يوم فرحي
حماتي وصلت وهي بتنهج، وفستانها السواريه بيجر وراها، وبدل ما تيجي تطيب خاطري أو تلم بنتها، لقيتها بتبصلي بعين قوية وبتقول بنبرة كلها لوم: "جرى إيه يا أماني؟ مالك داخلة حامية كدة ليه وعاملة شوشرة؟ دي أخت العريس الصغير وكله يومين في السنة بتفرح فيهم، جرى إيه لو فرحنا معاها؟ كبري مخك وبلاش تكتفي النكد علينا من أولها!"
نكد؟ أنا اللي بنكد؟! في اللحظة دي حسيت إن الغضب سد وداني، وبقيت شايفة الكل باللون الأحمر. بصيت لحماتي وقولتلها بضحكة سخرية عالية لفتت نظر باقي القاعة: "نكد؟ يعني بنتك تسرق فستاني وتورتتي وتعمل ليلتي عيد ميلادها وتقوليلي نكد؟ الأصول يا طنط بتقول إن بنتك جاية تخرب فرح ابنك، وأنتِ بدل ما تبروزي الأدب، جاية تشجعيا!"
التفت لطارق اللي كان واقف وشه جايب ألوان، باصص للأرض زي العيل الغلطان ومش قادر ينطق بكلمة، خايف من أمه وزعلان على أخته، ومستخسر فيا ليلتي. قولتله وأنا بشاور على ميرنا وأمها: "شايف يا طارق؟ شايف الأصول؟ أنا لحد هنا وجبت آخري."
ميرنا لما لقت أمها ظهرها، رجعت تتدلع وتتكلم بمياعة: "يا مامي سيبك منها، دي واحدة غيورة ومعقدة، أنا قولت لطارق وهيوافق، صح يا تيتو؟"
كلمة "تيتو" دي كانت الرصاصة الأخيرة اللي نسفت أي خط رجعة. بصيت لطارق وقولتله ببرود وثبات هز القاعة كلها: "طارق.. قدامك دقيقة واحدة بالثانية. يا إما أختك دي تاخد أمها وفستانها الكومبارس ده وتطلع بره القاعة حالا، يا إما المأذون اللي بره ده يدخل يطلقنا قبل ما نكتب الكتاب، وأنا هأخد فستاني وتورتتي وأروح مع أهلي، وساعتها خلي 'تيتو' يكمل الفرح مع أخته العروسة الجديدة!"
الصمت حل على القاعة لدرجة إن لو إبرة وقعت كانت هترن. حماتي بقها اتفتح من الصدمة، وميرنا الابتسامة اختفت من على وشها وبدأت تبرق برعب، وطارق بصلي وهو مش مصدق إن "أماني" الهادية العاقلة ممكن تبيع كل حاجة في لحظة عشان كرامتها.
طارق ملامحه اتجمدت، والدم هرب من وشه تماماً. لقى نفسه فجأة قدام اختيار ملوش ثالث: يا إما يبيع الليلة ويخسرني وخسارته هتبقى بجلاجل قدام المعازيم وأهلي اللي بدأوا يلاحظوا الهرجلة ويتحركوا ناحيتنا، يا إما يقف راجل وياخد موقف يحجم بيه أخته وأمه.
حماتي زعقت بصوت واطي ومكتوم وهي بتهز إيد طارق: "أنت سامع البت بتقول إيه يا طارق؟ دي بتهددك في ليلة فرحك! أوعى تتهز لها، خليها تمشي وتوريني هتعمل إيه!"
ميرنا هنا بدأت تتوتر بجد، الضحكة اختفت، وبقت تبص لصحابها اللي بدأوا ينسحبوا لورا خطوة بخطوة عشان يخرجوا بره المشهد.
طارق بص لأمه، وبعدين بص لميرنا، وفجأة النبرة المهزوزة اللي كان بيتكلم بيها اختفت. لقى كرامته وكرامة فرحه بتضيع. أخد نفس طويل وبص لأخته وقال بزعيق هز أرجاء المكان: "ميرنا! لمي صحابك واطلعي بره القاعة حالا.. مش عايز أشوف وشك هنا بالفستان ده!"
ميرنا برقت وعينها اتملت دموع: "أنت بتطردني يا طارق؟ عشان دي؟"
"دي مراتي!" طارق رد عليها بصوت أعلى صدمها وصدم أمه. "دي العروسة، وأنتِ بوظتي فرحتنا وبجاحتك زادت عن حدها. قسماً بالله يا ميرنا لو ما اختفيتي من قدامي حالا بمسخرتك دي، لا هكون أخوكي ولا أعرفك، ويلا بره!"
حماتي لطمت على صدرها وقالت بصوت مجروح: "بتطرد أختك في يوم عيد ميلادها عشان خاطرها يا طارق؟ ماشي يا ابن بطني.. احنا ماشيين ومشيالكم القاعة واسعة!"
أخدت بنتها من إيدها، وميرنا كانت بتجر فستانها الأبيض المنفوش وراها وهي بتعيط من الكسوف بعد ما اتقلبت السحر على الساحر، وبقوا المعازيم بيبصوا عليهم بنظرات تشفي وهمس مالي الصالة.
طارق لف ليا، كان نفسه مكسور ووشه وعينه مليانين أسف. قرب مني ومسك إيدي الاتنين وقدام كل الناس وطى راسي وباسها وقال بنبرة مسموعة: "حقك عليا يا أماني.. ليلتك مش هتبوظ، وأنا أسف إن طوعتهم من الأول.. أنتِ العروسة الوحيدة لقلبي وعيني."
أهلي وصلوا وسندوني، والموسيقى رجعت تشتعل تاني بس المرة دي بأغنية دخلتنا اللي اخترتها.. لفيت للمصور وقولتله بابتسامة نصر هزت القاعة: "اضبط كادرك بقا يا كابتن.. واشطب على كل اللي فات، العروسة الحقيقية دخلت."
المزيكا علت، وأنوار القاعة اللي كانت مطفية رجعت تنور وتتحرك فوق راسي وفوق فستاني، وكأن القاعة نفسها كانت مستنية اللحظة اللي يرجع فيها الحق لأصحابه. طارق مسك إيدي وجرّني براحة ناحية الكوشة، ونظرة عينه كانت كلها محاولة لاسترضائي، وكأنه بيحاول يمسح بكل طريقة الدقائق السخيفة اللي فاتت.
المعازيم سقفوا بحرارة، وصحابي وأهلي اتلموا حوالينا وبدأوا يرقصوا ويهيصوا عشان يخرجوني من المود، والزفة بدأت تاخد مجراها الطبيعي. طارق مسبش إيدي ثانية واحدة، كان كل شوية يميل عليا يهمس في ودني: "والله العظيم ما كنت أعرف إنها هتوصل للبجاحة دي.. فداكي أي حاجة يا أماني، المهم تكوني مبسوطة."
أنا كنت ببتسم وبرقص، بس من جوايا كان في جرح صغير مش قادر يلتئم بسهولة؛ فكرة إن ليلة عمري كانت هتروح هدر لولا إني وقفت وخدت حقي بجرأة.
لفيت عيني على التورتة اللي كانت مركونة على جنب، الأدوار التلاتة اللي اتعلم عليهم بسكينة ميرنا. شاورت للمسؤول عن البوفيه وقولتله ببرود وثقة: "التورتة دي تتدخل جوه، مش عايزة أشوفها في الصالة.. وهاتوا تورتة تانية من عندكم للتقطيع."
الراجل نفذ كلامي فوراُ في ثواني، ودخلت التورتة المتبهدلة، ونزلوا مكانها تورتة تانية شيك تليق باللحظة. وقفت أنا وطارق، ومسكنا السكينة سوا، وبصيت في عينه وقولتله بصوت واطي: "احنا بنبدأ صفحة جديدة يا طارق.. من اللحظة دي، مفيش مخلوق هيشاركني فيك، ولا في حاجتي."
طارق ابتسم وضغط على إيدي وقطعنا التورتة وسط تشجيع وصريخ الفرحة من كل الموجودين. الليلة كملت، ورقصنا لحد الفجر، ورغم كل اللي حصل، طلعت من القاعة وأنا حاسة إني مش بس كسبت جوزي.. أنا كسبت احترامي وكرامتي، وعرفتهم كلهم إن أماني مش البنت اللي يتسرق منها فرحتها وتكتفي بالسكوت!