خروج عن النص بقلم منال علي

لمحة نيوز

الاسم اللي نور على الشاشة كان "مكرم المحامي".

مكرم ده كان الصديق الصدوق لأبويا، بس مكنتش شفته من يوم وفاة أمي الله يرحمها. فتحت الخط وإيدي بتترعش، وجالي صوته الهادي الرزين:

بقلم منال علي 

— "يا دنيا يا بنتي، أنا عرفت إنك سبتي البيت. كنت مستني اللحظة دي من زمان.. لازم تقابليني بكره في المكتب، فيه أمانة تخص والدتك كان لازم تستلميها يوم ما تستقلي بحياتك."

​ما نمتش ليلتها. قعدت في شقتي الجديدة، وسط ريحة الورد اللي طالعة من المحل اللي تحت، بفكر: "أمانة إيه؟".

تاني يوم رحت له، والحقيقة كانت صدمة هزت كياني. طلع إن الشقة اللي إحنا ساكنين فيها، واللي مرات أبويا كانت بتهددني بالطرد منها، هي في الأصل "ملك لأمي".. وبموجب 

​مكرم قالي: "أمك كانت

عارفة إن الأيام غدارة، ووصتني ما أقولكيش غير لما تخرجي من تحت طوعهم بإرادتك، عشان تروحي تاخدي حقك وأنتي قوية."

​رجعت البيت.. بس المرة دي ما دخلتش بمفتاح. خبطت بكل قوتي.

فتحت لي "مي" وهي وشها أصفر، وشعرها منكوش، وصوت العيال وراها جايب آخر الشقة. أول ما شافتني ضحكت بسخرية:

— "أهو.. ما كملتش يومين ورجعتي بذلها! أدخلي يا ست دنيا، المواعين مستنياكي والعيال هتموت من الجوع."

​دخلت الصالة بمنتهى الثبات، لقيت "سعاد" (مرات أبويا) قاعدة بتبرد ضوافرها، وبصت لي بانتصار:

— "نورتي يا شاطرة.. بس عشان تدخلي أوضتك تاني، هتوقعي لي على وصل أمانة بقيمة الإيجار اللي فات، وإلا الشارع أولى بيكي."

​طلعت من شنطتي الورقة اللي أخدتها من المحامي، وحطيتها على الترابيزة

بكل هدوء.

— "دي صورة من عقد الشقة.. الشقة اللي أنتي واقفة فيها دي، ملك (ليلى) الله يرحمها.. يعني ملكي. والورقة التانية دي إعلان رسمي من المحامي بإنكم قدامكم شهر واحد بس عشان تخلوا الشقة، أو تدفعوا لي أنتم إيجار عن كل سنة قعدتوا فيها من ورثي."

​السكوت اللي ساد الصالة كان يترسم. مبرد الضوافر وقع من إيد سعاد، ومي موبايلها كان هيقع من إيدها. سعاد قامت وقفت وهي بتبرطم:

— "أنتي اتجننتي؟ ده بيت أبوكي! أنتي بتطردي أبوكي يا فاجرة؟"

​في اللحظة دي، دخل أبويا من باب الشقة، وشاف المنظر. بص لي بكسرة، وبص للورق. كنت مستنية يزعق، يضربني، أو حتى يدافع عني.. بس هو سكت متوفره في 

قربت منه وقلت له بوجع:

— "يا بابا، أنا مش هطردك.. ده بيتك. بس طنط سعاد وبنتها

يلموا حاجتهم الليلة. اللي يهدد صاحبة البيت بالشارع، يبقى هو اللي يستاهل يروحه."

​مرات أبويا بدأت تصوت وتدعي، ومي بدأت تعيط وتتمسكن: "يا دنيا إحنا أخوات.. دي كانت ساعة شيطان."

بصيت لهم بابتسامة باردة:

— "ساعة الشيطان عندكم بقالها 4 سنين.. أنا كنت "شغالة" في نظركم، والنهاردة الشغالة استقالت.. وقفلت حساباتها القديمة."

​سيبتهم وسط فوضى الصريخ والندم، وخرجت. ركبت عربيتي ورجعت لشقتي الصغيرة فوق محل الورد.

قعدت في البلكونة، وشفت النور بتاع وسط البلد بيلمع. لأول مرة أحس إني مش تقيلة على الدنيا، ولا الدنيا تقيلة عليا.

فتحت موبايلي، وعملت "بلوك" لكل الأرقام القديمة.. وكتبت أول جملة في مذكراتي الجديدة:

"الحرية غالية.. بس تستاهل كل قرش وكل وجع قلب."

​ونمت.

. نومة عميقة.. محدش صحاني منها.

بقلم: منال علي

تم نسخ الرابط