عندما يصبح الصمت اقوى من الكلام

لمحة نيوز


يا أستاذ رأفت. تعرف، أنا طلبت كده مش عشان أريحهم، لا.. عشان أثبت لنفسي أولًا، ولهم تانيًا، إن الفرق بينا مش في الفلوس ولا في المكانة، الفرق في الأخلاق والتربية اللي بتخلي الواحد يعرف قيمة الناس.
تنهدت بعمق وأضافت هم شايفين إنهم أهلي، وإن المفروض أكون تحت أمرهم، بس نسوا إن اللي بيحب بيجبر، واللي بيكره بيكسر. أنا عمري ما قصرت مع حد، وعمري ما رفعت صوتي على حد، بس للأسف كتر الخير بيقلب عيب.
قال المدير بحكمة الناس يا فندم غالباً بتحكم من غير ما تعرف، وشكلهم بيغرهم، والظاهر بيخدعهم. لكن الحق ما بيموتش، ووقته بينصف أصحابه. حضرتك ست كبيرة ومحترمة، والكل هنا عارف قيمتك ومقدارك.
بقيت مريم تفكر، هل هي تستمر في هذه العلاقة؟ هل تسامح وتنسى؟ أم أن ما حدث اليوم كان نقطة النهاية التي رسمها القدر لها لتتحرر من قيود كانت تثقل روحها؟
الليل أظلم المكان، والأضواء الساطعة في الفندق بدأت تلمع كالنجوم المتناثرة على الأرض. حان وقت العشاء الكبير الذي أقيم في صالة خاصة تجميع العائلة، لكن الجو كان بارداً رغم الدفء المكاني.
دخلت مريم عليهم في وقت متأخر قليلاً. كانت ترتدي فستاناً ساحراً بلون أزرق داكن يعكس لون البحر، تزينه لمسات بسيطة من الفضة، وشعرها منسدل على كتفيها بأناقة طبيعية. لم تضع الكثير من الزينة، لكن جمالها الداخلي والخارجي كانا يضيئان المكان أكثر من أي مصباح.
وقف الجميع تلقائياً احتراماً لمواجهتها، أو ربما خوفاً وحرجاً مما فعلوا.
توجهت إلى رأس الطاولة، وجلست بهدوء، ثم أشارت لهم بالجلوس.
قالت الحاجة كريمة بصوت خاڤت ومتقطع، تحاول أن تصلح ما أفسدته مريم يا بنتي.. والله ما كنت أقصد حاجة وحشة، كل اللي حصل كان سوء تفاهم، أنا والله بحبك زي بنتي بالظبط...
قاطعتها مريم بنظرة هادئة لكنها حاسمة، وقالت بصوت واضح ست كريمة، اللي فات ماټ، ومش هعيد كلام. أنا عمري ما قلت لحد كلمة توجع، وعمري ما أذيت حد، بس قلبي مش حجر. اللي يحس بيك بيحس، واللي مش حاسس.. كلام الدنيا كله مش هيعمل حاجة.
ثم التفتت إلى شريف، ونظرت في عينيه نظرة طويلة، نظرة وداع لا نظرة لقاء، وقالت
شريف، خمس سنين حاولت فيها أكون أحسن زوجة، وأحسن كنة، حاولت أملأ البيت سعادة وسکينة. وسكت كتير، وتحملت كتير، عشان خاطرك انت بالذات. بس لما وقفت في الريسبشن ولقيتك سايبني أتأذى لوحدي، ولقيتك مش قادر تقول كلمة الحق.. وقتها عرفت إن الحب مش كفاية، والاحترام اللي مفقود مش بيجيبه غير اللي عايزه.
أخذت نفساً عميقاً وأكملت والدموع تسقط حرة هذه المرة
أنا مش زعلانة من اللي حصل النهاردة، أنا زعلانة من نفسي اللي استنيت كتير، وزعلانة منك اللي خليتني أشك في نفسي كتير. الفندق ده ملكي، والفلوس دي فلوسي، والمكانة دي مكانتي.. بس اللي كان ناقصني هو الأمان اللي المفروض ألاقيه معاك، ومش لقيته.
بكرة الصبح، المحامي بتاعي هيجيلك الأوراق اللازمة. كفاية خمس سنين ضاعوا في الهوا، وكفاية ألم. كل واحد فينا هيمشي في طريقه، انت مع أهلك، وأنا مع نفسي وكرامتي اللي غالية عليا أوي.
صمت المكان تماماً، لم يعد يسمع فيه إلا صوت أنفاسهم المضطربة.
شريف شحب لونه تماماً، ووقع الكلام عليه كالصاعقة. حاول أن يتكلم، أن يعتذر، أن يقول أي شيء، لكن الكلمات خانته، ودموع الرجال التي لا تنزل إلا في أقسى المواقف، انهمرت من عينيه.
أما الحاجة كريمة، فقد أدركت حينها أنها
لم تخسر كنة فقط، بل خسړت إنسانة كانت كنزاً ثميناً، وأن غرورها وكلامها الچارح هو من دمر عائلة ابنها بيدها. ندمت أشد الندم، وعرفت أن الدنيا دوارة، وأن من يحفر حفرة لغيره يقع فيها حتماً.
في تلك الليلة، انتهت قصة عائلة كانت تظن أن المال والمظاهر هي كل شيء، ليتعلموا أن الكرامة الإنسانية، والمعاملة الطيبة، هي التي ترفع المقام وتدوم، بينما كل شيء آخر زائل لا قيمة له.
ومريم.. خرجت من القصة أقوى مما دخلت، تعلمت درساً لن تنساه أن تحترم نفسك أولاً، حتى يحترمك الآخرون، وأن لا تسمح لأحد مهما كان قريباً أن ينتقص من قدرك أو يمس كرامتك، لأنك الوحيد المسؤول عن صونها.
وأصبح فندق نجمة البحر شاهداً على قصة انتصار، قصة امرأة أثبتت للجميع أن صمت الحكماء ليس ضعفاً، وإنما هو طوفان يأتي في الوقت المناسب ليقتلع كل شوائب الشړ والغرور من طريقه.
وعاشت مريم حياتها بعد ذلك، ناجحة، عزيزة النفس، كريمة الأخلاق، تملك الدنيا وما فيها، ولم تعد تسمح لأحد أن يجعلها تشعر يوماً بأنها أقل من أو غير مناسبة، لأنها كانت تعرف جيداً من تكون، وأين مكانها الحقيقي بين النجوم.
الفصل الثالث طريق الكرامة لا يعود للخلف
مرت الأيام والأسابيع، والأحداث التي وقعت في فندق نجمة البحر ظلت حديث العائلة والأقارب لفترة طويلة. كل من عرف بالقصة اختلفت آراؤه، فمنهم من أيد موقف مريم ورأى أنها أصابت وأنه لا شيء يعلو على الكرامة، ومنهم من حاول أن يلومها ويقول هي أم زوجها، مفيش صبر زي الصبر، لكن مريم كانت واثقة جداً من خطواتها، هادئة جداً في قرارها.
لم تكن مريم امرأة عادية، كانت تملك من العقل ما يكفي ليدير إمبراطوريات اقتصادية، ومن القلب ما يكفي ليحب العالم أجمع، لكنها كانت تدرك جيداً أن العطاء بلا حدود يولد الأنانية، وأن الصبر بلا ضوابط يولد الاستهانة.
بعد انتهاء إجازة نهاية الأسبوع، عادت العائلة إلى القاهرة، لكن الجو في بيت الحاجة كريمة لم يعد كما كان. الفرحة غابت عن المكان، والندم كان سيد الموقف. الحاجة كريمة حاولت أكثر من مرة أن ترسل ل مريم رسائل عبر الأقارب، تحاول فيها التقرب، تعتذر، توضح أن ما حدث كان مزحة أو سوء فهم، لكن مريم كانت ترد دائماً بكل أدب وحزم المعذرة يا ست كريمة، اللي انكسر مش بيتصلح، والكرامة مش بتتباع ولا بتشترى.
شريف حاول مراراً وتكراراً أن يراها، أن يتكلم معها، أن يعدها بالتغيير، أن يقسم بأغلى الأيمان أنه لن يسمح لأحد بأن ېؤذيها مرة أخرى، وأنه سيقف في وجه أمه لو تطلب الأمر. لكن مريم كانت قد أغلقت هذا الباب نهائياً.
قالت له في آخر لقاء جمعهم قبل إتمام الإجراءات
شريف، أنا مش زعلانة منك، ولا حاقدة عليك. بس الثقة لما بتروح بتروح معاها الحاجات الحلوة كلها. خمس سنين وأنا بقول لك أنا تعبانة، أنا مچروحة، كلام أمي بيوجعني، وانت كنت بتقول لي عادي، متسمعيش، كلامها بيخلص. النهاردة الكلام خلص، بس قلبي هو اللي اتكسر ومش عايز يروح مكان تاني.
انت راجل طيب، بس ضعيف. وأنا محتاجة راجل يقف جنبي مش ضدي، حتى لو الضد كان أمه. الحب مش بس كلام حلو، الحب حماية، واحترام، ومشوفتكش وفرت لي الحاجتين دول في أصعب موقف.
خلاص كده وصلنا لآخر الطريق. خلي الذكرى الحلوة بس هي اللي باقية، وكل واحد فينا يكمل حياته في سلام.
وهكذا، تم الانفصال بهدوء، بلا مشاكل، بلا فضائح، فقط
كرامة تحترم، وقرار يحترم.
بعد مرور عام كامل على تلك
 

تم نسخ الرابط