حماتي كسرتلي رجلي بالنشابة الخشب

لمحة نيوز


وشها الطيب مليان دهشة وخوف. حاولت أتكلم بس الكلام ما طلعش إلا بصوت مبحوح ومقطع
الحقيني يا أمينة.. رجلي.. رجلي اتكسرت.. ومحدش راضي يساعدني..
صرخت الحاجة أمينة بصوت عالي ونادت ابنها الكبير اللي كان جوا البيت يا سيد.. يا سيد تعال بسرعة.. شوف مين برا وإيه اللي حصلها!
في ثواني خرج سيد، شاب في أوائل الثلاثين، راجل مهذب وبيخاف ربه، ولما شافني مرمية في الطين، هدومي ممزقة ومليانة أوساخ، ووشي أصفر زي الموت، اتخض وجري ناحيتي
يا ست ندى.. إيه المصيبة دي؟ مين عمل فيك كده؟
ما رديتش، بس الدموع نزلت بغزارة من عيني، وكل ما أحس بالرحمة دي تزيد الألم في قلبي أكتر من ألم رجلي. شالني سيد بحذر شديد، وحطني على سرير في أوضة الضيوف، وغطاني ببطانية دافئة، والحاجة أمينة مسحت جسمي بمنشفة ناشفة، وحطت كمادات باردة على رجلي المتورمة اللي كانت شكلها واضح إنه فيها كسر كبير.
قالت لي أمينة وهي بتدعك كفوفي عشان ترجع لي الدفء اهدي يا بنتي.. اطمني.. هنجيبك دكتور فورًا، ولا تقلقي من أي حاجة، هنا بيتك، ومحدش هيقدر يوصل لك بسوء طالما أنا وسيد موجودين.
بعد نص ساعة، وصل الدكتور، فحص رجلي بعناية، وشد رأسه وقال بجدية الكسر في عظمة الساق واضح ومتحرك، ومش ممكن يتعالج إلا في المستشفى، لازم نعمل أشعة ونثبت الكسر فورًا قبل ما يزيد الورم ويتعقد الحال، لو تأخرنا أكتر ممكن يصيبها ضرر دائم ومش هتعرف تمشي تاني طوال حياتها.
سمعت الكلام ده وقلبي دق بسرعة، مش خوف من المرض، لكن خوف من إن كريم أو أهله يجوا يمنعوني أو ياخدوني من هنا قبل ما أضمن حقي. سيد نظر لي وفهم اللي في بالي، وقال لي بهدوء وثقة لا تخافي يا ست ندى، أنا اللي هاخدك المستشفى، ومعايا كل الحاجات اللازمة، ولو جاء حد منهم، هيتكلم معايا، ولا يهمك.
في الطريق للمستشفى، كنت أفكر في كل اللي مررت بيه من أول يوم جوازي لكريم. كنت بنت ناس، متعلمة، مستقلة، واخترته لما شفت منه كلامًا حلوًا ووعودًا بكل سعادة، بس ما كنتش أعرف إن وراء الكلام ده جدران من الكبر والظلم والتحكم. أول ما دخلت البيت، فهمت إن الحكم هناك مش للعدل ولا للحق، الحكم لفوزية أم كريم، وكل ما تقوله يتنفذ بلا نقاش. أي كلمة بسيطة تعتبر قلة أدب، وأي رأي مختلف يعتبر تمرد. وكرام كان دائمًا في صفهم، حتى لو كانوا الغلطانين، كان يرى إن واجبه الأول هو طاعة أمه مهما كان الثمن.
وصلنا المستشفى، ودخلوني فورًا لقسم الطوارئ، عملوا لي أشعة وتحاليل، وأكد الدكتور إن الكسر كبير ويحتاج لتثبيت بشرائح ومسامير، وعملية ضرورية. سيد دفع التكاليف كلها بلا تردد، وقال لي إن الأمر مش مهم، أهم شيء صحتي وسلامتي.
بعد ما استقرت في الغرفة وبدأت المهدئات تاخد مفعولها، سمعت صوتًا عاليًا عند باب الغرفة، صوت معروف جعلني أرتجف في مكاني. كانت فوزية ومعاها كريم وأبوهم الحاج سامي، دخلوا الغرفة ووجوههم كلها غضب واعتراض.
صرخت فوزية بصوتها العالي اللي ملأ المكان كله إيه اللي جابك هنا؟ ومن سمح لك تخرجين من البيت وتجين هنا من غير إذننا؟ قلتلكم تسيبوها لحد بكرة، ومش معقولة تخرجين من غير ما نعرف!
كريم تقدم خطوة ناحية السرير ونظر لي بنفس النظرة الباردة القديمة إيه ده يا ندى؟ إيه التصرف اللي عملتيه؟ خرجتي من البيت وانتِ في الحالة دي، وذهبتِ لجيراننا، وفضحتينا في الشارع كلو؟ ده اللي كنتِ عايزاه؟ تظهري وكأننا ظالمين وانتِ الضحية؟
قبل ما أفتح فمي أرد، وقف سيد بينهم وبين السرير، ووجه لهم كلامًا حازمًا لكن بأسلوب مهذب ومحترم استنوا لحظة من فضلكم. الست دي وصلت لبيتنا وهي مرمية في الطين، مكسورة الرجل، ومش قادرة تتكلم من شدة الوجع، لو ما أسرعنا بها لكانت فقدت رجلها أو حياتها. وفضيحة أي حد فينا مش إننا نساعد إنسان مريض، الفضيحة الحقيقية إننا نسيب حد من أهلنا يتألم ويتعرض للضرر ولا نمد له يد العون.
نظر كريم لسيد بغضب وقال ده شأن عائلي يا أخ سيد، ملكش دخل فيه، دي مراتي وأنا أعرف كيف أتعامل معها.
رد سيد بثبات طالما وصل الأمر لدرجة الكسر والضرر البدني، فلم يعد الأمر شأنًا عائليًا فقط، بل هو حق إنساني وقانوني، والدكتور قال إن التأخر كان سوف يسبب ضررًا دائمًا. وللمعلومة، لقد تم تسجيل الحالة في سجلات المستشفى، وكل ما حدث موثق بالكامل، ولا يمكن التراجع عنه الآن.
كلام سيد ده زي ما كان صدمة لهم كلهم. لم يتوقعوا إن هناك من يقف في وجههم ويرفض أسلوبهم في التعامل. فوزية بدأت تغير لهجتها، وحاولت تغير مسار الحديث هي اللي استفزتني، قالت لي كلامًا قليل الأدب، وما كان أمامي حل إلا أرد عليها عشان تعرف قدرها ومكانتها.
وقتها، تجمعت في داخلي كل القوة اللي كانت كامنة، ورفعت راسي ونظرت لهم مباشرة، بصوت واضح ومسموع، رغم ضعفي أنا ما قلت إلا الحق، يا فوزية. قلت لك إنك ما يحق لك تتحكمي في كل شيء، وتعاملي معي كأنني جارية أو خادمة بلا رأي ولا كرامة. واللي عملتيه مش رد على كلام، ده اعتداء واضح، ونتيجته إن رجلي
 

تم نسخ الرابط