رنة الساعة ٢ الا ربع

لمحة نيوز

الساعة كانت ٢ إلا ربع بالليل لما تليفوني رن الرنة اللي أي أم بتخاف منها طول عمرها.
صحيت مفزوعة، وقلبي انقبض قبل حتى ما أبص للشاشة.
ولما لقيت اسم الدكتور شريف ظاهر قدامي… عرفت إن في مصيبة.
رديت بسرعة، لكن أول ما سمعت صوته، الدم جمد في عروقي.
– "يا دكتورة إلهام… سارة عندي في الطوارئ."
ثانيتين صمت… ثانيتين بس، حسيت فيهم إن عمري كله عدى قدامي.
قلت بصوت متقطع: – "بنتي مالها؟!"
لكن الدكتور شريف مردش مباشرة.
قال جملة واحدة خلت رجلي متشيلنيش:
– "تعالي فورًا… ولازم تشوفي بعينك."
قفلت المكالمة وأنا حاسة إن في كارثة مستنياني.
أنا كنت ست عندها ٦٨ سنة، متقاعدة بقالها سنين، والناس كلها بقت تشوفني مجرد أرملة هادية بتزرع ورد وتقضي يومها في الصمت بعد موت جوزها.
لكن محدش كان فاكر إن الإيدين المرتعشة دي… هي نفسها اللي فتحت صدور مرضى بالقلب لأربعين سنة كاملة وأنقذت ناس كانوا بين الحياة والموت.
وصلت مستشفى الرحمة في أقل من عشر دقايق، رغم إن الطريق كان غرقان مطر.
نزلت من العربية أجري كأن قلبي بيتسحب مني.
الدكتور شريف كان واقف قدام أوضة الطوارئ،

وشه شاحب بطريقة خوفتني أكتر من أي كلام.
قرب مني وقال بصوت واطي: – "استعدي… اللي هتشوفيه مش سهل."
إيدي بدأت ترتعش لأول مرة من سنين.
زق الستارة…
وفي اللحظة دي… الدنيا كلها وقفت.
بنتي.
بنتي اللي كنت بضمها وهي صغيرة لما تخاف من الضلمة… كانت مرمية على سرير الطوارئ كأنها خارجة من حرب.
شفت شفايفها المتشققة. عينها المتورمة. الدم الناشف عند رقبتها.
لكن لما عيني وقعت على ضهرها… حسيت إن قلبي اتشل.
كدمات زرقا وسودا فوق بعض. آثار ضرب قديم لسه ملمّش. وبصمات صوابع راجل محفورة على جسمها بعنف مرعب.
سارة فتحت عينها بالعافية أول ما حست بيا.
بصتلي نظرة عمرها ما هتخرج من دماغي.
وقالت بصوت مكسور: – "ماما… بالله عليكي… متسيبهوش ياخدني."
في اللحظة دي… ما بقيتش أم بس.
بقيت حاجة أخطر بكتير.
وفجأة، من ورايا، سمعت صوت بارد مستفز:
– "مراتي للأسف دايمًا بتبالغ."
لفّيت ببطء.
كان كريم، جوزها.
واقف بمنتهى البرود، لابس بالطو شيك، وماسك موبايله بإيده كأنه جاي يحضر اجتماع، مش واقف قدام مراته المتبهدلة.
ابتسم ابتسامة خالية من أي روح وقال: – "وقعت من على
السلم… تاني."
وبعدين بصلي باستخفاف: – "وياريت يا دكتورة إلهام منعملش دراما زيادة. حضرتك متقاعدة أصلًا."
الدكتور شريف اتحرك بعصبية: – "يا كريم، استنى برة."
لكن كريم كمل وكأنه متأكد إن محدش يقدر يلمسه: – "سارة عصبية شوية… وأنتِ بعد وفاة الدكتور محمود بقيتي شايفة مصايب في كل حاجة."
أول ما سارة سمعت صوته، جسمها كله اترعش.
وقتها قربت منها، لمست وشها بهدوء، وقلت: – "أنتِ في أمان… خلاص."
كريم قرب مني وهمس بثقة: – "لا… هي مراتي."
بصيتله وقتها نظرة مختلفة تمامًا.
مش نظرة أم موجوعة…
دي كانت نظرة جراحة قضت عمرها تعرف إزاي تستأصل أخطر حاجة ممكن تهدد حياة إنسان.
وقلت بهدوء مرعب: – "ارجع بيتك يا كريم."
ابتسم، متخيل إني خفت.
الرجالة اللي زيه دايمًا بيفتكروا إن هدوء الست ضعف.
لكن أول ما مشي، بصيت للدكتور شريف وسألته: – "صورتوا كل الإصابات؟"
رد فورًا: – "كل حاجة."
طلعت موبايلي وابتسمت لأول مرة من ساعة المكالمة.
وقلت: – "تمام… يبقى نبدأ."
كريم كان فاكر إن كاميرات الفيلا ونفوذه هيحمّوه. وكان فاكر إن الفيديوهات اللي مسحها اختفت للأبد.
بس
اللي ماكنش يعرفه… إن أنا وسارة كنا محضرينله مفاجأة من أسبوع.
وإن السر اللي دفنه سنين… الليلة دي بالذات، هيتفتح قبره.

الدكتور شريف قفل باب أوضة الطوارئ بنفسه، وبصلي بنظرة فهمت منها إن اللي جاي أخطر بكتير من مجرد قضية ضرب زوجة.
سارة كانت بتحاول تتكلم، لكن كل كلمة كانت طالعة كأنها بتقطع حتة من روحها.
مسكت إيدها، فشدت على صوابعي بخوف طفلة صغيرة، وهمست: – "هو عرف يا ماما… عرف إننا احتفظنا بالنسخة."
قلبي دق بعنف. قلت بسرعة: – "أي نسخة؟"
قبل ما ترد، الباب اتفتح فجأة. كريم رجع تاني.
بس المرة دي… ماكنش لوحده.
دخل ومعاه اتنين رجالة ضخام، لابسين بدل سودة، وشكلهم يقول إنهم مش جايين يطمنوا على مريضة. كريم ابتسم وهو بيبص لسارة: – "واضح إن مراتي تعبانة فعلًا… وده مأثر على كلامها."
الدكتور شريف وقف قدامه بغضب: – "اتفضل اطلع برة حالًا."
لكن كريم تجاهله تمامًا. قرب من السرير ببطء، ولسه هيمد إيده ناحية سارة… لما أنا وقفت قدامه مباشرة.
بصلي باستهزاء: – "حضرتك فاكرة نفسك لسه في أوضة عمليات؟"
ابتسمت بهدوء مرعب. وقلت: – "لا يا كريم… أوضة

العمليات أرحم."
ولأول مرة… شفت القلق يلمع ثانية واحدة في عينه.

تم نسخ الرابط