عندما حاول ابن خالتي اهانتي
الصورة كانت تظهرني داخل قاعة اجتماعات سيادية في بغداد.
إلى جانب مسؤولين كبار.
وإلى جانب رجل لا يظهر في أي مكان إلا عندما يكون الأمر أكبر مما يتخيله الناس.
كادت أمي تسقط على الكرسي.
همست
هذا غير ممكن...
لكنه كان ممكنًا.
وممكنًا جدًا.
الحقيقة كانت بسيطة.
بينما قضت عائلتي سنوات تسخر من صمتي...
قضيت أنا سنوات أمنع كوارث لم يسمعوا عنها أبدًا.
تفاوضت في ملفات خطيرة.
أخرجت مصادر من أماكن كانت تنهار.
أدرت عمليات عبر أكثر من حدود.
وودّعت أشخاصًا لا أستطيع أن أحزن عليهم علنًا.
لكن السرية تغيّر الإنسان.
تعلمه كيف يجلس صامتًا بينما يستهين به الآخرون.
كيف يترك الإهانات تمر دون رد.
كيف يبقى حيًا دون أن يحتاج إلى اعتراف أحد.
وهذا كان السبب الحقيقي الذي جعل عائلتي لا تفهمني.
لقد ظنوا أن ضبط النفس ضعف.
مدّ حيدر إليّ هاتفًا آمنًا.
وقال
إنه هو.
كنت أعرف من يقصد.
اتصل الخط فورًا.
جاء الصوت هادئًا وحاسمًا
زهراء.
أجبت
سيدي.
تجمدت الحديقة مرة أخرى.
بدا أبناء خالتي وكأنهم فقدوا قدرتهم على التنفس.
قال الصوت عبر الهاتف
لدينا تأكيد. تم اختراق أثينا من داخل الشبكة. نحتاجك في بغداد فورًا.
سألته
ما حجم الضرر؟
ساد صمت قصير.
ثم قال
ثلاثة عناصر ميدانيين مفقودون.
أدار حيدر وجهه بعبوس.
أغمضت عيني للحظة.
ثلاثة مفقودين في هذا النوع من الملفات...
يعني أن الوقت ينفد بسرعة.
سألت
من سرّب؟
قال
لا نعرف بعد.
أزعجني هذا الجواب.
لأن أثينا لم تكن مشروعًا عاديًا.
كانت طبقات.
صلاحيات مقسّمة.
أنظمة إنذار.
بروتوكولات صُممت أصلًا
إذا حدث الاختراق...
فهذا يعني أن شخصًا من الداخل فكك الحماية عمدًا.
وهذا يعني خيانة.
تابع الصوت
هناك مشكلة أخرى.
سمعت التردد في نبرته.
وهذا وحده أقلقني.
سألته
ما هي؟
قال
اسمك ظهر ضمن التسريب.
ساد صمت ثقيل.
حتى صوت الهواء بدا أخف.
تصلبت ملامح حيدر فورًا.
أما نبضي أنا...
فصار أبطأ.
تدريب.
سيطرة.
لكن داخل عقلي كانت الحسابات تركض بسرعة.
إذا ظهر اسمي علنًا...
فكل جهة معادية اصطدمت بنا خلال السنوات الماضية ستعرف من أنا.
والأخطر...
ستعرف أين أنا.
وفي تلك اللحظة تحديدًا...
اهتز هاتف قرب الشرفة.
ثم هاتف آخر.
ثم آخر.
بدأ الناس ينظرون إلى شاشاتهم.
ورأيت الارتباك ينتشر على وجوههم.
كانت ابنة خالتي الصغيرة أول من رفع رأسه.
همست
يا الله...
أمسكت أمي هاتفها.
كان أحد المواقع الإخبارية المحلية قد نشر العنوان
عاجل مسؤولة أمنية رفيعة مرتبطة بأزمة أمنية دولية.
وتحت العنوان مباشرة...
كانت صورتي.
ليست صورة رسمية.
ولا صورة داخل مؤسسة.
بل صورة لي في هذا التجمع.
التُقطت قبل أقل من خمس دقائق.
تمتم حيدر بغضب مكتوم
هذا مستحيل.
لكنه لم يكن مستحيلًا.
شخص قريب سرّب الصورة في اللحظة نفسها.
التفت ببطء.
صار كل فرد من العائلة يتجنب النظر في عيني.
ما عدا سيف.
كان خائفًا.
خائفًا أكثر من اللازم.
وهنا لاحظت شيئًا.
هاتفه لم يكن في يده.
سألته بهدوء
أين هاتفك؟
اتسعت عيناه.
ماذا؟
قلت
هاتفك يا سيف.
نظر عنصر الشرطة إليه بحدة.
تراجع سيف خطوة.
لا أعرف عمّ تتحدثين.
تحرك حيدر فورًا.
في لحظة كان سيف واقفًا
وفي اللحظة التالية كان حيدر يثبته عند السياج بدقة وقوة.
صرخت العائلة كلها.
قال حيدر بصوت حازم
تحقيق أمني. لا أحد يتحرك.
تدخل عنصر الشرطة مرتبكًا
ما الذي يحدث؟
أخرج حيدر هاتفًا ثانيًا من جيب سيف الخلفي.
جهاز صغير.
ليس هاتفه الشخصي.
ولا يبدو محليًا.
جهاز مخصص للتواصل.
سقط قلبي في صدري.
أعطاني حيدر الجهاز.
فتحته.
وقرأت الرسائل.
وشعرت أن الأرض مالت تحت قدمي.
لأن المحادثة الخارجة احتوت صورًا.
إحداثيات.
جداول حركة.
معلومات من أثينا.
مواد سرية.
كان سيف يرسل معلومات إلى شخص ما.
ابن خالتي.
الرجل نفسه الذي قضى سنوات يسخر مني في التجمعات العائلية.
الشخص نفسه الذي ظنه الجميع متعثرًا لا يعرف كيف يدير حياته.
لا.
لم يكن غبيًا.
هذه كانت غلطتنا.
تعمقت في الرسائل.
اتصالات مشفرة.
مسارات خارجية.
تحويلات مالية.
لم يكن الأمر عشوائيًا.
لقد تم تجنيد سيف.
ضربني الإدراك بقوة.
شخص ما استخدم عائلتي للاقتراب مني.
وفجأة بدأت ذكريات كثيرة تعيد ترتيب نفسها في رأسي.
الأسئلة الغريبة في المناسبات.
الإصرار على حضوري للتجمعات.
النكات المتكررة عن عملي.
محاولات معرفة أين أسافر ومتى أعود.
لم يكن سيف فضوليًا.
كان يجمع.
نظرت أمي إليه برعب.
سيف...
توقف عن المقاومة.
ثم تغيّر شيء في وجهه.
اختفى الخوف.
وحلّ مكانه هدوء غريب.
وهذا أخافني أكثر.
قال بهدوء
تظنون أنني أنا المشكلة؟
شدّ حيدر قبضته عليه.
لا تتكلم.
لكن سيف ابتسم.
ابتسامة غريبة.
كأنه أخيرًا ارتاح.
قال
أنتم تأخرتم كثيرًا.
اشتعلت كل غرائزي في لحظة.
أمرت بصوت
أدخلوا الجميع إلى البيت الآن.
تحرك حيدر فورًا.
وانتشر العناصر في الحديقة.
إلى الداخل الآن!
انفجر الارتباك.
أطفال يبكون.
أقارب يصرخون.
كراسٍ تسحب فوق الأرض.
ثم سمعته.
صوتًا معدنيًا خافتًا أسفل الطاولة.
تجمد الدم في عروقي.
همست
عبوة.
التقت عينا حيدر بعينيّ.
ثم بدأ المؤقت.
0045
صرخ الناس.
أمسك عنصر الشرطة بسيف بعنف.
أين هي؟
ضحك سيف.
ضحك فعلًا.
وكان في ضحكته حقد سنوات طويلة.
قال
كنتم تظنونني الفاشل في العائلة. على الأقل هناك من عرف قيمتي.
قلب حيدر الطاولة بسرعة.
وكان هناك جهاز أسود صغير مثبت أسفلها.
احترافي.
مدروس.
ليس عملًا عشوائيًا.
هذه العملية أكبر بكثير من سيف.
0037
صرخ حيدر
إخلاء المكان فورًا!
جلست بجانب الجهاز مباشرة.
أخبرني ترتيب الأسلاك بكل شيء.
نظام ضغط.
تفجير ثانوي.
قفل مشفر.
من صنعه يعرف بروتوكولات عسكرية.
سأل حيدر
هل يمكنك إيقافه؟
قلت
نعم.
ثم أضفت
ربما.
0030
اندفعت عائلتي نحو الشارع.
تعثرت جدتي.
حملها خالي بسرعة.
وكان الأطفال يبكون في فزع.
وسط كل ذلك...
كان سيف ينظر إليّ برضا بارد.
قال بهدوء
قضيتِ حياتكِ تتصرفين وكأنكِ أفضل منا. لنرَ الآن ما قيمة أسرارك.
تجاهلته.
ضاق تركيزي.
هدأ تنفسي.
عاد التدريب القديم تلقائيًا.
السلك الأحمر؟ لا. واضح أكثر من اللازم.
المشكلة ليست ميكانيكية.
المشكلة في الإشارة.
تتبعت المستقبل.
وجدت المسار الجانبي.
0018
انحنى حيدر بجانبي.
لا تملكين وقتًا كافيًا.
قلت
أعرف.
خفض صوته
إذن نبتعد.
قلت
لا.
زهراء.
قلت بسرعة
إذا انفجر هذا هنا، سيشتعل خط الوقود
تغير وجهه.
فهم فورًا.
نصف العائلة لن ينجو من الأذى.
0012
مددت يدي داخل الغلاف.
وجدت شريحة الإرسال.
هناك.
لكن قبل أن أفصلها، صرخ سيف
هي لا تعرف شيئًا عن الزناد الثاني!
رفعت رأسي بسرعة.
متأخرة.
أضاء مؤقت آخر.
0008
أمسكني حيدر.
تحركي!
انتزعت نفسي منه.
لم