الجزء الاخير

لمحة نيوز

الثاني 

تحركت السيارة وسط شوارع مظلمة، تبتلعها عتمة الليل.
في الداخل… كان الصمت مختلفًا.
ثقيل… متوتر… كأنه ما قبل العاصفة.
نظر السائق إلى الحاج سليمان الدهبي بطرف عينه:
— يا باشا… الراجل ده مش لوحده.
لم يرد سليمان.
عيناه ثابتتان للأمام…
لكن عقله كان في مكان آخر.
مع طفلة عمرها ست سنوات…
تسأله إن كانوا سيقتلونها.
شدّ فكه بقوة.
— مش فارق معايا كام واحد — قال أخيرًا —
الليلة دي… كل حاجة هتخلص.
المبنى كان شبه مهجور.
جدران متآكلة.
إضاءة بتترعش.
وريحة كحول رخيص… وإهمال.
الدور التالت.
شقة 3.
— هنا — همس رجله.
سليمان لم يخرج سلاحه.
لم يكن يحتاجه.
طرق الباب.
خطوات متخبطة من الداخل…
وصوت غاضب:
— مين اللي بيخبط كده؟!
الباب اتفتح شِبه فتحة…
وفجأة…
كل شيء اتغير.
الرجل اللي جوه شافه…
فاتجمد مكانه.
— لا… لا… أنا ما عملتش حاجة…
— فؤاد؟ — قال سليمان بهدوء.
وقعت السكينة من إيده.
— والله ما عملت… أنا كنت سكران…
دفع سليمان

الباب ودخل.
طفايات مليانة.
زجاجات في كل مكان.
نفس الريحة… نفس القرف.
— عارف أنا مين؟
الرجل كان بيرتعش.
— عارف… بالله عليك…
جلس سليمان بهدوء على كرسي متهالك…
كأنه في بيته.
— بنت صغيرة — قال —
ست سنين… اسمها رحمة.
بدأ الرجل يعيط.
— كنت سكران… ماكنتش واعي…
— كدب.
صوته كان هادي…
لكن قطع المكان زي السكينة.
— كنت عارف كويس بتعمل إيه.
وقف ببطء…
كل خطوة تقيلة.
— علمتها الألم… فاكر؟
الرجل وقع على ركبته:
— سامحني! والنبي سامحني!
— دلوقتي دورك تتعلم.
اللي حصل بعد كده…
ماحدش حكاه.
لكن في العمارة دي…
الصريخ فضل شغال وقت طويل.
ولما وقف…
كان الصمت… أسوأ.
قبل الفجر…
رجع سليمان البيت.
كل حاجة كانت هادية.
زيادة عن اللزوم.
لحد ما شافها.
رحمة.
قاعدة على السلم…
مستنية.
دايمًا مستنية.
— المفروض تكوني نايمة — قال.
— هو مش هيرجع تاني؟
السؤال مباشر.
من غير لف.
بص لها سليمان…
ولأول مرة…
مش الزعيم هو اللي رد.
الإنسان.
— لأ.
فضلت تبص
له…
تدور… زي كل مرة…
وبعدين…
عينيها اتمليت.
مش فراغ…
دموع.
— بجد؟
صوتها كان بيترعش.
— بجد.
وفي اللحظة دي…
ولأول مرة…
الطفلة انهارت.
عيطت.
بصوت عالي.
من غير خوف.
من غير ما تخبي.
سليمان…
في الأول بتردد…
كأنه مش عارف يعمل كده.
لكن ما سابهاش.
المرة دي… لأ.
عدت الأيام.
الطفل يوسف… اتحسن.
بطل يعيط من الجوع…
وبقى يضحك.
رحمة… بطلت تخبي الأكل كتير.
رغم إنها أحيانًا… كانت لسه بتعمل كده.
احتياط.
وفي يوم…
وهم بيلعبوا في الجنينة…
يوسف مد إيده الصغيرة…
وقال أول كلمة:
— ما… ما…
رحمة سكتت.
وبعدين ابتسمت…
ابتسامة حقيقية.
وسليمان… من بعيد…
حس بحاجة في قلبه.
حاجة جديدة.
مخيفة…
لكن مش وجع.
دي كانت… حياة.
لكن الهدوء…
ما بيدومش.
في يوم…
الباب اتفتح.
ودخلت.
— أنا جاية آخد ولادي.
الأم.
لبسها شيك.
شكلها مرتب.
دموعها… زيادة عن اللزوم.
رحمة اتجمدت.
جسمها بيرتعش.
— تعالي يا حبيبتي… ماما رجعت.
لكن رحمة ما اتحركتش.
جريت…
بس مش ناحيتها.

استخبت ورا سليمان.
ومسكت في هدومه بقوة.
— لأ.
كلمة واحدة…
لكن كفاية.
وشّ الأم اتغير.
— دول ولادي — قالت ببرود —
ولو ما ادتهمليش… هبلغ عنك.
سليمان بص لها…
من غير عصبية.
— جرّبي.
المحكمة كانت سريعة…
وصعبة.
الأم عيطت قدام القاضي.
اتكلمت عن الندم…
والغلط…
لكن فجأة…
رحمة اتكلمت.
صغيرة… ضعيفة…
لكن قوية.
— ماما قالت هترجع… وما رجعتش.
الصمت ملأ القاعة.
— هو ما وعدنيش بحاجة…
بس فضل.
بصت لسليمان.
— ما ضربنيش…
ما سابنيش…
وما سابش أخويا يموت.
سكتت لحظة…
— أنا اخترت.
القاضي فهم.
بعد أسابيع…
البيت رجع هادي.
لكن مش زي الأول.
بقى… بيت بجد.
في ليلة…
رحمة قربت من سليمان.
— هو…
رفع عينه.
— نعم؟
ترددت…
كأنها أصعب كلمة في حياتها.
— ينفع… أناديك بابا؟
الوقت وقف.
حرفيًا.
سليمان ما ردش فورًا.
عينيه لمعت…
بهدوء.
نزل لمستواها.
— ينفع.
كلمة واحدة…
بس غيرت كل حاجة.
ابتسمت…
وحضنته.
المرة دي…
من غير خوف.
من غير شك.
وهو…
حضنها بقوة.
كأنه
أخيرًا…
بعد سنين طويلة…
لقى الحاجة اللي افتكر إنه خسرها للأبد.
لأن أحيانًا…
الحياة ما بترجعش اللي أخدته منك.
لكن لو كنت محظوظ…
بتديك فرصة تانية.
والمرة دي…
الحاج سليمان…
مش ناوي يضيعها.
أبدًا.

تمت محمد عبده 

تم نسخ الرابط