الجزء الثاني والاخير حكايات محمد عبده

لمحة نيوز

الجزء الثاني والاخير 

ساد صمت ثقيل بعد كلمات ياسمين…
صمت خانق أكثر من أي ضجيج في الخارج، حيث استمرت الموسيقى والاحتفال وكأن شيئًا لم يحدث.
— من فضلكِ ابقي على الخط… الإسعاف والشرطة في الطريق، وهيوصلوا خلال خمس دقايق — جاء الصوت من الهاتف.
ضحكت الحاجة فاطمة بتوتر، وهي تضبط ملابسها بعصبية:
— بجد عملتي كده يا ياسمين؟! إنتي مكبرة الموضوع! محدش كان هيموت… أختك بس كانت عايزة البنت تسكت عشان الفرح يكمل!
رفعت ياسمين عينيها…
ونظرت لها نظرة لم تحمل أي مشاعر.
— بنتي مش لعبة… ومش هتعيش وهي فاكرة إن اللي حصل ده حاجة عادية.
على الأرض، كانت ريم تبكي وتصرخ، ممسكة بذراعها:
— إنتي مجنونة! ضربتيني من غير سبب!
— إنتي كنتي هتخنقي بنتي — ردت ياسمين ببرود.
في تلك اللحظة، اندفع الحاج محمود إلى الغرفة، والغضب يشتعل في عينيه:
— إيه اللي بيحصل هنا؟! هتفضحونا قدام الناس؟!
— لا يا بابا… العيلة اتفضحت من قبل كده — قالت ياسمين

بثبات.
بعد دقائق، دوّت أصوات سيارات الشرطة والإسعاف في الشارع.
الأضواء الحمراء والزرقاء انعكست على جدران البيت، وتحول الفرح إلى همسات وقلق بين الضيوف.
دخل رجال الشرطة والمسعفون بسرعة…
والمشهد كان واضحًا:
امرأة على الأرض تصرخ…
أم تحتضن طفلتها المرتعشة…
وجدان صامتان خائفان من “كلام الناس”.
— مين اللي بلغ؟ — سأل الضابط.
— أنا — قالت ياسمين دون تردد.
اقترب منها:
— إيه اللي حصل بالظبط؟
قالت بهدوء مرعب:
— دخلت لقيت أختي حاطة شريط لاصق على بُق بنتي عشان تسكتها… كانت بتختنق. ضربتها عشان أوقفها.
نظر الضابط إلى الطفلة، ثم إلى بقايا الشريط، ثم إلى ريم.
— هي اللي عملت كده؟
— أيوه.
صرخت ريم فجأة:
— كدب! كانت بتلعب بس! الشريط لزق بالغلط! هي اللي ضربتني!
أمسكها أحد الضباط محاولًا تهدئتها.
عاد الضابط ليسأل ياسمين:
— إنتي ضربتيها فعلًا؟
— أيوه… بعد ما لقيت بنتي بتموت قدامي.
ساد صمت ثقيل…
لأن الحقيقة كانت واضحة… ومخيفة.

وأثناء فحص الطفلة، حدث ما كسر قلب ياسمين تمامًا…
اقتربت الأم من الضابط وهي تبكي:
— بنتي مش وحشة… بس هي كده من وهي صغيرة… كانت بتعمل حاجات غريبة… مرة حبست كلب في صندوق وكاد يموت… بس كانت بتلعب! هي مش فاهمة!
تجمّدت ياسمين.
يعني هم كانوا عارفين؟
عارفين إن ريم مؤذية… وخطيرة… وسكتوا؟
تركوا طفلتها معها… دون تحذير؟!
نظر الضابط للأم بصدمة… ثم أخرج الأصفاد.
— الكلام ده بيثبت إن في تاريخ خطير… وده مش في صالحها.
بدأت ريم تصرخ وهي تُقيّد:
— سيبوني! أنا معملتش حاجة!
في نفس اللحظة، اقترب المسعف من ياسمين وسلمها طفلتها:
— البنت كويسة دلوقتي… بس لو كنتي اتأخرتي دقيقتين بس… كنا بنتكلم عن كارثة.
ارتجف قلب ياسمين…
“دقيقتين”… فقط كانت كفيلة بإنهاء حياة طفلتها.
في نفس اليوم، انتهى الحفل…
ليس بالضحك، بل بسيارات الشرطة وكلام الناس.
لم تتحدث ياسمين مع والديها مرة أخرى.
صعدت، جمعت أغراضها بسرعة، حملت طفلتها… واتجهت للباب.

أمسك بها والدها:
— لو خرجتي دلوقتي وسيبتي أختك تتحاسب… اعتبريني ميتة بالنسبة لك!
نظرت له… وقالت بهدوء:
— بالنسبة لي… أنتم انتهيتم من اللحظة اللي دافعتوا فيها عن اللي حاولت تقتل بنتي.
وخرجت… بلا رجوع.
مرت الأيام…
تحقيقات… محاكم… ضغوط عائلية…
رسائل من الأقارب:
— “دي أختك!” — “سامحيها!” — “متفضحيش العيلة!”
لكن ياسمين كانت حاسمة:
— اللي حاولت تقتل بنتي… مفيش كلام بعدها.
غيّرت رقمها… انتقلت لمكان جديد… قطعت كل صلة.
ليس بدافع الانتقام…
بل للحماية.
بعد حوالي 10 شهور…
كانت ليان طفلة سعيدة، تضحك وتلعب وتخطو أول خطواتها…
لكن ياسمين؟
لم تعد كما كانت.
أصبحت أقوى…
تعرف تضع حدودًا…
ولا تسكت على الخطأ مهما كان “قريب”.
في إحدى الليالي، وهي تهدهد طفلتها قبل النوم…
أمسكت الصغيرة بإصبعها بقوة.
ابتسمت ياسمين، وهمست:
— طول ما أنا عايشة… محدش هيقدر يأذيك يا قلبي.
هذه المرة…
لم تكن مجرد كلمات.
كانت وعدًا حقيقيًا.
لأنها
في اللحظة الأصعب… لم تسكت… ولم تخف…
وأنهت هذا الكابوس للأبد.

تمت  حكايات محمد عبده

تم نسخ الرابط