القصة كاملة بقلم محمد عبده
نظرت إليه بهدوء تام وقلت:
"مش إشاعات يا كريم… دي مستندات."
رفعت الملف الأزرق الذي كنت أحمله، نفس الملف الذي لم يفارقني منذ خروجي من المحكمة.
"سبع سنين وأنا بشوف كل حاجة… التحويلات، الشركات الوهمية، العقود اللي كانت بتتكتب باسمي من غير ما أفهم تفاصيلها… كنت فاكرة إني بثق في جوزي."
اتسعت عينا ليلى بصدمة:
"إنتِ بتقولي إيه؟!"
ابتسمت ابتسامة باردة:
"بقول الحقيقة اللي كنتوا فاكرين إنها هتفضل مدفونة."
أشرت نحو الفيلا:
"على فكرة… البيت ده مش ملككم زي ما كنتوا فاكرين."
اقترب الضابط وأكمل:
"تم التحفّظ على العقار لحين انتهاء التحقيقات."
شهقت ليلى وكأن الأرض سُحبت من تحتها:
"إزاي؟! ده بيتنا!"
نظرت لها بثبات:
"البيت اتسجل باسمي من خمس سنين… بعقد قانوني سليم… وانتِ بنفسك كنتي شاهدة عليه، فاكرة؟ بس طبعًا ما اهتمّيتيش تقرّي."
ساد صمت ثقيل من جديد… لكن هذه المرة، لم يكن صمت انتصارهم… بل بداية سقوطهم.
حاول كريم التقدّم نحوي، لكن الضابط أوقفه:
"من فضلك… هترافقنا بهدوء."
صرخ وهو ينظر لي بغضب وذهول:
"إنتِ عملتي كده؟! بلغتي عني؟!"
أجبته بهدوء قاتل:
"أنا ما بلّغتش… أنا بس بطّلت أغطّي."
بدأت القيود تُغلق حول معصميه، وصوتها المعدني قطع آخر خيط من هيبته أمام الجميع.
أما ليلى… فكانت تقف عاجزة، تنظر حولها لتجد أن الضيوف الذين كانوا يصفقون منذ ساعات… ينسحبون واحدًا تلو الآخر.
الكؤوس التي رُفعت للاحتفال… تُركت على الطاولات.
والموسيقى التي كانت مُعدّة للفرح… لم تعد تُسمع.
اقتربت مني ليلى بصوت مكسور لأول مرة:
"إنتِ دمرتي كل حاجة… ليه؟"
نظرت إليها طويلًا، ثم قلت بهدوء:
"أنا ما دمرتش حاجة… أنا بس كشفتها."
ثم التفتّ، وسرت مبتعدة دون أن أنظر خلفي.
وخلفي… كان كل شيء ينهار.
—
(يتبقى الجزء الأخير… حيث تأتي الضربة الأقوى)
لم ألتفت خلفي… لكن الصوت كان كافيًا لأعرف أن كل شيء انتهى.
صوت باب سيارة الشرطة وهو يُغلق بقوة،
وصوت ليلى وهي تصرخ لأول مرة بلا كبرياء:
"كريم!!!"
توقفت لثوانٍ فقط… ليس بدافع الشفقة، بل لأتأكد أن العدالة أخذت طريقها.
استدرت ببطء.
رأيت كريم جالسًا في المقعد الخلفي، القيود في يديه، ونظرته التي كانت مليئة بالغضب… تحولت الآن إلى شيء آخر.
خوف.
خوف حقيقي لم أعرفه فيه يومًا.
أما ليلى… فكانت تقف في منتصف الشارع، بين صناديقها المبعثرة، وشعرها الذي كان دائمًا مرتبًا… أصبح فوضويًا، كصورتها التي انهارت أمام الجميع.
اقتربتُ منها خطوة واحدة فقط.
نظرت لي بعينين دامعتين، وقالت بصوت مكسور:
"إنتِ كسبتي… مبسوطة؟"
ابتسمت… لكن لم تكن ابتسامة شماتة، بل ابتسامة شخص استعاد نفسه أخيرًا.
قلت بهدوء:
"أنا ما كنتش بلعب علشان أكسب… أنا كنت بحاول أنجو."
صمتت… وكأن الكلمات سقطت عليها أثقل من أي حكم.
أشرت حولها:
"كل ده… مش حصل في يوم. ده نتيجة سنين من الغرور، والظلم، والاستهانة بالناس."
ثم اقتربت أكثر، وخفضت صوتي:
"فاكرة يوم ما قولتي: (نخب خروج القمامة؟)…"
ارتجفت شفتاها.
أكملت بهدوء قاسٍ:
"القمامة عمرها ما كانت أنا."
لم تجد ما ترد به.
استدرتُ مرة أخرى، وسرت بعيدًا… هذه المرة بلا توقف.
خلفي، كانت الأضواء تنطفئ واحدة تلو الأخرى،
والضيوف يرحلون،
والهمسات تتحول إلى فضيحة ستتردد طويلًا في كل مكان.
أما أنا…
فلم أخرج خاسرة كما أرادوا.
خرجتُ حرة…
باسم نظيف،
وحقيقة كاملة،
وحياة… لم يعد لأحد فيها سلطة عليّ.
وفي تلك الليلة…
لم يكن الاحتفال بنهايتي.
بل… كان بداية نهايتهم.
— النهاية —
تمت
حكايات محمد عبده