أمان مستباح بقلم انجي الخطيب
الجزء الثاني
الليلة الأولى في المستشفى، مفيش نوم دخل عينك.
قاعد على كرسي بلاستيك ناشف جنب سرير "فريدة"، و"يحيى" نايم بالعافية.. وكل ما جهاز يصفر في الطرقة، جسمك بيتنفض كأنك لسه في الخدمة وبتحس بالخطر قبل أي حد. فريدة كانت بتفوق كل شوية وهي مرعوبة، تبص حواليها كأنها مستنية حد يعاقبها عشان "مرتاحة". وكل ما عينيها تيجي في عينك، تهمس بنفس الجملة اللي توجع القلب: **"أنا آسفة يا بابا.. أنا حاولت."**
الاعتذار ده كسر فيك حتة مفيش حرب في الدنيا قدرت تلمسها قبل كده.
بعد نص الليل، الدكتور دخل ومعاه الإشاعات والتحاليل، ووشه فيه غضب بيحاول يداريه ورا هدوءه المهني. قال لك إن ضهر فريدة مجهد جداً، وكتافها ملتهبة، والعلامات الزرقا اللي في جسمها دي نتيجة "شد وجذب" متكرر، مش وقعة ولا حادثة ولا يوم وحش. وبعدين وطى صوته وقال الجملة اللي خلت معدتك تقلب: **"البنت دي بتعمل مجهود بدني لواحد كبير.. والموضوع ده بقاله كتير، مش يوم ولا اتنين."**
فضلت باصص له من غير ما ترمش.
إنت قضيت سنين بتعلم الكلاب إزاي تدور وسط الأنقاض، وتشم ريحة الخوف، وتثبت لما البشر ينهاروا.. بس المرة دي مكنتش لاقي "الثبات" ده جواك. كل اللي في خيالك صورة بنتك وهي راكعة على ركبها، شايلة طفل على كتف وبتمسح الأرض بالتاني، عشان "تستحق" لقمة العشاء في بيتها.. كأنها مولودة مديونة.
بعدها جت أخصائية اجتماعية.
ست ذوق وكلامها محدد. طلبت تسأل فريدة كام سؤال، وإنت رجعت لورا رغم إن كل غريزة جواك كانت عايزة تقف سد بين بنتك وبين العالم كله. فريدة كانت باصة للملاية وهي بتتكلم، وكل إجابة كانت طالعة قصيرة وسريعة.
* "أيوه، نيرمين كانت بتسيبني لوحدي مع يحيى."
* "أيوه، كنت بسخن الببرونات وأنا واقفة على الكرسي الصغير عشان مش بطول البوتاجاز."
* "كنت بنظف لما يحيى ينام."
* "أيوه، كنت بجوع أحيى قبل ما هي ترجع."
* "ده حصل كتير.. كتير أوي."
لما سألتها بقاله قد إيه، فريدة فضلت تقطع في طرف الملاية وقالت: **"من ساعة ما يحيى كبر وشيله بقى تقيل."** وبعدين سكتت وقالت جملة خلت نفسك ينقطع: **"هي قالت لي إن البنات اللي بيشتكوا بيكبروا خايبين.. وقالت لي لو قلت لك، إنت هتزعق لي عشان عايزة أهد البيت.. وقالت إن الأب دايما بيختار مراته الجديدة وابنه الجديد."**
أخدت وقت عشان ترد لأن صوتك مكنش هيسعفك.
قلت لها بهدوء: **"اسمعيني يا فريدة.. أنا بختارك إنتي. في كل مرة، هختارك إنتي. هحميكم إنتي ويحيى، وعمري ما هختار اللي يأذيكم."** فريدة بصت في وشك كأنها بتتأكد إن الكلام ده بجد، ولما هزت راسها، عرفت إنها كانت محتاجة الكلمتين دول أكتر من الدوا.
على الفجر، المستشفى كانت بلغت النيابة.
الأخصائية قالت لك إن هيبقى فيه تحقيق وصور وتقارير. قلت لها: **"خدي كل اللي محتاجاه."**
الساعة 7 الصبح، موبايلك نور.
نيرمين.
3 مكالمات فائتة، وبعدين رسالة: **"مبتشيلش ليه؟ العيال فين؟"** وبعدها بـ10 ثواني: **"لو فاكر إنك بتعاقبني وبتهرب بالواد تبقى مجنون.. كلمني حالاً."**
مردتش.
سجلت الرسايل وقفلت الموبايل. دي عادتك القديمة: "جمع الأدلة الأول.. اضرب بعدين."
الساعة 10، خدت فريدة ويحيى ورحت لبيت أختك "لبنى" في الناحية التانية من المدينة.
لبنى أول ما شافت
ساعتها بصت لك وقالت: **"احكي لي كل حاجة."**
حكيت.
لما خلصت، لبنى كانت وشها مخطوف من الغضب. كانت عمالة تعيد: **"بتمسح الأرض؟ بتشيل الواد وهي عندها 8 سنين؟"** ولما قلت لها إن فريدة كانت خايفة تختار نيرمين عليها، لبنى غمضت عينيها وسندت على الحيطة.. لأن الوجع ده لمس جرح قديم؛ موت أم فريدة، والسنين اللي بنتك قعدتها عشان توثق في ست تانية دخلت البيت.
لبنى بصت لك وقالت: **"ارجع البيت."**
كنت عارف إنك لازم ترجع. عشان تجيب لبن يحيى، وشنطة مدرسة فريدة، وورقك المهم، وقبل ما نيرمين تنظف "مسرح الجريمة" أو تDestroy اللي فاضل. "صخر" قام وقف جنب الباب كأنه مستني اللحظة دي من الصبح.
رجعت البيت.. والبيت كان شكله "غلط" من بره.
امبارح كان مبهدل، أطباق مكسورة ورعب. النهاردة، الطرقة مكنوسة، والبوابة مقفولة، والستاير مفتوحة بشكل يوحي إن كل حاجة تمام. المنظر ده قرفك أكتر من الغضب نفسه. صعب تلاقي حد بيأذي طفل، وباله رايق ينظم "مسرح الجريمة" قبل ما الجيران يصحوا.
فتحت الباب بمفتاحك.
أول حاجة خبطت في مناخيرك كانت ريحة الكلور. ريحة قوية، خانقة، ريحة حد بيحاول يمسح "الواقع" قبل ما يثبت عليه. "صخر" دخل قبلك، مناخيره في الأرض وكتافه مشدودة، بيمسح الأوض أوضة أوضة.
المطبخ كان بيلمع.
زيادة عن اللزوم.
الأطباق المكسورة اختفت. كيس الزبالة مربوط ومحشور لدرجة إنه هيتفتح. وعلى الرخامة، طبق الفاكهة محطوط
كرمشت الورقة في إيدك لدرجة إنها اتقطعت.
وبعدين شوفت "الكرسي الصغير".
كان مستخبي نص خباية تحت البوتاجاز، مجرح، وعليه بقعة لبن ناشفة في الزاوية. وطيت وبصيت له.. في اللحظة دي، "السيستم" كله بان قدامك: الكرسي عشان تطول الببرونات، السفنجة اللي بتعصرها إيدين صغيرة، وجدول طفلة مبني على إنها تخلي طفل رضيع عايش والست الكبيرة "مختفية".
بدأت تفتح الإدراج.
في الدرج التاني جنب الثلاجة، تحت كراكيب وورق قديم، لقيت اللي ملوش مكان في أي مطبخ في الدنيا: ورقة كراسة متطبقة مكتوب عليها **"جدول فريدة"**.
الخط مكنش خط فريدة.. كان خط نيرمين.
* 7:00 تغير ليحيى.
* 7:30 الببرونة.
* 8:00 كنس الشقة.
* 9:00 غسيل الببرونات.
* 10:00 الغسيل.
**ممنوع التليفزيون. ممنوع الموبايل. مفيش أكل غير لما المطبخ ينظف.**
وفي آخر الورقة، خطين تحت جملة: **"لو عيط شيليه.. بلاش دلع."**
حسيت إن نظرك بيغيم.
ده مش "يوم وحش"، ده "نظام". شغل متستف ل طفلة عندها 8 سنين. وفجأة "صخر" زمجر.
الزمجرة كانت واطية بس قطعت السكوت. كان واقف عند باب الغسيل، باصص لرف عالي عليه منظفات وفوط قديمة. رحت هناك، حركت سبت الغسيل، ولقيت "تابلت" قديم ومكسور شاشته مسنودة على برطمان. لمست الشاشة نورت.. الجهاز كان مربوط بأبلكيشن "مراقبة البيبي".
فتحت السجل بتاع الفيديوهات.
لقيت كوارث. نيرمين كانت بتستخدم الكاميرا عشان تتابع "الشغل" وهي بره. وصورت البيت "بالغلط" - أو يمكن بغرور - وهي مش متخيلة إن حد هيفتح الورق