الجزء الأخير حكايات محمد عبده

لمحة نيوز

الجزء الثاني
في الطريق للبيت… مريم كانت ساكتة تقريبًا.
كانت كل شوية تلمس شعرها… كأنها بتحاول تدوّر على حاجة اتاخدت منها ومش لاقياها.
أول ما وصلنا، عملت لها كوباية ينسون، واديتها سويت شيرت واسع. قعدت على كرسي المطبخ، مكورة على نفسها، وباصّة للترابيزة من غير ما ترمش.
وفجأة قالت جملة… كسرتني:
"هم مسكوني كلهم يا ماما."
اتجمدت مكاني.
"بتقولي إيه؟"
قالت بصوت مهزوز:
"قلت لهم لأ… خالتي نسرين زقّتني على الكرسي… تيتا مسكت إيدي… وجدو قال إن ده عشان أتعلم… وليلى كانت بتصرخ: قصّوه أكتر من قدّام!"
حسّيت بدوخة…
"محدش حاول يساعدك؟"
هزّت راسها بالنفي.
"ابن خالتي كريم كان بيصوّر بالموبايل… وكان بيضحك… وقال هيبعت الفيديو في جروب العيلة."
ساعتها… حاجة جوايا اتغيرت.
الخوف اختفى.
وجاله مكانه وضوح غريب… أول مرة أحس بيه.
نزلت لمستواها وقلت لها بهدوء:
"يا مريم… اللي حصل ده مش هزار.
بصّت لي بعينين منتفخين من العياط:
"يعني أنا مش بكبّر الموضوع؟"
قلت لها بحزم:
"لأ يا حبيبتي… هم عايزينك تصدقي كده عشان يحموا نفسهم."
سألتها لو عايزة نشتكي.
وقلت لها مش هضغط عليها… وإنّي معاها

في أي قرار.
سكتت شوية…
وبعدين هزّت راسها:
"أيوه… عايزة يعرفوا إن اللي عملوه غلط."
بعتت لكريم رسالة:
"أنا عارفة إنك صورت… ابعت الفيديو."
بعد أقل من نص دقيقة… وصل.
من غير اعتذار…
بس إيموجي ضحك… والفيديو.
اتفرجنا عليه سوا…
كان قصير… ثواني بس… لكنه دمّر أي محاولة تبرير.
مريم بتعيط:
"لو سمحتوا… خلاص."
نسرين بتشد شعرها…
أمي مسكاها من كتافها…
أبويا بياكل تورتة وبيقول:
"عشان تتعلم."
ليلى بتصرخ:
"أقصر! أقصر!"
وكريم بيضحك ورا الكاميرا.
أول ما خلص…
مريم ما عيطتش.
بس قالت كلمة واحدة:
"يلا."
نفس الليلة… رحنا القسم.
الضابط اتفرج على الفيديو مرتين…
وفي المرة التانية… كان ماسك نفسه بالعافية.
قال:
"هنحرر محضر."
مريم ردّت على كل الأسئلة بهدوء غريب…
ما بقتش الطفلة المكسورة…
بقت واحدة قررت تبطل تسكت.
الجزء الثالث
تاني يوم… الدنيا اتقلبت.
أول مكالمة كانت من أمي:
"إنتي اتجننتي؟ تشتكي أهلك عشان شوية شعر؟!"
قلت لها:
"ده مش شعر… ده اعتداء."
"إنتي كده بتدمّرينا!"
"لأ… إنتوا اللي بدأتوا لما لمستوا بنتي."
وقفلت.
بعدها نسرين كلمتني وهي بتعيط:
"الناس من الشؤون الاجتماعية جم…
بيسألوا… ارجعي في المحضر… الموضوع كبر!"
قلت لها بهدوء:
"لأ… لأول مرة… اللي عملتوه ليه نتيجة."
في نفس اليوم… كتبوا بوست على فيسبوك.
قالوا إن مريم هي اللي طلبت تقص شعرها…
وإني أنا درامية…
وإني دايمًا بعمل مشاكل…
وإني بستغل بنتي عشان أنتقم.
والتعليقات بدأت:
"مبالغة…"
"دي عيلة… تتحل في البيت…"
"الشعر بيطول…"
ورّيت مريم…
كنت فاكرة هتنهار.
لكن لا.
بصّت لي وقالت:
"نزّلي الفيديو."
نزلته… وكتبت بس:
"ده اللي عيلتي شايفاه هزار: بنت عندها 11 سنة بتقول لأ… وهم مسكينها وبيقصوا شعرها وبيضحكوا."
في أقل من ساعة…
كل حاجة اتغيرت.
الناس اللي كانت بتهاجمني… بدأت تمسح كلامها.
وظهرت تعليقات تانية:
"البنت كانت بتترجّى!"
"ده مش هزار!"
"دي إهانة!"
"أنا كنت هعمل نفس الشي!"
نسرين مسحت البوست.
أمي بقت تبعت رسايل صوتية وهي بتعيط…
مش عشان مريم…
عشان كلام الناس…
وعشان جيرانها…
وعشان أبويا بقى مكسوف يخرج.
وبعدين أبويا بعت:
"الإيجار ما وصلش الشهر ده."
كنت بساعدهم بفلوس بقالهم سنين…
ردّيت:
"مش غلط… أنا مش هصرف على ناس كانت بتضحك وبنتي بتعيط."
قال:
"هتسيبينا عشان شوية شعر؟!"
وساعتها
فهمت…
بالنسبة لهم… هيفضل "مجرد شعر".
لكن بالنسبة لبنتي…
كان كرامة… وأمان… وثقة.
عملت لهم بلوك كلهم.
حصلت عواقب…
محدش دخل السجن…
بس في محاضر رسمية…
غرامات…
جلسات إجبارية للتوعية…
ومتابعة من الجهات المختصة…
وخلوهم يقفوا قدام القانون… ويعيطوا…
العيط اللي ما عملوهوش قدام مريم.
لما سألوا مريم ليه عايزة تكمل في القضية…
خدت نفس عميق وقالت:
"عشان خلّوني أحس إني ماليش قيمة… بس أنا ليا قيمة."
عمري ما فخرت بيها كده.
بعد أسبوع… خدتها لكوافير.
المصففة ما قالتش "هنصلّح".
قالت:
"هنعمله على ذوقك."
طلعت بقصة شعر قصيرة… جميلة… مليانة شخصية.
بصّت لنفسها في المراية…
ولمست شعرها…
وابتسمت:
"أنا شكلي حلو أوي."
وفعلًا… كانت.
من يومها… ما شافتهمش تاني.
في ناس قالت إني قسيت…
وإن لازم أسامح…
وإن العيلة هي العيلة…
بس أنا اتعلمت درس… وعايزة بنتي ما تنسهوش أبدًا:
العيلة مش شماعة للأذى.
العيلة مش اللي يمسكك غصب عنك وإنت بتعيط.
العيلة مش اللي يكسرك عشان يرضي غيرك.
دلوقتي بنتي ماشية رافعة راسها.
شعرها بيطول…
بس الأهم من كده:
صوتها كمان بيكبر.
ولو حد شايف إني زوّدت…
هسأله سؤال واحد:
إنت
هتعمل إيه لو شفت بنتك بتترجّى يتسابوا وهي متكتفة… وأهلك بيضحكوا؟
أنا ما دمرتش عيلتي…
أنا بس بطلت أحمي اللي كسروا بنتي.

تمت حكايات محمد عبده 

تم نسخ الرابط