورهان، اسمعيني أبوس إيدك! والله أمي هي اللي دبرت كل حاجة! أنا كنت رافض، كنت خايف أقولك تتخلي عني! أمي قالتلي متقلقش، البنات دلوقتي كلها عندها مشاكل، وإحنا هنلاقي طريقة نلبسها الموضوع… أنا بحبك والله العظيم بحبك!"
سحبت إيدي منه بقرف وزقيته بعيد عني:
"إنت مبتحبش غير نفسك وأمك وجبنك! إنت مش راجل يا آدم… الراجل ميسمحش لأمه تفتش في عرض مراته، ولا يقبل يبني حياته على فضيحة وتشويه سمعة بنت ناس عشان يداري عيبه!"
وفجأة، الباب اتفتح على آخره.
حماتي دخلت وهي بتزعق:
"صوتكم عالي ليه يا قادرة؟! إنتِ فاكرة نفسك…؟"
كلامها وقف في زورها لما شافت الورقة اللي في إيد آدم، وشافت وشه الأصفر اللي زي الأموات.
حماتي حطت إيدها على صدرها وقالت بارتباك لأول مرة أشوفه فيها:
"إيه ده… الورقة دي…؟"
قربت منها، ووقفت قصادها بكل قوة وعيني في عينها:
"الورقة دي اللي مكنتيش عايزة حد يشوفها يا حاجة سعاد… الورقة اللي هتخلي كل العيلة والمنطقة يعرفوا ابنك الباشمهندس حكايته إيه، وإن خطيبته القديمة مكنتش العيب فيها، وإني أنا كمان مش العيب فيا!"
حماتي بدأت ترتعش، ولونها اتخطف:
"إنتِ… إنتِ هتعملي إيه؟ استهدي بالله يا بنتي، إحنا أهل ومفيش حاجة تخرج بره الشقة دي!"
رديت بمنتهى الحسم والبرود:
"أنا مش بنتك… ولا عمري هكون.
ورقتي توصلي على بيت أبويا في خلال أسبوع بالكتير، بكامل حقوقي الشرعية: مؤخري، ودهبي، وقايمتي مليم ينطح مليم!
لو لفيتوا ولا درتوا، أو فكرتوا تطلعوا عليا نص كلمة مش كويسة في حق سمعتي…
الصورة اللي على موبايلي دي هتكون بكرة الصبح عند كل قرايبكم، وفي الشركة اللي ابنك شغال فيها، عشان الناس كلها تعرف مين العروسة المؤدبة ومين اللي عايشين على الخداع!"
آدم كان واقف عاجز، بيبكي بقلة حيلة.
وحماتي قعدت على أقرب كرسي وهي حاطة إيدها على راسها، ومش قادرة ترفع عينها فيا.
مسكت شنطتي بإيد واثقة، وخرجت من باب الشقة. حصري علي روايات واقتباسات
نزلت السلم وأنا حاسة إن جبل كامل انزاح من على صدري.
وقفت في الشارع تحت هوا الفجر البارد، وأخدت نفس عميق حسيت بيه بطعم الحرية لأول مرة من يوم ما دخلت البيت ده.
بعدها بعشر أيام بالظبط، ورقة طلاقي وصلت لبيت والدي ومعاها كل حقوقي كاملة من غير أي مماطلة ولا كلمة واحدة.
أهلي لما عرفوا الحقيقة وقفوا في ضهري ودعموني، والحمد لله إني خرجت من الدايرة المسمومة دي بدري قبل ما تضيع سنين عمري في كدبة.
اتعلمت إن اللي بيتنازل عن حدوده وكرامته من أول يوم، بيخسر نفسه في الآخر.
وإن حبل الكدب دايمًا قصير… حتى لو كانت اللي ماسكاه، حماة مفكرة نفسها أذكى من الدنيا كلها.
#حكايات_منــال_عـلـي