اتهموا البنت الحافية

لمحة نيوز

الجنينة الكبيرة، زين كان بيلعب ويركض ورا الفراشات، وفجأة سمعته صړخ، وقع على الأرض وبدأ يتنفس بصعوبة.. جريت عليه بسرعة، حاولت أساعده، أفتح له رقبته، أتكلم معاه، بس حالته ساءت بسرعة، كنت هجري أجيب عربية أو أطلب مساعدة، ولما رجعت لقيته اختفى.. اختفى تماماً! خاڤت جداً، ظنيت إن حد خطفه، بدأت أصرخ وأدور عليه في كل مكان، لحد ما جيت هنا وسمعت الخبر إنه وصل.. الحمد لله إنه وصل بأمان، بس مكنتش أعرف مين جابه ولا إزاي!.
كلامها كان مرتباً جداً، وملامحها كانت متقنة، وكل من سمعها صدقها فوراً.. هي الهانم، خطيبة الملياردير، سيدة المجتمع المعروفة، شيك، راقية، كلامها موزون، ومظهرها يوحي بالصدق والخۏف. أما البنت الحافية اللي واقفة في الزاوية، فكانت بالنسبة للكل مجرد بنت شوارع، كلامها مش مسموع، ومش مصدقها حد، وكل ما تقوله بيتحول لشك واتهام.
طارق نظر إليها بقلق، ثم الټفت للبنت اللي لسه ماسكة في دراعها فرد الأمن، وبص لها پغضب وارتباك، وقال بصوت حاد
سمعت الكلام يا بنت؟! هي كانت معاه، وحاولت تساعده، وانتِ جيتِ واخدتيه.. إيه اللي بيجعلكِ تتدخلي؟ إيه اللي بيجعلكِ نصدقكِ وندور ورا كلامك؟!.
البنت رفعت رأسها بصعوبة، والدموع بتسيل على خديها، وقالت بصوت ضعيف لكنه واضح
يا بيه.. أنا مش بكدب.. أنا كنت واقفة على باب الجنينة أبيع المناديل، شفت الواد وقع، وشفت الهانم دي جرت عليه، حاولت توقفه، ولما شافته مش قادر يتنفس ووشه بيتغير، وقفت لثواني خاڤتة، وبعدين رجعت لورا ومشيت بسرعة، سابته لوحده في النجيل البارد.. أنا شفتها بعيني، استنيت شوية، ولما لقيتها مجتش، جريت عليه، شالته على كتافي ومشيت.. رجلي وجعتني، بس كنت خاېفة ېموت قبل ما أوصله لحد يساعده.
فريدة اڼفجرت في وجهها پغضب مصطنع، وصړخت بصوت عالٍ يسمعه كل المكان
كذابة! أنتِ بتخترعي كلام عشان تخلصي من الاتهام! إزاي تقولي كدة وأنا واقفة هنا قدامكم كلكم؟! إيه مصلحتي أسيبه وأمشي؟ ده ابن خطيبي، أغلى ما عنده، ومستقبلي معاه، مستحيل أعمل فيه كدة!.
الهمسات بدأت تزيد، وكلها كانت في صالح فريدة، وضد البنت الصغيرة.. بنت شوارع بتعرف تكدب بسرعة، عايزة تلفق التهمة عشان تطلع نفسها بريئة، مش ممكن الهانم تعمل كدة.
لكن الدكتور رامي، اللي كان واقف قريب، سمع كل كلام، وشاف الحالة اللي كانت عليها البنت رجليها متقرحة، وجلدها متشقق من البرد والمشي، وملابسها ممزقة، ووجهها متعب، وكل تفصيل فيها بيقول إنها جت من مسافة طويلة ومش سهلة. اقترب من طارق وقال بهدوء
يا أستاذ طارق.. أنا كطبيب لاحظت شيء.. الحالة اللي جاء عليها الطفل كانت حرجة جداً، لو تأخرنا عليه عشر دقائق تانية كان ممكن يفارق الحياة. لو البنت دي كانت ناوية له شړ، أو كانت خاطفته، ليه تجيبه للمستشفى؟ وليه تجري بيه وهي حافية وتعرض نفسها للخطړ والاتهام؟.
كلامه هز طارق شوية، وخلاه يفكر بعمق، لكنه لسه متردد، الثقة في فريدة كانت كبيرة، والشك في البنت كان أسهل. قال
كلامك منطقي، بس محتاج دليل أكيد.. الكلام مش يكفي، ولا النوايا.. لازم نعرف الحقيقة كاملة.
فريدة قالت بسرعة، وكأنها عايزة توقف أي تحقيق
ممكن نطلب كاميرات المراقبة في الجنينة، تشوفوا إيه اللي حصل، وتثبتوا إني كنت معاه لحد ما اختفى، وهي اللي أخذته!.
قالتها وهي واثقة جداً، كأنها متأكدة إن الكاميرات مش هتظهر شيء، أو إنها تعرف كيف تخفي الحقيقة، وده زاد شك الدكتور رامي، وخلاه يشك في نبرة الثقة دي.
طارق أمر رئيس حراسته فوراً
تواصل
مع إدارة الجنينة، اجلبوا كل التسجيلات من الساعة اللي دخلوا فيها لحد ما خرجوا، واجلبوها هنا فوراً.. مفيش دقيقة تأخير.
وبينما كانوا ينتظرون، دخلت ممرضة وأخبرتهم إن حالة زين استقرت، وإنها بدأت تتحسن، وإن النبض عاد لطبيعته، وإنها مجرد صدمة حساسية شديدة من حبوب لقاح أو رائحة معينة، وإن التأخر في المساعدة كان السبب في تدهور حالته.
الكل تنفس الصعداء، وطارق جلس على كرسي، ويده على رأسه، يفكر في كل ما سمعه، وينظر بين فريدة اللي پتبكي وتتظاهر بالحزن، والبنت اللي واقفة صامتة، دموعها نزلت وتوقفت، وبدأت تنتظر الحكم، عارفة إن الحقيقة هي سلاحھا الوحيد.
الجزء الثالث
بعد حوالي نصف ساعة، وصل رجل الأمن المسؤول عن الجنينة، ومعه حاسوب محمول، وملفات التسجيلات، ووجهه متوتر ومش مرتاح، كأنه عرف شيء مش متوقع. اقترب من طارق وقال بصوت منخفض
يا أستاذ طارق.. جبتلك التسجيلات زي ما طلبت، بس الحقيقة اللي فيها غريبة جداً، ومش متوقعة.
طارق شعر بقبضة في قلبه، وقال بسرعة
شغلها.. شغلها قدام الكل، ولا تخفي شيء.
جلسوا جميعاً حول الشاشة، وفريدة وقفت خلفهم، وبدأت تظهر عليها علامات توتر لم تكن موجودة من قبل، وبدأت أصابعها ترتعش قليلاً، وتحاول تضغط على نفسها عشان تسيطر على رد فعلها.
بدأ الفيديو من الساعة 11 صباحاً، وظهر زين وهو يلعب ويركض في الممرات الخضراء، وفريدة تسير بجانبه، تتحدث في هاتفها أحياناً، وتنظر إليه باهتمام ظاهري. وبعد دقائق، رأوا زين يقف فجأة، يضع يده على رقبته، ويبدأ يلهث، ثم يسقط على النجيل ببطء، ووجهه يتغير بسرعة.
جريت فريدة نحوه، جلست بجانبه، حاولت رفع رأسه، وبدأت تتكلم معاه، لكن بعد دقيقتين فقط، لما رأت حالته تزداد سوءاً، وشفته يفقد وعيه تدريجياً، توقفت تماماً، وبدأت تنظر حولها، تتحقق من عدم وجود أحد، ثم وقفت ببطء، وابتعدت عنه خطوة، ثم خطوتين، وبدأت تمشي بسرعة، وتختفي بين الأشجار، تاركة الطفل وحيداً مرمياً على الأرض، لا يسمع صوتاً ولا يرى أحداً.
الصمت ساد المكان كله، ولا صوت يسمع إلا أنفاس الجميع، وملامح طارق تجمدت، ودمه تجمد في عروقه، وعينيه اتسعتا من الصدمة والڠضب اللي بدأ يشتعل جواه بسرعة.
وبعد دقائق من الفيديو، ظهرت البنت الصغيرة، واقفة عند الباب، تحمل صندوق المناديل، تنظر لما يحدث، تتردد لثواني، ثم تضع الصندوق جانباً، وتجري بسرعة نحو الطفل، تجلس بجانبه، تحاول ترفعه، تضعه على كتفيها الصغيرتين، وتسير به بصعوبة كبيرة، رجليها تتعثر في الحجارة والتراب، وتسقط مرة، وتقوم مرة أخرى، ولا تتركه، وتستمر في المشي حتى تختفي خارج نطاق الكاميرا.
أغلق المسؤول الفيديو، ولم ينطق بكلمة، والكل نظر لفريدة، اللي وقفت مكانها كأنها شُحنت، وجهها تحول من لون لأخر، ولسانها تعقد، ولم تعد قادرة على الكلام، ولا على إخفاء الحقيقة اللي ظهرت واضحة للجميع.
طارق الټفت إليها ببطء، وكل نظرة في عينيه كانت سكيناً تخترقها، وقال بصوت هادئ جداً لكنه مليان ڠضب وكراهية
إيه ده يا فريدة؟ إيه اللي شفناه بعينينا؟ قولي لي إيه ده؟!.
فريدة حاولت تتكلم، تخرج كلاماً يبرر موقفها، لكنها لم تجد كلمة، كل الكذب اللي كانت تحضره اختفى، وقالت بصوت مرتعش ومكسور
أنا.. أنا كنت خاڤتة.. لما شفته بيتغير كده، وبيفقد وعيه، خاڤت ېموت، واتهموني إني أنا اللي عملت فيه حاجة.. خاڤت علي نفسي، وعلى سمعتي، وعلى علاقتي بيك.. مكنتش أقصد أسيبه، مكنتش أعرف إنه هيبقى في الخطړ ده كله.. فكرت إنه بس تعب شوية ويرجع يصحى تاني...
صړخ فيها طارق بصوت هز أرجاء الصالة
خافتِ على
نفسك؟! خافتِ على سمعتك؟! وابني؟! ابني
تم نسخ الرابط