في عيد الام
يا عجوز، هذا بيتي اخرجي منه فورًا، ولا أريد أن أراكِ هنا مرة أخرى.
لم يجرؤ أحد على الدفاع عني.
أخفضت ابنتي رأسها أما أنا، فنهضت بهدوء، قبّلت كل طفل، ثم أخرجت ظرفًا مربوطًا بخيط من حقيبتي.
كانت ابتسامته ثابتة
حتى رآني أسير نحو الشواية.
أسوأ ما في الأمر لم يكن صراخه في وجهي
بل أنه فعل ذلك أمام أحفادي الاثني عشر، في يوم عيد الأم، بينما كانت المائدة ممتلئة، والنار مشتعلة، وكعكة اللوز المغربية التي أعددتُها منذ الفجر، تفوح منها رائحة العسل ما زالت كما هي، لم يلمسها أحد.
اسمي خديجة. أبلغ من العمر اثنين وسبعين عامًا. مغربية قضيت عمري أعمل وأكافح.
كنت أستيقظ قبل الفجر، أعجن بيدي، وأبيع الخبز والحلوى لأربي بناتي بعد أن أصبحت أرملة في سن مبكرة.
وحين استقر بي الحال في الرياض، ظننت أنني وجدت الأمان أخيرًا.
قبل عشر سنوات، عادت ابنتي نورة إليّ باكية، تحمل أربعة أطفال وزوجًا غارقًا في الديون.
فتحت لها أبوابي دون تردد أعطيتهم المنزل الرئيسي، وانتقلت أنا إلى الملحق الصغير في الخلف.
كنت أظن أنني أحمي عائلتي.
لكن سعد كان يرى صمتي ضعفًا.
تدريجيًا بدأ يغيّر الأقفال.
صار يتحدث عن بيته أمام الجيران.
وجلس في صدر المائدة، كأن الزمن قادر على محو من دفع ثمن كل شيء هنا.
صمتُّ من أجل نورة.
صمتُّ من أجل الأطفال.
صمتُّ طويلًا.
حتى جاء ذلك اليوم.
دخلتُ بفستاني الكتاني الداكن، وحقيبتي المطرزة، والكعكة التي عملت عليها منذ الفجر.
كان الأطفال يركضون، ورائحة الشواء تملأ المكان، وكل شيء بدا مألوفًا كما كان في السابق.
حتى جلست في مكاني
مكاني أنا الذي قرر سعد أنه أصبح له.
اقترب مني، وفي يده علبة مشروب، وقال بصوت مملوء بالغرور إنه أصبح رجل المنزل.
أجبته بهدوء أنا بخير حيث أنا.
ثوانٍ ثم انفجر.
يا عجوز، لم يدعُكِ أحد.
سكت الجميع.
أخفضت نورة رأسها وكأن الكلمات وُجّهت إليها.
وانشغل الآخرون بالنظر إلى الأرض.
فقط محمد، حفيدي الأكبر، قبض يده تحت الطاولة وكأنه على وشك الوقوف.
لكنني لم أكن لأدع طفلًا يخوض معركة تخصني.
هناك من يصرخ حين يُهان
وهناك من يقف بهدوء.
وهذا ما فعلت.
وضعت يدي على الطاولة التي دفعت ثمنها ووقفت.
ثم بدأت أسير حولها.
قبّلت محمد على جبينه.
مررت يدي على شعر الصغيرة.
وعانقتهم واحدًا تلو الآخر.
اثنا عشر طفلًا اثنتا عشرة قبلة.
كأنني أُغلق شيئًا في داخلي قبل أن أفتح شيئًا آخر.
وحين وصلت إلى نهاية الطاولة، فتحت حقيبتي
وأخرجت الظرف المربوط بخيط.
لأول مرة اختفت ابتسامة سعد.
تقدّمت نحوه بهدوء والدخان يتصاعد بيننا، وكأن المكان كله توقف عن التنفس.
همست نورة أمي أرجوك
لكنني لم أنظر إليها.
وقفت أمامه.
لم
مددت يدي بالظرف نحوه.
نظر إليه بعبوس، ثم نظر إليّ، وقال بنبرة حاول أن يجعلها عادية ما هذا؟
أجبته بهدوء افتحه.
لم أرفع صوتي، ولم أكرر الكلمة بسرعة، فقط قلتها مرة واحدة، لكنها خرجت واضحة بما يكفي لتجعل من حولنا يصمتون دون أن يُطلب منهم ذلك.
ضحك ضحكة قصيرة، كأن الأمر لا يعنيه، وقال لن أفتح شيئًا الآن.
لم أجادله.
قلت بنفس الهدوء كما تريد لكنك ستقرأه.
تردّد لحظة.
لم يكن التردد واضحًا للجميع، لكنه كان كافيًا ليظهر في عينيه، ثم مد يده وأخذ الظرف، ليس لأنه اقتنع، بل لأنه شعر أن تجاهله لم يعد ممكنًا.
فتح الخيط ببطء، وأخرج الأوراق.
في البداية، مرّت عيناه بسرعة على السطور الأولى، وكأنه يريد أن ينتهي منها دون اهتمام، ثم توقفت.
لم يتكلم.
اقترب قليلًا من الضوء، وكأن القراءة أصبحت أثقل فجأة، ثم قال وهو يحاول أن يحافظ على نبرته هذه أوراق عادية.
نظرت إليه وقلت اقرأ جيدًا.
في تلك اللحظة، بدأ التوتر يظهر حول الطاولة.
محمد تحرّك في مكانه، ونظرت مريم إلى أمها، بينما انشغل بعض الجالسين بأشياء لا تحتاج إلى انشغال، كأنهم يحاولون الهروب من اللحظة دون أن يبتعدوا.
رفع سعد عينيه نحوي، وفيهما شيء لم
أجبته بثبات يعني أن البيت لا يزال باسمي كما كان دائمًا.
لم تكن الجملة صاخبة، لكنها سقطت بثقل واضح.
شدّ على فكه، وقال بسرعة هذا مجرد إجراء شكلي.
وقبل أن أتكلم، تقدّم والد صديقه من بين الجالسين.
كان صامتًا منذ البداية، يراقب كل شيء دون أن يتدخل
ثم قال بهدوء حاسم ليست مسألة شكلية هذه ملكية.
لم يرفع صوته، لكنه قال ما يكفي.
نظر سعد إليه بنظرة ضيق، ثم عاد إليّ، وكأنه يحاول أن يستعيد السيطرة، وقال بنبرة أعلى قليلًا أنا من يدفع هنا، أنا من يصرف.
لم أجادله في صوته، ولم أحاول أن أرفعه، فقط قلت أحيانًا تدفع، حين تتذكر، والفواتير تعرف ذلك، والباب الذي وضعته دون إذني يعرف أيضًا.
لم تكن الجملة قاسية، لكنها لم تكن خفيفة.
انخفضت عيون بعض الأحفاد، وكأنهم فهموا أكثر مما يجب أن يفهموه في عمرهم، وانطلقت ضحكة خفيفة سرعان ما اختفت.
أشار سعد نحوي بإصبعه، وصوته بدأ يفقد توازنه أنا رب هذا البيت.
لكن الرجل الكبير قال بنفس الهدوء البيت له صاحب وصاحبه معروف.
في تلك اللحظة، لم يكن أهم ما قيل هو الكلمات، بل ما تغيّر بعدها.
شيء في وقفة سعد بدأ يتراجع.
لم يكن واضحًا تمامًا، لكنه كان محسوسًا، كأن الثقة التي كان يملأ بها المكان بدأت تنسحب منه ببطء.
نظر إليّ وقال لهذا جمعتِ
ابتسمت ابتسامة خفيفة، ليست سخرية، بل إدراك.
قلت