مرات اخويا ج2

لمحة نيوز


نهى اتعصبت وضغطت على سنانها وقالت بنبرة صفرا كلها سم:
ـ ما شاء الله يا رؤوف، ربنا يهني سعيد بسعيدة.. بس يا أميرة يا حبيبتي، العين دايماً تفلق الحجر، بلاش المظاهر دي قدام الناس حتى لو كنا إحنا، داري على شمعتك تقيد.
ضحكت ضحكة عالية ورجعت ضهري لورا بثقة وقولت وأنا باصة في عينها مباشرة:
ـ ومين قالك إنها مظاهر يا نهى؟ ده العادي بتاعنا جوه وبره، وبعدين مهند مش محتاج شمعة، مهند قايدلي صوابعه العشرة شمع.. صح يا حبيبي؟ ولا إنت بتعمل كده قدام رؤوف بس؟
السؤال نزل على مهند زي المية الساقعة، اتهز وبصلي بارتباك واضح، بس لقى نفسه مجبر يكمل عشان شكله قدام رؤوف وقدام البنت اللي كان بيموت فيها، فقال بسرعة وهو بيضغط على إيدي:
ـ طبعاً يا أميرة، ده إنتي ست البنات والبيت كله بتاعك والي يأمر بيه قلبك يتنفذ فوراً.
نهى قامت وقفت فجأة وهي بتقول بنبرة مخنوقة وعينها مليانة دموع غل:
ـ أنا.. أنا قايمة أغسل إيدي.. الشقة حر أوي يا رؤوف.
مشيت بسرعة على الحمام، وفي اللحظة دي مهند عينه راحت وراها بلهفة وقلق مش قاد يداريهم، وبصلي بنظرة كلها شك وتساؤل، كأنه بيحاول يقرا دماغي وعاوز يعرف أنا بعمل كده عن قصد ولا دي قفشة حب بجد؟
ابتسمتله أوسع وقولتله بصوت واطي:
ـ مالك يا مهند؟ وشك اتخطف ليه؟
مهند اتهز من سؤالي، وبلع ريقه وهو بيحاول يداري ارتباكه، وقال بصوت متقطع:
ـ لأ.. لأ يا حبيبتي مفيش، هكون اتخطفت من إيه بس؟ أنا فرحان بيكي وبكلامك.
مرت السهرة وأنا ضاغطة على أعصابهم هما الاتنين؛ كل شوية أكلم مهند بنعومة وأطلب منه طلب، وهو يجاري وهو قرفان من نفسه ومستغربني، ونهى قاعدة جنب رؤوف هتنفجر من الغيظ لحد ما شدته وقالتله إنها تعبانة وعاوزه تمشي.
أول ما الباب اتقفل وراهم، البيت ساد فيه سكوت غريب.. سكوت يوجع الرقبة.
مهند لف ضهره وبصلي، ملامحه فجأة اتقسمت مية حتة؛ الضحكة المصطنعة اختفت، وحل مكانها وش باهت، عينه مش قادرة تيجي في عيني، وشكله شايل هم جبل فوق كتافه. باين عليه إن رسايل نهى وكلامي النهاردة فوقوه على المصيبة اللي هو عاملها، وحس بالذنب.. حس إنه داس على واحدة ملهاش ذنب في انتقامه وغله.
قعد على الكنبة وحط راسه بين إيديه وهو بيتنهد تنهيدة طويلة. أنا كنت واقفة بعيد، باصة عليه ببرود وشماتة بس مدارياهم ورا وش هادي تماماً. أنا قارياه وعارفة البير وغطاه، وعارفة بالظبط إيه اللي بيدور في عقله دلوقتي.. الكلب عاوز ينهي اللعبة، عاوز يطلقني بس من غير ما يظهر في الصورة إنه ندل، وخايف يجرحني وهو فاكرني دايبة في دباديبه وبموت فيه.
قربت منه ببطء، وقعدت على الكرسي اللي قصاده، وقولت بنبرة هادية وبراءة مصطنعة:
ـ مالك يا مهند؟ من ساعة ما رؤوف ومراته مشيوا وإنت قالب وشك ومش على بعضك.. في حاجة مضيقاك مني؟
رفع راسه وبصلي، وفي عينه نظرة كسر وندم حقيقي، صوته كان حزين وهو بيقول:
ـ أميرة.. أنا.. أنا عاوز أتكلم معاكي في موضوع مهم.. موضوع بيخصنا إحنا الاتنين.
فركت إيدي وعملت نفسي قلقانة وقولت:
ـ خير يا حبيبي؟ قلقتني.
بدأ يفرك إيديه في بعض وزفر ضيق، وقال وهو بيبص في الأرض:
ـ أميرة، إنتي بنت حلال وتستاهلي كل خير.. وإنتي عارفة إني من أول يوم عملتلك كل اللي تتمنيه، شقة وشبكة وفرح.. بس.. بس ساعات البني آدم بيحس إنه استعجل، أو إن في حاجة غلط في الحكاية.
كنت سامعاه وجوايا بضحك عليه وعلى عذابه، قولتله وأنا بمثل إن دموعي هتنزل:
ـ استعجلت؟ مش فاهمة يا مهند.. يعني إيه؟ إنت مش مبسوط معايا؟
اتنهد ووجعه زاد، والذنب كان بياكل في قلبه وهو شايفني "الضحية البريئة" اللي بتبكي بسببه، قال بسرعة وهو بيحاول يلطّف الكلام:
ـ لأ والله يا أميرة، العيب مش فيكي، إنتي ست البنات وأي حد يتمنى تراب رجليكي.. بس أنا حاسس إننا مش متفاهمين، حاسس إني مش قادر أديكي السعادة والاهتمام اللي تستاهليهم.. أنا مش عاوز أظلمك معايا يا أميرة، الانفصال ساعات بيبقى رحمة قبل ما ندخل في غريق ونكره بعض.
كان بيتكلم وعينه بتترجاني أوافق أو أثور عشان يخلص من تأنيب الضمير اللي هيموته، بس أنا قولت في سري: "تنفصل بالسهولة دي يا مهند؟ وتطلع إنت المحترم اللي خايف عليا؟ لأ.. ده أنا هخليك تلف حوالين نفسك وتتعذب لحد ما أفرقع القنبلة في وشك إنت وهي."
مسحت عيني بسرعة وقومت وقفت، وقولتله بنبرة مكسورة بس فيها تمسك بيه:
ـ انفصال يا مهند؟ بعد كل الحب والدلع اللي شوفته منك قدام أخويا النهاردة؟ لأ.. أنا مستحيل أفرط فيك، أنا هصبر معاك لحد ما الغمة دي تزول ونفهم بعض أكتر.. أنا بحبك يا مهند ومقدرش أعيش من غيرك.
أول ما نطقت كلمة "بحبك ومقدرش أعيش من غيرك"، شفت وش مهند اتقلب إزاي؛ ملامحه اتجمدت وعينه برّقت برعب، وحس إن حبل المشنقة لفت حوالين رقبته أكتر، وبقى مش عارف ينطق ولا يقول إيه بعد ما قفلت عليه كل أبواب الهروب!

 

 

 

تم نسخ الرابط