غدر حماتي بقلم اماني السيد
رجعت أبص لجوزي وأنا بضحك، ضحك مخنوق بيوجع القلب أكتر ما هو ضحك. كنت حاسة إن عقلي بيهرب مني من كتر الصدمة. جوزي كان واقف ساكت، وشه أحمر وعينيه مليانة غضب، لكن الصدمة كانت مكتماله زيه زيي. حماتي بقى كانت واقفة بكل ثقة، كأن اللي عملته ده عادي جدًا، وكأن شقتي دي أوضة فاضية في بيت أبوها مش تعب عمرنا وشقانا سنين.
مرات أخو جوزي خرجت من الأوضة وقتها وهي شايلة طبق لب، وبمجرد ما شافتنا اتجمدت مكانها، وبصت لحماتي بخضة وقالت: ـ ماما… هما جم؟
حماتي ردت بمنتهى البرود: ـ أهو يا حبيبتي، مفاجأة زي ما هما حبوا يفاجئونا.
بصتلها من فوق لتحت، كانت لابسة إسدال من إسدالاتي اللي كنت شرياها مخصوص للصيف، وحتى الشبشب اللي في رجليها أنا فاكراه، كنت جايباه من محل غالي قبل السفر. حسيت ساعتها إن في حد دخل حياتي وسرقها مش بس سرق شقتي.
جوزي أخيرًا اتكلم وقال بصوت كله غضب: ـ مين اداكوا حق تدخلوا شقتي أصلًا؟
حماتي نفخت بضيق وقالت: ـ يا ابني ما تكبرش الموضوع، دي شقة أخوك برضه، يعني هيتجوز فين؟ وبعدين بدل ما تدفعوا إيجار وتسيبوا الشقة مقفولة.
قولتلها وأنا ببصلها بذهول: ـ شقة أخوه؟! دي شقتنا إحنا، إحنا اللي تعبنا فيها قرش قرش.
أخو جوزي خرج وقتها من الأوضة وهو متوتر وقال: ـ والله يا مرات أخويا ماما هي اللي قالتلنا، وإحنا كنا ناويين نخرج أول ما ترجعوا.
ضحكت تاني، ضحكة أقوى من الأول، وقلت: ـ تخرجوا؟
حماتي قربت مني وقالت بنبرة كلها استحقاق: ـ يا بنتي ما تعقديش الدنيا، أنتي وجوزك معاكم فلوس. يعني هتفرق معاكي شوية عفش؟!
الكلمة دي كانت آخر حاجة قدرت أستحملها. حسيت إن كل التعب اللي تعبته بره مصر، كل مرة كنت برجع من شغلي منهارة وأقول لنفسي "معلش بكرة نرجع ونعيش مرتاحين"، كل مرة كنت أحرم نفسي من حاجة عشان أجيب حاجة أحسن للبيت… كله بيتداس عليه.
بصيت لجوزي وقولتله: ـ أنا مش هقعد هنا دقيقة واحدة.
شد الشنط ونزلنا فعلًا من غير ما نبص ورا. حماتي كانت بتنادي عليه: ـ يا ابني استنى! هنقعد نتفاهم!
لكنه مردش.
نزلنا قعدنا في فندق يومين. اليومين دول كانوا من أسوأ أيام حياتي. كنت قاعدة على السرير أبص للسقف وأعيط بصمت. مش على العفش… لا. كنت بعيط على الإحساس إن الناس اللي كنت بعتبرهم أهلي باعوني بسهولة.
جوزي كان ساكت أغلب الوقت. وفي ليلة منهم قالي: ـ حقك عليا.
بصيتله وسألته: ـ أنت كنت عارف؟
اتنهد وقال: ـ والله العظيم لأ… بس كنت حاسس إن أمي بتلمح بكلام غريب الفترة الأخيرة.
سكت شوية وبعدين قال: ـ بس أنا غلطان إني اديتها نسخة المفتاح.
عدى أسبوع، وأخو جوزي مخرجش من الشقة. بالعكس، حماتي كانت بتكلم جوزي كل يوم وتحاول تقنعه إن اللي حصل "عادي"، وإننا لازم "نستر على أخوه".
لكن اللي
في يوم قالي: ـ قومي البسي، هنروح مشوار.
روحت معاه وأنا مش فاهمة. لقينا نفسنا عند محامي. وقتها بس فهمت إن جوزي أخد الموضوع بجد.
المحامي لما سمع الحكاية قال: ـ طالما الشقة باسمكم وعندكم إثباتات شراء الأجهزة والعفش، من حقكم تطلبوا إخلاء فوري وتعويض كمان.
حماتي أول ما عرفت قامت الدنيا. جت الفندق تصوت وتعيط وتقول: ـ هتفضحونا! هتدخلوا أخوك السجن عشان شوية خشب وحديد؟!
جوزي رد عليها بمنتهى البرود: ـ الخشب والحديد دول شقى عمري أنا ومراتي.
أول مرة أشوفه واقف قدام أمه بالشكل ده.
بعد أسبوعين، أخوه خرج من الشقة غصب عنه. دخلت الشقة بعدها وأنا قلبي بيرتعش. كنت فاكرة إني هفرح لما ترجعلي، لكن اللي شوفته وجعني أكتر.
الحيطان متبهدلة، الكنبة عليها حروق سجاير، الدولاب مكسور من جوه، وطقم الصيني ناقص منه قطع كتير. حتى النجفة اللي كنت جايباها مخصوص من محل مشهور كانت مكسورة.
دخلت أوضة النوم ووقفت أبص للسرير. ده السرير اللي كنت بحلم أنام عليه وأنا راجعة من الغربة. حسيت إني مخنوقة.
وقتها جوزي دخل ووقف جنبي وقال: ـ هنغير كل حاجة.
بصيتله وقلت: ـ أنا مبقتش عايزة حاجة.
قعدت بعدها شهور مكتئبة. فقدت شغفي بكل حاجة. حتى لما حاولت أنضف الشقة وأرجعها زي الأول، كنت بحس إن روحها اتكسرت.
وفي يوم، وأنا برتب شنطتي القديمة، لقيت ظرف صغير كنت ناسياه. فتحته
قعدت أعيط وقتها بطريقة هستيرية.
لكن يمكن ربنا كان عايز يوريني حقيقة ناس كتير قبل ما أخلف وأدخل عيالي وسطهم.
بعدها بشهر، جوزي قالي: ـ أنا أخدت قرار.
سألته: ـ إيه هو؟
قال: ـ هنبيع الشقة.
اتصدمت: ـ نبيعها؟!
قال: ـ المكان اللي انكسرتي فيه عمرك ما هترتاحي فيه.
وفعلًا، باعها بسعر كبير جدًا لأن المنطقة سعرها غلي. واشترينا شقة جديدة في كومباوند بعيد عنهم كلهم. ولأول مرة من سنين، حسيت إني داخلة بيت محدش لمسه غيري.
أما حماتي… فكانت متخيلة إن الأيام هترجع زي الأول. لكن جوزي بعد اللي حصل بقى بيتعامل رسمي جدًا. لا زيارات ولا قعدة كل يوم ولا فلوس بتتبعت. وأخو جوزي دخل في مشاكل مع مراته بعد ما خرجوا من الشقة، لأنها كانت متعودة على الراحة والفرش الجاهز، ولما راحوا شقة إيجار فاضية ابتدوا يتخانقوا طول الوقت.
وفي يوم، حماتي جت تزورنا في البيت الجديد. دخلت تبص حواليها بانبهار وقالت: ـ الله… الشقة دي أحلى من القديمة بكتير.
بصيتلها وابتسمت لأول مرة من قلبي وقلت: ـ أصل العفاريت هنا مبتعرفش تدخل.
وشها قلب ألوان، وسكتت.
وقتها بس حسيت إن حقي رجع… مش لأننا كسبنا شقة أحسن، لكن لأننا عرفنا قيمتنا، وعرفنا إن اللي يستهين بتعبك مرة، هيستهين بيك ألف مرة لو سكتله.
ومن يومها اتعلمت درس عمري ما هنساه… أوعى تدي مفتاح