الجزء الاخير
الجزء الاخير
في تلك اللحظة المستحيلة، لم تستطع سوى التحديق.
وجه الطفلة ليان كان شاحبًا، شفاهها جافة، ويديها الصغيرتان ترتجفان وهي مقيدة بسلاسل معدنية رفيعة مثبتة داخل بطانة النعش الحريرية. لكنها كانت تتنفس… كانت دافئة… كانت حيّة.
العالم لا ينهار فجأة كما يتخيل الناس عند الصدمة، بل يصبح واضحًا بشكل مؤلم… قاسٍ… لا يرحم.
ومع ذلك، كادت ركبتاكِ تنهار.
انحنيتِ بجانب النعش وبدأتِ تفكّين السلاسل بأصابع مرتجفة. كانت الطفلة تتألم كلما لمستِ معصميها، وكأن هذا الألم الصغير هو الدليل الأخير على أنها ما زالت على قيد الحياة بالفعل.
“حبيبتي… أنا هنا، أنا هنا”، همستِ بصوت مكسور.
عيناهما التقتا.
كانت نظرة طفلة خائفة… أنهكها الصمت أكثر مما ينبغي لأي طفل أن يتحمّله.
“كنت كويسة… ما قلتش حاجة”، همست ليان.
تجمد دمك.
لم تكن مجرد جملة… بل اعتراف صغير لطفلة تم تعليمها أن الصمت هو النجاة.
بحثتِ بسرعة في داخل النعش، حتى
من وضعه هناك فعل ذلك عن قصد… كل شيء كان مخططًا.
فككتِ القيود.
ومع آخر قفل انفتح، انهارت الطفلة في حضنك.
لكنها لم تبكِ كما تتوقعين… فقط تمسكت بكِ وكأنها تخشى أن تختفي ثانية.
“مش عايزة أرجع هناك… بابا قال لي أكون ساكتة”، همست.
في تلك اللحظة… سُمِع صوت خطوات في الطابق السفلي.
صوت والدها كريم.
كان يتحدث في الهاتف… بصوت عادي جدًا… وكأن العالم فوقه لم يكن يحترق.
تجمدتِ.
ثم تحركتِ بسرعة.
حملتِ ليان وخرجتِ من الغرفة عبر ممر قديم خلفي. كل خطوة كانت خطرًا، وكل نفس كان احتمالًا للاكتشاف.
ثم وضعتِ الطفلة في غرفة الغسيل، واتصلتِ برقم الطوارئ.
“عندي طفلة حية كانت متقال إنها ميتة… ومحبوسة في البيت… تعبانة ومقيدة”، قلتِ بسرعة.
ثوانٍ فقط… وردّوا عليكِ.
“ابقِ في مكانكِ… الشرطة في الطريق.”
لكن صوت كريم بدأ يقترب.
“ماما؟”
كان صوته قريبًا… لم يكن غاضبًا بعد… فقط مشوشًا.
“بابا
وهنا… تغير كل شيء داخلك.
لم يعد هناك تردد.
أغلقتِ الباب.
“افتحي الباب!” صوته تحول.
لم يعد ابنك… بل شخص آخر.
شخص يحاول السيطرة على الحقيقة قبل أن تظهر.
“اتصلت بالشرطة”، قلتِ بهدوء.
صمت.
ثم بدأ الحساب… ليس خوفًا… بل محاولة لإعادة ترتيب الكذبة.
“أمي، أنتِ مش فاهمة… هي كانت مريضة جدًا…”
“كانت مقيدة داخل نعش.”
صمت آخر.
ثم تنهيدة ضيق… لا رعب فيها… بل انزعاج.
وهنا… فهمتِ كل شيء.
لم تكن قصة مرض.
كانت قصة إخفاء.
وفجأة… بدأت صفارات الشرطة تُسمع في الخارج.
تحرك كل شيء بسرعة بعد ذلك.
رجال الشرطة دخلوا… الأطباء وصلوا… الطفلة نُقلت فورًا.
كريم حاول التبرير.
ودينا بدأت تبكي بشكل هستيري.
لكن الحقيقة كانت قد خرجت بالفعل… ولا يمكن دفنها مجددًا.
في المستشفى، كانت ليان ضعيفة جدًا… لكنها حيّة.
“تم إعطاؤها مهدئات بشكل متكرر… وإهمال شديد… وسوء تغذية… لكنها نجت”، قالت الطبيبة.
أما عن السبب الحقيقي… فكان أبشع مما توقعتِ.
لم يكن مرضًا.
بل محاولة لإخفاء الطفلة تدريجيًا تحت ستار الموت.
عندما بدأ التحقيق، انهار كل شيء.
الأب يقول إن الأم هي من خططت.
والأم تقول إن الأب هو من بدأ.
لكن الحقيقة كانت واحدة:
طفلة تم تجاهلها… ثم إسكاتها
وفي النهاية… صدر الحكم.
سجن… إساءة معاملة… تزوير… إهمال… وخطر جسيم على طفل.
لكن بالنسبة لكِ… لم يكن هناك انتصار.
كان هناك فقط طفلة صغيرة… ما زالت ترتجف في نومها.
الشفاء لم يكن سريعًا.
كانت ليان تستيقظ ليلاً باكية.
تخاف من الأبواب.
تخاف من الصمت.
وتسأل دائمًا:
“هل بابا لسه زعلان مني؟”
حتى جاءت لحظة صغيرة… غيرت كل شيء.
قالت لكِ ذات ليلة:
“أنا سمعت صوتك الأول… قبل ما أشوفك.”
ومنذ ذلك اليوم… بدأت الحياة تعود ببطء.
ضحكتها عادت.
خطواتها في البيت أصبحت أكثر ثقة.
وصار الخوف أقل… قليلًا قليلًا.
وفي أحد الأيام، وهي في عمر أكبر، قالت لكِ:
“لو ماكنتيش فتحتي التابوت…
فأجبتِ بصوت هادئ:
تمت محمد عبده
“أنا ما فتحتوش… أنا سمعتكِ.”