بقلم شروق خالد

لمحة نيوز


دي
الخطوات كانت بتجري.
جري سريع كأن حاجة بتقرب قبل ما حد يلحق يقفل أي حاجة.
أحمد شد مريم
مفيش وقت! لازم نخرج!
لكن الطفل قال بصوت أعلى لأول مرة
لو خرجتوا دلوقتي هتاخدوه معاكم.
مريم جمدت
ناخد مين؟
الطفل لف لها عينه
يوسف الحقيقي.
الصمت وقع تاني.
الدكتور همس
يعني إيه الحقيقي؟ هو مين اللي قدامنا؟
الطفل رد ببساطة مرعبة
أنا اللي اتولدت من البقايا لما الأول مات وهو لسه بيطلع للدنيا.
وفجأة
حصلت حاجة غير متوقعة.
الممرضة اللي كانت صحيت قبل كده بدأت تصرخ
هو رجع هنا! هو رجع في المستشفى كلها!
وبدأت تشير للحيطان
مش في الأوضة ده في كل حتة!
الحيطان بدأت تتشقق بشكل خفيف جدًا.
مش تكسير واضح لكن كأنها بتتنفس.
أحمد فقد أعصابه
إحنا لازم نخرج دلوقتي!
ركض ناحية الباب
لكن أول ما إيده لمسته
إيده اتجمدت مكانها.
كأن الباب بقي تقيل بشكل مستحيل.
الطفل قال بهدوء
فات الأوان على الخروج.
وفجأة
كل التشققات في الحيطان اتجمعت في نقطة واحدة.
وفي نص الأوضة
ظهر باب جديد.
باب مش خشب ولا حديد
لكن كأنه مرسوم من الظلام نفسه.
والطفل بص له وقال
ده الباب اللي بيفتح دايمًا لما حد يتقرر يعيش أو يمشي.
وسكت لحظة
وبص لمريم مباشرة
وإنتِ دلوقتي لازم تختاري الشاشات اللي رجعت تشتغل فجأة كانت بتعرض رقم واحد ثابت نبض واحد كأنه المستشفى كلها بقت كائن واحد بيتنفس.
الدكتور بص حوالينه بصدمة
ده مستحيل الأجهزة مش بتقيس كده!
لكن النبض على الشاشة بدأ يتباطأ وبعدين يزيد كأنه بيفكر.
ولاء همست وهي بترجع لورا
هو المستشفى نفسها بقت بتتحرك
أحمد مسك مريم أكتر
إحنا لازم نخرج من هنا فورًا!
لكن أول ما قال الجملة دي
الطفل قال بهدوء شديد
مش هتقدروا.
الهدوء اللي في صوته كان أخطر من أي صرخة.
مريم بصت له
ليه يا يوسف إحنا عايزين نمشي
الطفل لف راسه لها ببطء
لأن اللي بره زي اللي هنا.
سكون.
وبعدين
صوت الباب الخارجي للمستشفى اتفتح لوحده في الممر.
خطوات جديدة بدأت تدخل.
بس دي المرة مش خطوة واحدة لأ
أصوات كتير.
زي زحمة ناس داخلة في وقت واحد.
الدكتور قرب من الباب بحذر وفتح جزء صغير من الستارة اللي على الشباك.
وبص.
ورجع بسرعة كأنه شاف حاجة كسرت عقله.
مفيش حد طبيعي في الممر مش بني آدمين
أحمد صرخ
يعني إيه مش بني آدمين؟!
الدكتور بص له، ووشه شاحب
في أشكال واقفة وبتبص على نفس الأوضة دي
ولاء بصت للطفل
هو دول اللي بيقصدهم؟
الطفل هز رأسه ببطء
دول اللي اتفكروا إنهم خلصوا
وفجأة
الطفل مد إيده ناحية صدره.
والضوء اللي جواه بدأ يزيد.
وبدأ يطلع منه صوت زي دقات قلب كبيرة أبطأ أعمق
دُم دُم دُم
وفي كل دقة
الهيئة اللي كانت في الزاوية كانت بتضعف أكتر.
لكن في نفس الوقت
أحمد حس بحاجة غريبة.
الممرضة اللي كانت نايمة بعيد بدأت تتحرك.
مش بتقوم
لكن بتقعد لوحدها من غير حد يقرب منها.
ولاء شهقت
دي دي ماتت!
لكن الممرضة فتحت عينها.
وبصت ناحية الطفل.
وبصوت واحد مش صوتها لوحدها قالت
رجعنا نصحي تاني
الطفل رد بهدوء
عشان الباب اتفتح
وفجأة
كل الأجهزة في الأوضة دخلت في إنذار واحد مرعب.
وصوت واحد بس اتسمع في كل المستشفى
مش صوت إنسان
لكن صوت الطفل نفسه جاي من كل السماعات
لو الباب اتقفل هيفضلوا جوا للأبد
وسكت لحظة
وبعدين كمل
ولو اتساب مفتوح هيدخلوا أكتر.
الاختيار كان واضح
لكن مستحيل.
وفي اللحظة دي
النور انقطع تاني.
بس المرة دي
ما رجعش مريم كانت بتترعش، وإيدها لسه على صدرها كأنها بتحاول تمسك نبضها هي.
أختار إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة ابني فين؟!
الطفل ما ردش فورًا.
بس الضوء اللي جواه خف لحظة كأنه بيتألم.
الدكتور قرب خطوة وهو بيهمس
مفيش تفسير طبي مفيش حاجة من اللي بيحصل دي منطقية
الطفل لف له بسرعة
عشان كده مش طبي.
الصمت رجع ثواني تقيلة.
وبعدين الباب اللي ظهر من الظلام بدأ يتنفس هو كمان يفتح شوية ويسكر شوية كأنه عايش.
ومن جوه الباب
كان في صوت بكاء طفل حقيقي.
بكاء يوسف.
مريم اتجمدت.
ده ده ابني
أحمد مسكها
ما تروحيش يا مريم! إحنا مش عارفين ده إيه!
لكن مريم كانت مش سامعة.
دموعها نزلت وهي بتقول
أنا سامعة ابني أنا عارفاه
الطفل على السرير بص ناحية الباب وقال بهدوء غريب
هو هناك بس مش لوحده.
الهيئة اللي كانت في الزاوية رجعت تظهر تاني أقوى من الأول.
لكن المرة دي كانت واقفة ورا الباب.
كأنها بتحميه أو بتمنع حد يقرب.
الدكتور همس
في حاجة بتحصل هناك جوه الباب ده
ولاء فجأة صرخت
الباب بيكبر!
فعلاً الباب بدأ يتمدد في الأوضة كلها، يبلع المساحة حوالين السرير.
الجدران اختفت تدريجيًا، وبقت الأوضة كأنها معلقة في فراغ أسود.
أحمد شد مريم ورا
إحنا بنضيع جوه ده!
لكن الطفل قال بصوت منخفض جدًا
مش هتضيعوا إلا لو اخترتوا تمشوا من غير ما تفهموا.
مريم بصت له لأول مرة بوضوح
عايز إيه مني؟
الطفل سكت لحظة طويلة
وبعدين قال
عايزك تفهمي إن مش كل ولادة معناها بداية واحدة.
الهيئة اللي ورا الباب بدأت تتحرك.
وبخطوة واحدة
عدت من خلاله.
ودخلت الأوضة.
وفي نفس اللحظة
صوت بكاء يوسف بقى أعلى أقرب لحد ما بقى جوه دماغهم هم مش بس في المكان.
الطفل على السرير بص للهيئة وقال
خلاص وصلت.
والنور اللي جواه
انطفى تمامًا.
وساعتها بس
مريم فهمت إن الاختيار الحقيقي مش بين الخروج أو الدخول
لكن بين إنها تمسك الحقيقة أو تفقد ابنها للأبد الهواء في الفراغ الأسود اللي حوالينهم اتغير فجأة بقى تقيل كأنه بيشدهم لتحت.
الهيئة اللي دخلت الأوضة وقفت قدام السرير.
وبصت على الطفل.
مش بعينين لكن بإحساس.
كأنها بتتأكد.
وبعدين
صوت بكاء يوسف الحقيقي اللي كان في دماغهم سكت فجأة.
مريم اتجمدت
ليه سكت؟ ابني كان بيعيط!
الطفل على السرير فتح عينه تاني بس المرة دي كانت مختلفة.
هادية بشكل مخيف.
وقال
لأنه شافني.
أحمد صرخ
شافك إزاي؟ إنت مين أصلاً؟!
الطفل لف له ببطء
أنا الجزء اللي ما كملش لما الروح اتقسمت أول ما بدأت تطلع.
الدكتور وقع على الأرض وهو ماسك دماغه
ده مش طب ده ده كابوس واعي!
ولاء كانت واقفة متخشبة
إحنا فين دلوقتي؟
الهيئة اللي قدامهم مدت إيدها ناحية الطفل.
ولأول مرة صوتها طلع.
بس مش صوت واحد.
أصوات كتير متداخلة
رجّعوا اللي اتاخد
الطفل رد بهدوء
مش هينفع هو اتقسم.
مريم شهقت
ابني اتقسم؟!
الطفل بص لها
جزء هنا وجزء هناك وإنتِ لازم تختاري أيهم يعيش فيكِ.
سكون مرعب.
أحمد مسك مريم بقوة
ما تسمعيش الكلام ده! ده بيخدعك!
لكن مريم كانت بتبص للطفل بعينين مليانة وجع
لو أنا أم لازم أعرف ابني فين بجد.
الهيئة تحركت فجأة.
والفراغ الأسود حوالينهم بدأ يدور زي دوامة.
والطفل قال بسرعة لأول مرة
لو اخترتيه غلط هتفضلوا هنا كلهم.
مريم بلعت ريقها
طب أختار إزاي؟
الطفل رفع إيده ناحية صدره.
والضوء الضعيف اللي كان جوه رجع يلمع ثانية واحدة.
وقال
اسمعي قلبك مش اللي بتشوفيه.
وفجأة
ظهر قدام مريم صورتين.
يوسف.
واحد بيبكي وبيصرخ في مكان مظلم.
وواحد نايم على السرير لكن عينه مفتوحة وهادية.
الاتنين بينادوا
ماما
مريم وقفت في النص، ودموعها نازلة
أنا مش عارفة ده الحقيقي أنا مش قادرة أفرق!
الهيئة بدأت تقرب أكتر.
والفراغ بدأ يبتلع الأرض تحت رجليهم.
والطفل قال بصوت منخفض جدًا
القرار دلوقتي.
وسكت
وبص لها.
استنى مريم كانت واقفة في النص، ودموعها بتنزل من غير ما تحس، وكل حاجة حواليها بتنهار كأنها بتتسحب منها حتّة حتّة.
صوت يوسف اتكرر تاني في دماغها مرة في الصورة اللي بتصرخ، ومرة في الصورة الهادية.
الاتنين بينادوا نفس النداء
ماما
مريم
 

تم نسخ الرابط