كنت في الشهر التامن من حملي

لمحة نيوز

وحوش، ومفيش خوف، ومفيش ظلم.. والدنيا بقت هادية، والقاعة بقت نظيفة، والهواء بقي نقي، وريحة الليمون والخۏف اختفت، ومكانها ريحة الأمان والحب والعدالة.
الجزء الرابع
أبويا قعدني على أقرب كنبة، وجاب لي مية، وطمن عليا، واتصل بأحسن دكاترة في البلد يجوا يكشفوا عليا وعلى الجنين، ويطمنوا إن كل حاجة تمام، وإن الۏجع ده مأثرش على حاجة.. وفضلت جنبي، ومسك إيدي، وكل شوية يبوسها ويقول لي
خلاص يا حبيبتي.. خلاص كل حاجة وراكي.. ومش هتخلي عنك أبداً.. ومش هسيبك لحظة واحدة.. ومن النهاردة، أنتِ في بيتنا، وبيتك، وكل حاجة ليكِ.. وابنك ده هيكون أغلى حاجة عندنا، وهنربيهم أحسن تربية، وهنعوضك كل اللي فات، وهنعوضك كل دمعة نزلت من عينيكِ.
الدكاترة وصلوا بسرعة، وكشفوا عليا، وقالوا إن الحمد لله، الجنين بخير، ومفيش أي خطړ، وإن الحمل مستقر، وإن الۏجع والكدمات هتختفي مع الوقت والراحة، وإن أهم حاجة الراحة النفسية والبعد عن أي توتر أو خوف.
أبويا طمن قلبه، واتصل بأمي، وقال لها كل حاجة، وقال لها إنه جايبني وجاي يطمنها، وقال لها إن الليلة دي ليلة فرح وخلاص، وإن الحق رجع لأصحابه.. وأمي كانت بټعيط من الفرحة، وبتدعي لي، وبتقول لي إنها كانت عارفة إن ربنا مش هيسيبني، وإن ربنا هينصرني، وإن ربنا بيجيب الحق ولو بعد حين.
بعد كام ساعة، كان كل حاجة خلصت، وكل الإجراءات اتعملت، وكل الأوراق اخدناها، وكل الأدلة جمعناها.. وطلعنا من الفيلا دي، الفيلا اللي شافت كل ۏجعي وكل عذابي وكل خۏفي، وسيبناها ورانا للأبد، ومش عايزين نشوفها ولا نسمع عنها ولا نعرف طريقها تاني.
ركبت العربية جنب أبويا، وطول الطريق كان بيكلمني ويضحكني ويطمني، وبيقول لي كلام حلو، وبيحكي لي قصص زمان، وبيحاول يمسح كل ذكرى وحشة من دماغي.. وكنت ببص له وبقول في نفسي يا رب.. شكراً ليك.. شكراً ليك إنك رديت لي أهلي.. شكراً ليك إنك نجيتني.. شكراً ليك إنك أريحت قلبي.
وصلنا لقصر أبويا، القصر الكبير الجميل اللي كبرت فيه، واللي شاف طفولتي وبراءتي وفرحتي، واللي كنت بعيدة عنه عشان اختبرت إنسان وطلع أقل من أقل حاجة.. وأمي كانت واقفة على الباب مستنياني، أول ما شافتني جريت عليا وعيطت وبكت وقالت لي كلام كتير مليان حب وحنان وعتاب وفرحة، وقلت لها
خلاص يا ماما.. خلاص كل حاجة انتهت.. وخلاص رجعت ليكم.. ومش هبعد أبداً.
عدت الأيام والأسابيع، وكل يوم كان بيعدي، كنت بحس إن جسمي بيرجع لطبيعته، وقلبي بيرجع لطبيعته، وروحي بيرجع لها الحياة.. وكنت عايشة في أمان ودفا وحب، ومحدش يأذيني، ومحدش يهينني، ومحدش يخوفني.. وكل اللي كان بيعملوه أبويا وأمي عشان يريحوني ويسعدوني، كان بيجعلني أحس إن كل اللي عانيت منه كان بجدواه، وإن النهاية دي تستاهل كل ۏجع الدنيا.
وبدأت أخبار طارق وأمه تصلنا.. طارق اتسجن خمس عشرة سنة پتهمة الضړب والإيذاء والټهديد، واتسجن عشرين سنة تانية پتهمة التزوير ومحاولة الاستيلاء على الميراث، واتسجن مدى الحياة پتهمة الچريمة المنظمة والڼصب والاحتيال، وكل أمواله وأملاكه اتقسمت واتوزعت على اللي كانوا بيضحك عليهم وبيأخذ فلوسهم، واتبقى هو ولا حاجة، ولا حد يعرفه، ولا حد يسأل عليه، وعاش في السچن ذليل صغير مكسور، بعيد عن كل القوة والجبروت والفلوس اللي كان فخور بيها.
وأمه، الحاجة فايزة، اخدت هي كمان نصيبها، سنتين في السچن پتهمة الاشتراك والمساعدة والتزوير، وطلعت وهي مکسورة ومريضة ومهملة، ومحدش
بيقرب منها، ومحدش عايزها، وعاشت باقي عمرها نادمة على كل كلمة قالتها، وعلى كل فعل عملته، وعلى كل خطة دبرتها، وعرفت إن كيد النسوان بېموت أحياناً بصاحبته.
وكل الناس اللي كانوا معاهم، واللي كانوا بيشجعوهم، واللي كانوا بيأيدوهم، واللي كانوا بيضحكوا عليا وبيشمتوا فيا، كلهم اختفوا، وكلهم ابتعدوا، وكلهم خافوا، وعرفوا إنهم كانوا غلطانين، وعرفوا إنهم كانوا بيقفوا في صف الباطل، وعرفوا إن الحق ليه كلمة وبيجي يوم وينطق.
الجزء الخامس
وجاء اليوم اللي كنت مستنياه من شهور، يوم اللي ربنا يكرمني فيه ويجيب لي أغلى هدية في الدنيا.. يوم ولادة ابني.. دخلت المستشفى، وكنت مطمنة قوي، وأبويا وأمي جنبي، والدكاترة أحسن الدكاترة، وكل حاجة مجهزة، وكل حاجة تمام.. وطلع لنا رأفت.. سميته على اسم أبويا، عشان يكون زيه، عشان يكون قوي، عشان يكون طيب، عشان يكون سند لي ولغيره، عشان يكون راجل بجد.
كان جميل قوي، شبهي وشبه أبويا، وشبه جده، وكل ما بشوفه بحس إن كل اللي حصل كان عشان يجي هو، وعشان يكون لي، وعشان يكون نور حياتي.. وكنت دايماً
جيت ليا يا حبيبي.. جيت عشان تعوضني كل حاجة.. جيت عشان تكون كل حاجة ليا.. ومحدش يقدر يأذيك ولا يأذيني أبداً طول ما احنا مع بعض.
وكبر رأفت، وبقى شاطر ومؤدب وذكي، وكان دايماً جنب جده، ودايماً يتعلم منه، ودايماً يسمع منه قصص الرجولة والكرامة والحق والعدالة.. وكان أبويا دايماً يقول له
يا حبيبي.. الدنيا دي مليانة ناس وحشين، ومليانة ناس طماعين، ومليانة ناس قاسيين.. ومفيش أحسن من إنك تكون طيب، بس قوي.. تكون حنون، بس صلب.. تكون كريم، بس عارف مين يستاهل ومين لأ.. وتعرف إن الحق مهما طال، بيجي يوم وينتصر، وإن الظلم مهما كبر، بيجي يوم وينتهي.. وإن أهم حاجة في الدنيا، إنك تحافظ على كرامتك، وعلى أهلك، وعلى نفسك، ومتسمحش لحد أبداً يذلّك أو يهينك أو يأذيك، مهما كان غنياً أو قوياً أو كبيراً.
وعشت حياتي كلها سعيدة، هادية، مطمنة، محاطة بحب أهلي وحب ابني وحب كل الناس الطيبين اللي عرفتهم.. ونسيت كل اللي حصل، ونسيت كل ۏجع، ونسيت كل خوف، ونسيت كل ذكرى وحشة، ومبقتش أفتكرها غير لما عايزة أتأكد إنها انتهت وإنها ورايا وإنها مش هترجع أبداً.
وكانت دايماً قصتي تتحكى في كل مكان، قصة الست اللي اختارت تكون غلبانة عشان تختبر إنسان، وطلع أقل من القليل، وطلع مچرم، وطلع وحش، وطلع طامع.. وقصة الأب اللي خبى كل حاجة، وانتظر اللحظة المناسبة، وجاء في الوقت المناسب، وكشف كل حقيقة، وانتقم لبنته، واخدل كل ظالم.. وكانت عبرة لكل بنت، ودرس لكل أب، وعظة لكل إنسان.
وكانت دايماً أقول لنفسي وللناس
متخافوش من الحق أبداً.. ومتخافوش تقولوا الحقيقة.. ومتسمحوش لحد يذلكم أو يهينكم أو يأذيكم مهما كان السبب.. واعرفوا إن ربنا معاكم، وإن ربنا بيسمعكم، وإن ربنا بيجيبلكم الڤرج في الوقت اللي انتوا مش متوقعوه.. وإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، وإن الكرامة أغلى من أي فلوس، وأغلى من أي جاه، وأغلى من أي حاجة في الدنيا.. وإن اللي بيحافظ على كرامته، ربنا بيحفظه، وبيكرمه، وبيعزه، وبيخليه فوق كل راس.
وهكذا كانت النهاية.. نهاية بدأت بۏجع وضړب وإهانة ومؤامرات وسر مدفون، وانتهت بفرح وسعادة وكرامة وعزة واڼتقام.. وأثبتت للدنيا كلها إن ربنا بيأخذ الحق ولو بعد حين، وإن الظالم مهما علا شأنه وكبر نفوذه وغنى ماله، ليه يوم وبيجي عليه الدور وينهار وينتهي،
وإن المظلوم مهما كان ضعيفاً ومهما كان وحيداً، ربنا بيجعل له من القوة والنصرة ما يهدم به
كل جبروت وكل ظلم وكل شړ.

تم نسخ الرابط