بيعي البيت
"بيعي البيت".. أبويا قال الجملة دي وهو رافع "شومة" في صالة بيت جدتي، وأمي بتترجاني أفكر في ديون أختي.. ولما أول ضربة رمتني على ركبي والبوليس كسر الباب، الحاجة الوحيدة اللي لجمت الكل هي لما واحد من الظباط بص لي وقال رتبتي بصوت عالي!
أهلي قطعوا علاقتهم بيا من 9 سنين.
الموضوع مكنش فيه عياط ولا دراما، أبويا قالهالي بكلمة واحدة "قطيعة"، لانو كان عاوزني أفضل معاه في ورشة السباكة بتاعة العيلة، وأنا اخترت "البحرية". بالنسبة له، أنا كدة بعت أهلي وناسي.
مشيت وبنيت طريقي بنفسي. وصلت لـ رتبة مكنتش أحلم بيها، واتعلمت إزاي أقف على رجلي في أصعب الظروف. الشخص الوحيد اللي مأبطلش يكلمني كانت جدتي. كانت بتبعت لي جوابات في كل ترقية، وريحة "صابون الورد" كانت دايماً في الجوابات، وكانت دايماً توصيني: "اعملي واجبك.. خليكي حنينة.. وماتخليش الدنيا تقسي قلبك."
لما توفت، سابت لي بيتها الصغير.. البيت اللي كان "الأمان" بالنسبة لي.
أبويا وأمي مأخدوش غير جواب تعزية، وأختي أخدت كلمتين شفقة، وأنا أخدت "عقد الملكية".
وهنا.. الشياطين رجعت تاني.
في الأول مثلوا إنهم خايفين عليا، وإن أختي "ديونها" كترت وهتتسجن، ومحتاجة تمن البيت عشان تبدأ من جديد. أبويا قال بـ بجاحة: "البيت لازم يفضل في العيلة"، وكأني مكنتش "عيلة" بالنسبة له طول الـ 9 سنين
قلت له بـ منتهى الهدوء: "لأ.. البيت مش للبيع."
الرد ده كان بيشعلل نار جواه كل مرة بييجي فيها.
لحد ما جه يوم جمعة، الجو كان حر، ولقيتهم على بابي. ريحة الخمرة والعرق كانت طالعة من أبويا، ومعاها الرغبة في إنه يكسر أي حد يقف قدامه. أمي كانت وراه بتفرك في إيدها بـ توتر، وأختي واقفة بعيد مستنية المصلحة.
بدأ يعيد نفس الكلام:
— "أختك محتاجة الفلوس.. جدتك مكنتش في وعيها وهي بتكتب الوصية.. أنتي فاكرة نفسك أحسن مننا؟"
وقفت في نص الصالة، تحت صورة جدتي، وقلت نفس الكلمة: — "البيت مش للبيع."
عينه راحت لـ برواز الوصية اللي على الرف.. وفجأة، فيه حاجة جواه اتهدت. مكنش حزن، كان "غرور" مجروح.
مسك "شومة" كانت محطوطة جنب الباب، وبص لي بـ شر: — "أنتي فاكرة إن شوية الورق ده هيخليكي أحسن من أهلك؟"
قلت له ينزل اللي في إيده.. أمي ندهت اسمه بخوف.. بس الضربة جت!
"شومة" نزلت على جنبي بكل غل، وقعتني على ركبي ونَفَسي انقطع. الوجع كان مرعب لدرجة إن الدنيا اسودت في عيني.
وفي اللحظة دي.. صوت سرينة البوليس قطعت السكوت.
الباب اتكسر، وعساكر وظباط دخلوا بـ سلاحهم وهما بيزعقوا في أبويا يرمي الشومة.
بس اللي غير موازين اللعبة هو الصوت التاني.. واحد من "الشرطة العسكرية" اللي كانوا مع البوليس بص لوشي، وبعدين بص
اتعدل في وقفته فوراً وأدى "التحية العسكرية" وقال بصوت حازم هز البيت:
— "سيادة القائد ليلى.. يا فندم، أنتي بخير؟ حد يطلب الإسعاف للقائد حالاً!"
أبويا وأمي وقفوا زي الأصنام.. "قائد"؟ البنت اللي طردوها وبصوا لها بـ قرف، طلعت رتبة كبيرة في الجيش والبلد كلها بتعمل لها ألف حساب! والضربة اللي ضربها أبويا دي، مأبقتش "خناقة عائلية"، دي بقت "اعتداء على قائد عسكري" وعقوبتها هترمي أبويا ورا الشمس!
أبويا الشومة وقعت من إيده وهو بيترعش، وبص للظابط بذهول وقال: "قائد إيه؟ دي بنتي.. دي ليلى اللي كانت بتشتغل في الورشة!"
الظابط زقه بقوة وقال له بحزم: "الزم حدودك! إنت م بتكلمش بنتك دلوقتي، إنت بتكلم (سيادة العقيد ليلى).. والاعتداء اللي عملته ده عقوبته عسكرية ومدنية، وهتتحاسب على كل سنتيمتر وجع سببته لها."
أمي وقعت على الأرض وهي بتصوت: "يا بنتي سامحي أبوكي.. إحنا مكنّا م نعرفش!"
رديت عليها وأنا بحاول أقوم وساندة على إيد العسكري اللي كان بيساعدني بـ احترام: "مكنتوش تعرفوا إني (قائد)؟ بس كنتم عارفين إني (بني آدمة) وإني بنتكم.. الوجع اللي في جنبي دلوقتي م يجيش حاجة جنب الوجع اللي عيشتهولي 9 سنين."
"ليلة الحساب"
أختي حاولت تهرب من الباب، بس العساكر وقفوها. الظابط
بصيت لأبويا اللي كان واقف مكسور ومذلول، وقلت بصوت هادي وقوي زي موج البحر:
— "تمم الإجراءات يا فندم. المحضر م يتنازلش عنه.. والبيت ده هيفضل زي ما جدتي كانت عاوزة، (متحف) للرحمة اللي أنتم م تعرفوش عنها حاجة. والديون اللي أختي خايفة منها؟ القانون هياخد مجراه فيها برضه."
الضربة القاضية
أبويا وهو بيتقاد بالكلبشات، بص لـ برواز رتبتي على الحيطة ودموعه نزلت، مكنتش دموع ندم، كانت دموع "خيبة" إنه خسر الرهان.
قلت له الجملة الأخيرة اللي لجمته:
— "يا بابا، الورشة اللي كنت عايز تحبسني فيها هي اللي علمتني أكون قوية.. بس البحرية هي اللي علمتني إني م أنحنـيش لظالم حتى لو كان من دمي."
النهاية
أبويا اتحكم عليه بالسجن بتهمة الاعتداء على موظف عام أثناء تأدية مهامه (بصفتي العسكرية) والشروع في قتل، وأختي اضطرت تبيع كل اللي تملكه عشان تسدد ديونها ودخلت في قضايا نصب تانية.
أنا رجعت لخدمتي، وبقيت بجي "بيت جدتي" في الإجازات، أشم ريحة صابون الورد، وأفتكر إن "الرتبة" م كانتش نياشين على كتافي وبس، دي كانت "درع" ربنا بعته لي عشان يحميني من ناس م عرفوش يعني إيه (أمان).
العبرة: م تستهونش بـ "سكوت" المظلوم لما يبني نفسه في الضلمة، لانو لما بيظهر للنور، بيبقى نوره يحرق كل