هدوء ما قبل العاصفة منال علي

لمحة نيوز

جوزي كان وعد أمه بفلوسي اللي أنا محوشاها… ودي حاجة ما كانش ينفع يعملها قبل ما يتكلم معايا.
الصوت جه من على باب المطبخ قبل حتى ما ألفّ.

"طب ورّينا بقى مخبية فين صندوق العيلة اللي عندك ده؟" قالتها أم أحمد بنفس نبرة موظف جاي يحجز على حاجة. بقلم منــال عـلـي 

اتجمدت مكاني، والسباتولا لسه في إيدي. كانت واقفة في مطبخي كأن الشقة بتاعتها… سنانها الدهب بتلمع، ونظرتها كلها استعلاء. وراها على طول زينب، أختها، واقفة بتتحرك بتوتر من رجل لرجل.

"مساء الخير"، قلت وأنا بنفض فتافيت من على الرخامة بهدوء. "صندوق إيه؟"

"بتاعك يا لولو طبعًا"، قالتها بدلع مصطنع وهي بتقعد كأنها جاية تقبض فلوس. "أحمد قالنا امبارح إنك محوشة مبلغ حلو… فقلنا كعيلة نريحك من التفكير فيه متوفره على روايات واقتباسات 

حطيت السباتولا بالراحة. أنا شغلي كله قائم على الدقة… جرام بجرام. بس واضح إن في العيلة عندي الحسابات بايظة خالص.

أحمد، جوزي، شغال فني في ورشة نجارة. إيده تتلف في حرير… بس لسانه مفيهوش فلتر خالص مع أمه. راح قالها على الحاجة الوحيدة اللي المفروض تفضل سر. بقاله سنتين وأنا بحوش من كل أوردر عشان أجيب فرن محترم، وماكينة

فرد عجين، وفترينة صغيرة أفتح بيها مشروع من البيت.

"وإنتوا ناويين تريحوني من إيه بالظبط؟" قلت وأنا مسنودة على الرخامة، والغضب جوايا بارد بس تقيل.

"ما تبصّيش لنا كأننا بنسرقك!" دخلت زينب وهي بتهز شنطتها. "أم أحمد محتاجة تروح مصيف علاجي في حلوان… مفاصلها تعباها. وكمان وإحنا هناك نجيب صنايعية يغيروا أرضية أوضتها. عاملين حسابنا… وفلوسك تمشي الموضوع بالظبط."

"حساب مظبوط فعلًا"، قلت بابتسامة خفيفة. "بس في مشكلة… الفلوس دي ليها هدف. معدات شغلي."

لوّحت أم أحمد بإيدها باستهانة.

"يا شيخة بطّلي هبل يا لولو. معدات إيه؟ إنتي ٣٣ سنة ولسه بتلعبي في الكيك! شغل حريم فاضي. أحمد قال هيساعد أمه… يبقى الموضوع خلص. الست تمشي ورا جوزها مش ورا الحلل."

الوقاحة كانت بتزيد واحدة واحدة… الأول مصيف، بعدين تشطيب، دلوقتي بيهينوا شغلي.

"عشان صحتك يا طنط"، قلت بهدوء، "أحمد حر في مرتبه. إنما فلوسي أنا في حسابي… ومش هدفعها في أرضية أوضة حد."

"حد؟!" صرخت أم أحمد. "أنا أم جوزك! لازم تحترميني! شوفي يا زينب الهانم دي… بتعمل شوية كيك وشايفة نفسها! مين أصلًا بيشتري الكلام ده؟ الشغل بجد في المصنع مش في تزيين الكيك!"

في اللحظة

دي… باب الشقة اتفتح.

أحمد دخل، تعبان، هدومه فيها ريحة نشارة خشب وزيت.

"إيه ده… ماما؟ زينب؟ إنتوا هنا؟"

"جينا ناخد اللي وعدتنا بيه يا ابني!" قالت أم أحمد بسرعة وبصوت ناعم فجأة. "إنت قلت امبارح إنك إنت ولولو هتدفعوا مصاريف المصيف وتجديد الأوضة… وهي دلوقتي بتقول إن قوالب الكيك أهم من صحتي!"

أحمد بص لها… وبصلي. وأنا واقفة ساكتة، إيدي متكتفة، مستنية.

"استني يا ماما"، قال وهو بيقلع الجاكت. "أنا قلت نشوف لو في فلوس زيادة نساعد. ما وعدتش بفلوس لولو. دي فلوسها… وهي بتجهّز مشروعها."

"مشروع إيه يا أحمد؟!" صرخت زينب. "دي بتضحك عليك! بتخبّي الفلوس باسم مشروع! الست تحط كل حاجة في بيتها مش تصرفها على حديد!"

ساعتها… وش أحمد اتغيّر.

هو فاهم شغله… وفاهم قيمة المعدات. شافني وأنا بسهر بالليل، وبجرب وصفات، وبفرح بكل زبون. بقلم منــال عـلـي 

"حديد؟" قالها بهدوء تقيل.

دخل وقف جنبي، وحط إيده على كتفي.

"اللي إنتي بتقولي عليه ده؟"

"طبعًا!" قالت أم أحمد. "فهمها مين الراجل! اخبط على الترابيزة وخد الفلوس! وبكرة نحجز المصيف! هي تخبز في الفرن القديم… مش ملكة!"

بصيت لأحمد…
وكان واضح جدًا… مفيش تردد.

"يا ماما"

، قال بصوت ثابت، "شغل لولو مش هبل. ده تعب ومجهود وأنا محترمه. واللي قليل الأدب هو اللي يدخل بيتي ويهين مراتي وشغلها."

اتصدمت.

"إنت بتختار واحدة بتطبخ عليّ؟!"

"أنا بوقف مع مراتي"، رد عليها. "ولو شايفة شغلها هبل… يبقى ما تاخديش فلوس جاية من الهبل ده."

سكتت… وزينب بدأت تصغر في نفسها.

"مش عايز أسمع كلمة على شغل لولو هنا تاني"، كمل. "بكرة هنشتري الفرن وماكينة العجين. ومكافأتي كمان هحطها. ده مستقبلنا. إنما المصيف… وفّري له من معاشك. كل واحد يشيل نفسه. خلاص كده."

قامت أم أحمد بعصبية… وشها احمر.

خدت شنطتها وخرجت، وزينب وراها… وبعدها الباب اتقفل جامد.

بصيت لأحمد.

"شكرًا."

تنهد وقال: "أنا غلطت لما اتكلمت كتير امبارح… بس اللي حصل النهارده عدى كل الحدود. بكرة نشتري كل حاجة."

ابتسمت.

حسيت بانتصار هادي جوايا… إحساس إن أخيرًا في حدود اتحطت صح.
مفيش تنازلات… مفيش تضييع حق عشان نرضي حد.

تاني يوم… طلبنا فرن محترم.

وبعد شهر… مشروعي بقى بيكسب كويس… لدرجة إننا سافرنا البحر.

ومن ساعتها… أم أحمد بقت تكلمنا قليل… وببرود.

وكل مرة أطلع كيكة مظبوطة من الفرن الجديد… بافتكر حاجة واحدة:

إنك تستثمر في نفسك…

ده أأمن قرار ممكن تاخده.

وإن الطمع مع الغرور… نهايته دايمًا خسارة… مش بس فلوس، لكن كمان كرامة.

تم نسخ الرابط