اجبروني أكل عضم الكلاب
**"أجبروني آكل عضم الكلاب في عز المطر عشان هديتي كانت رخيصة.. افتكروا إنهم كسروني، بس تاني يوم طيارة هليكوبتر ونزلت قدام القصر، والكل ركع قدامي!"**
**الهدية الرخيصة**
أنا "ياسين". بقالي 3 سنين متجوز "سلمى". سلمى من عيلة غنية جداً، عيلة "أبو العز" أصحاب القرى السياحية والفنادق. لما اتجوزتها كنت فاكر إنها بتحبني، بس مع الوقت عرفت إنها هي وأهلها شايفيني مجرد شحات دخل حياتهم يلوث اسمهم.
عايش معاهم في القصر، وكل يوم بيعاملوني كأني خدام.. بنظف، وبكنس، وبمسح. استحملت كل ده عشان وصية جدي؛ كان شرطه عشان أستلم ورثي وأبقى رئيس مجموعة "فانجارد العالمية" (أكبر شركة في آسيا) إني أعيش 3 سنين "اختبار تواضع" من غير ما حد يعرف حقيقتي. النهاردة كانت آخر ليلة في الاختبار.
النهاردة عيد ميلاد حمايا "عاصم بيه" الـ 60. القصر كان مليان مليارديرات، والهدايا كانت مفاتيح عربيات وساعات ألماض. جيت أنا أقدم هديتي.. "قلم خشب" أنا اللي نحته بإيدي وصنعته بحب.
**"كل سنة وحضرتك طيب يا عمي،"** قلتها بابتسامة.
حمايا خطف العلبة، وأول ما شاف القلم الخشب عينيه ولعت نار من الغضب: **"إيه القرف ده؟!"** وزعق قدام كل الضيوف اللي بدأوا يضحكوا: **"قطعة خشب؟! أنت بتستهزأ بيا يا ياسين؟ الناس بتهاديني بروليكس وأنت جايب لي زبالة من الشارع؟"**
**"يا عمي والله أنا اللي تعبت فيه.."** حاولت أشرح، بس حماتي "هانم" خطفت القلم ورمته تحت رجليها وداسوا عليه: **"أنت عالة على البيت ده وكمان بتقل
بصيت لسلمى مراتي، كان عندي أمل تدافع عني، بس لقت نظرتها كلها قرف: **"أنت فعلاً قرفتني يا ياسين.. بوظت عيد ميلاد بابا قدام الناس الهاي، بجد شكراً على الفضيحة!"**
**العقاب تحت المطر**
حماتي "هانم" جابت طبق كبير فيه بواقي عضم ستيك وجلد فراخ ورز من اللي الضيوف أكلوه، ورمته ناحية باب الجنينة: **"بما إنك زي الكلاب، يبقى مكانك بره تاكل معاهم!"** وزعقت لسلمى: **"طلعي الجربوع ده بره ومايدخلش البيت الليلة دي!"**
سلمى زقتني لبره وهي بتقول: **"اسمع كلام ماما يا ياسين، وجودك هنا بيسد النفس!"**
المطر كان بينزل بغزارة، والرعد والبرق بيزلزلوا الأرض. قفلوا الباب الإزاز بالمفتاح، وكنت شايفهم من بره وهما بيضحكوا عليا وبيشربوا أفخر أنواع العصير وأنا غرقان في الطين. قعدت على الأرض جنب كلاب القصر وهما بياكلوا العضم، وجسمي كله بيترعش من البرد.
في اللحظة دي، ماتت آخر ذرة حب لسلمى في قلبي. الساعة دقت 12 بالليل.. الاختبار خلص. طلعت موبايلي وضغطت على زرار وبعت رسالة قصيرة:
**"أنا جاهز.. العبوا."**
يا ترى ياسين هيعمل إيه لما يظهر قدامهم بهويته الحقيقية؟ وإيه الصدمة اللي هتاخدها سلمى لما تعرف إن "الشحات" اللي طردته هو صاحب الشركة اللي أهلها بيحلموا بس بمقابلته؟ الحكاية لسه فيها رد اعتبار هيدمر كبرياء عيلة أبو العز!
المطر كان بينزل على وش ياسين…
بس المرة دي مش بيحاول يحتمي.
قاعد وسط الطين… جنب الكلاب…
بس عينه مش عليهم… عينه
الضحك اللي طالع من جوه…
كان آخر صوت بيمسح أي حاجة جواه.
مفيش كسر…
فيه نهاية.
…
الموبايل في إيده نور…
الرسالة اتبعت.
"أنا جاهز.. العبوا."
بعدها بدقايق…
الدنيا سكتت لحظة… كأن العاصفة نفسها بتستنى.
وبعدين…
صوت مروحيات.
…
في الأول محدش جوا القصر خد باله.
بس الصوت بدأ يعلى… ويقرب… ويهز الشبابيك.
واحد من الضيوف قال باستغراب:
"إيه الصوت ده؟"
عاصم بيه اتضايق:
"أكيد طيارة معدية وخلاص!"
بس الصوت وقف…
فوق القصر مباشرة.
…
الأنوار برا بدأت تتحرك…
والحراس جريوا ناحية الجنينة.
سلمى قربت من الإزاز… وبصت.
وشها اتجمد.
"بابا…"
…
في الجنينة…
هليكوبتر سوداء ضخمة نازلة بهدوء وسط المطر.
بابها اتفتح…
ونزل منه 3 رجالة ببدل سوداء.
واحد منهم شاور بإيده…
والتانيين جريوا ناحية ياسين.
…
الكل كان بيبص من جوه…
مفيش حد فاهم حاجة.
سلمى همست:
"هم… رايحين له؟!"
…
بره…
واحد من الرجالة وقف قدام ياسين، وحط إيده على صدره باحترام:
"مساء الخير يا فندم… نورت مكانك."
وساعده يقف.
ياسين وقف…
هدومه غرقانة… وشه هادي…
بس في عينه حاجة جديدة… حاجة عمرهم ما شافوها.
…
باب القصر اتفتح.
مش هما اللي فتحوه…
الحراس هم اللي فتحوه.
خوف.
…
ياسين دخل.
المية بتقطر من هدومه على الرخام الأبيض.
الضحك اختفى.
الكلام اختفى.
الكل ساكت.
…
عاصم بيه قال بعصبية:
"إيه المهزلة دي؟! مين الناس دي؟!"
الراجل اللي ورا ياسين رد بهدوء:
"إحنا فريق
الصمت بقى تقيل لدرجة مؤلمة.
…
سلمى همست:
"إنت بتقول إيه؟"
بصت لياسين…
مش مصدقة.
…
ياسين مشي خطوة لقدام.
وقف قدام عاصم بيه…
وبصله بنفس المكان اللي كان واقف فيه وهو بيده القلم.
بس المرة دي…
"عيد ميلاد سعيد يا عاصم بيه."
صوته هادي…
بس كل كلمة كانت تقيلة.
…
الراجل فتح شنطة صغيرة…
وطلع منها ملف.
"كل التعاقدات اللي حضرتك كنت بتسعى ليها مع فانجارد… اتلغت النهارده."
واحد من الضيوف شهق.
عاصم بيه وشه اتغير:
"إنت… إنت بتهزر؟!"
…
ياسين بص حواليه…
نفس الناس اللي كانوا بيضحكوا عليه من ساعة…
وقال بهدوء:
"أنا استحملت 3 سنين… عشان أعرف مين فيكم إنسان."
بص لسلمى.
سلمى كانت بتترعش:
"ياسين… أنا…"
رفع إيده وسكتها.
"متتكلميش."
…
بص للأرض لحظة…
وبعدين رفع عينه:
"أنا كنت محتاج حد يقف جنبي… مش حد يكسّرني."
…
حماته حاولت تتكلم:
"إحنا مكنّاش نعرف…"
رد فورًا:
"وأنا كنت عايزكم تعرفوا… بس من غير فلوس."
…
الهدوء رجع…
بس المرة دي مش هدوء سلام… هدوء سقوط.
…
ياسين لف وبدأ يمشي ناحية الباب.
وقف لحظة…
وبص على الأرض.
القلم الخشب…
اللي اتكسر.
انحنى… أخده بإيده…
ومسحه من التراب.
…
بص له لحظة…
وبعدين قال:
"ده كان أغلى حاجة في المكان ده… بس محدش فيكم فهم."
…
طلع برا.
المطر كان لسه بينزل…
بس المرة دي…
مش بيغرقه.
…
ركب الهليكوبتر…
والباب اتقفل.
الطائرة طلعت…
والقصر
…
جوه…
سلمى وقعت على الكرسي.
عاصم بيه قاعد ساكت…
لأول مرة… مش لاقي كلمة.
والضيوف…
ابتدوا يمشوا.
واحد واحد.
…
لأن المكان اللي كانوا شايفينه "قمة القوة"…
انهار في لحظة.
…
وبره…
ياسين بص من الشباك…
للقصر اللي سابه.
ومغمض عينه لحظة…
مش ندمان.
ولا زعلان.
…
بس مرتاح.
لأنه أخيرًا…
رجع لنفسه.
نهاية.