بعد ٥ سنين غربة

لمحة نيوز

سقطت الحقائب الثلاث الثقيلة وأكياس الهدايا من يد محمود على أرضية الخرسانة بصوت مكتوم، وتناثرت ألعاب الأطفال وعلب الهدايا في كل مكان…
في تلك اللحظة، شعر وكأن الهواء قد سُحب من صدره.
هناك…
على قطعة كرتون مبللة بجوار أكياس القمامة…
كانت تجلس نورا.
زوجته الجميلة التي تركها منذ 5 سنوات، بوجهها المشرق وابتسامتها الدافئة…
تحولت الآن إلى شبح إنسانة.
جسد هزيل…
بشرة شاحبة…
ملابس ممزقة ومتسخة.
وبجوارها…
كان ابنه آدم يرتجف من البرد، حافي القدمين، وعلى جسده الصغير آثار كدمات وجروح واضحة…
وأمامهما طبق بلاستيك مكسور، بداخله بقايا أرز فاسد وقطع محترقة من اللحم… من القمامة.
— "نورا…؟"
خرج صوت محمود مكسورًا، بالكاد يُسمع.
انتفضت نورا وابنها من الرعب، ورفعت رأسها ببطء…
وعندما رأته…
انفجرت بالبكاء.
لكنها لم تجرِ نحوه…
بل تراجعت للخلف، واحتضنت

طفلها وكأنها تحميه من خطر!
— "محمود؟! أنت بجد؟… ولا أنا بحلم؟"
أما الطفل، فاختبأ خلفها وقال بخوف:
— "مين الراجل ده يا ماما؟… هو ده اللي تيته قالت إنه هييجي يقتلنا لو طلبنا أكل؟"
كانت تلك الجملة كفيلة بأن تُحطم ما تبقى داخل محمود.
انهار على ركبتيه…
وبكى بحرقة لم يبكِ مثلها في حياته.
كل تعبه… كل سنينه… كل الأموال التي كان يرسلها…
تحولت فجأة إلى خيانة بشعة.
وفجأة… تغيّر كل شيء.
نهض محمود…
لكن هذه المرة، لم يكن نفس الرجل.
ملامحه تحولت إلى غضب مرعب.
حمل ابنه بين ذراعيه بقوة، وأمسك بيد زوجته المرتجفة، واتجه بهم نحو داخل المنزل…
ركل باب المطبخ بقوة حتى كاد يُكسر…
ودخل وسط الفيلا…
مرّ عبر الرخام الفاخر والأثاث الغالي الذي دفع ثمنه…
حتى وصل إلى الحديقة حيث الحفل في أوجه.
— "يا فاطمة! يا سارة!"
صوته دوّى كالرعد…
وتوقفت الموسيقى
فجأة…
وساد صمت مرعب.
الجميع التفت نحوه…
ينظرون بصدمة إلى الرجل الغاضب… والمرأة والطفل بحالتهما المزرية.
تجمّدت سارة في مكانها…
وسقط الطبق من يد الحاجة فاطمة وتحطم على الأرض.
— "محمود! يا حبيبي! إيه المفاجأة دي؟!" قالت الأم بتوتر وهي تحاول الاقتراب.
لكن صرخ فيها:
— "إياكِ تقربي!"
وأشار إلى زوجته وابنه:
— "إيه اللي حصل لهم؟! كنت ببعت 100 ألف جنيه كل شهر عشان يعيشوا ملوك… ألاقيهم بياكلوا من الزبالة؟!"
بدأ الضيوف يتهامسون…
والصدمة تملأ وجوههم.
لكن سارة حاولت التبرير بغرور:
— "إهدى يا محمود… مراتك دي مهملة… وإحنا بس كنا بنربيها! وبعدين كانت بتتصرف غلط مع الناس…"
لكن نورا صرخت وهي تبكي:
— "كفاية كذب!"
— "من أول يوم سافرت، أخدوا مني بطاقتي وموبايلي… وحبسوني! هددوني ياخدوا ابني مني! اشتغلت خدامة عندهم… ولو ما فيش أكل… نفضل جعانين!
"
— "ابنك كانوا بيضربوه لو طلب ميه!"
ساد صمت ثقيل…
الحقيقة كانت أقسى من أي خيال.
حاولت الأم التمثيل:
— "دي كدابة! دي مجنونة!"
لكن محمود قال ببرود:
— "إنتِ مش أمي… إنتِ وحش."
وأخرج هاتفه…
— "ألو… الشرطة؟ عايز أبلغ عن احتجاز وتعذيب وسرقة…"
انفجر الذعر…
الضيوف هربوا…
وسارة بدأت تصرخ…
والأم وقعت على الأرض تتوسل:
— "سامحني يا ابني! هَموت في السجن!"
نظر لها محمود باحتقار:
— "ده أقل حاجة تستاهليها."
في نفس الليلة…
تم القبض عليهم أمام الجميع.
ومحمود لم يرحمهم…
قدّم كل البلاغات، وجاب محامين، ومنع خروجهم بكفالة.
وبعد شهور…
بدأت نورا وآدم يتعافون.
رجع البيت دافئ…
مليان ضحك…
مش مظاهر كاذبة.
ترك محمود السفر…
واختار شغلًا أقل دخلًا… لكنه بجانب عائلته.
وفي يوم هادئ… وهو جالس يحتضن زوجته وابنه…
فهم الدرس الأقسى في حياته:
مش كل اللي من
دمك… يبقى أهلك.
أهلك الحقيقيين… هم اللي تحبهم وتحميهم بصدق.

تمت حكايات محمد عبده

تم نسخ الرابط