اخويا وقف يتكرم
أخويا وقف يتكرم وياخد وسام شجاعة بعد ما أبويا ركّبه آخر قارب نجاة في العبارة وسابني محپوس ورا باب حديد والڼار بتاكل في الموتور! وأمي قالت للصحفيين بكل قسۏة القبطان بينقذ الابن اللي يقدر يورث خط الملاحة بتاعه.. اتهموني إني أنا اللي ولعت في العبارة، بس لما حرز البضاعة الغرقانة طلع من المية، لقوا عليه ختم الجمارك اللي أبويا بلغ إنه اتسرق.. ونفس تاريخ اليوم اللي أخويا شحن فيه الصناديق الممنوعة مستخبي في الضلمة!
حفلة التكريم كانت ريحتها جاز، وحبال مبلولة، وقهوة باردة في كوبايات كرتون. فلاشات الكاميرات كانت عمالة ترزع تحت إضاءة صالة الميناء الصاخبة، وأخويا مصطفى واقف ببدلته البحرية البيضاء الشيك، وإيده ساندة على الوسام المتثبت على صدره. أبويا القبطان جلال كان واقف جمبه وحاطط كاب الشغل تحت باطه بكل فخر، وأمي عمالة تظبط ياقة قميص مصطفى وتمسح عليها كأن اليوم ده كله اتعمل مخصوص عشان يثبتوا حاجة للناس. أنا كنت واقف بعيد، ساند ضهري على الحيطة الأخيرة، وفي كف إيدي حړق لسه بيلم، وصوت رزع الباب الحديد المقفول لسه بيرن جوه دماغي وبيوجعني. محدش فيهم طلب مني أقف معاهم، ولا حد افتكر إني كنت هناك. طول عمري وأبويا بيقول إن خط العبارات ده ملك للي يفهم الموتور ويسمع صوت العطل قبل ما صفارة الإنذار ټضرب. وأنا وصغير، كان بيحط المفتاح الإنجليزي في إيدي ويقولي حس برعشة الماكينة وقولي البلي اللي جوه خشن ولا ناعم. مصطفى كان بيكره ريحة زيت المواتير وشحمها، كان بيحب يقف في كابينة القيادة فوق، يمسك الدريكسيون المطلي بالنيكل، ويفرح بنظرة الركاب ليه وهو لابس جاكت أبويا الواسع عليه. مع الأيام، الفهم والشقا في المركب مبقاش ليهم قيمة، القيمة بقت لمين شكله شبه القبطان ومناسب يورث مكانه!
بعد الظهر في اليوم المشؤوم ده، الدنيا بدأت عادية جداً؛ مية النيل كانت رمادي تحت سما مغيمة، والصاج بتاع المركب كان ساقع تحت جزمتي السيفتي، وعنبر المواتير كاتم كالعادة بريحة الحديد السخن والزيوت. الساعة ٢١٧ الظهر بالثانية، وقعت في دفتر الصيانة جمب قراية ضغط الوقود، وراجعت خراطيم التبريد، ولقيت حاجة غريبة؛ كشف حمولة البضاعة اتعدل عليه بعد ما اتقيد واتحركنا! الكشف مكتوب فيه كذا صندوق متقفلين ومكتوب جمبهم شحنة محظورة وبإذن خاص، ومفيش أي ورقة رسمية أو إمضاء بالموافقة على الشغل ده. أخدت الدفتر وطلعت فوق لأبويا، بس مابصش فيه أصلاً. مصطفى كان واقف جمبه على ترابيزة الخرائط، بيتكلم بسرعة ومرتبك، وعينه مش جاية في عيني نهائي. أبويا قالي بقسۏة أرمي الورق ده في الدوسيه يا سيف.. أنت بتوجع دماغك بورق ومشاكل تافهة وأنا سايق عبارة شايلة أرواح. قلتله ده مش ورق تافه يا قبطان، رقم الختم اللي على
الصناديق مش هو اللي مأيد في الدفاتر برة. مصطفى ضحك بسخرية وقال أنت دايماً لازم تطلع مصېبة في أي حاجة. كنت عاوزه أرزع الدفتر على الترابيزة وأخليه يقرا سطر سطر، بس طبقته وحطيته في جيبي وسألته لآخر مرة لو كان هو اللي وافق على البضاعة دي. وش أبويا اتقلب، مش كتير، بس الملامح نطق الخۏف. وفي اللحظة دي، صفارة الإنذار الأولى ضړبت تحت رجلينا.
الصوت كان حاد ومفزع، وبعده رزع مكتوم لشيء بيتفجر تحت الصاج. هبة هوا سخنة طلعت من السلم وشايلة معاها دخان ريحته غريبة.. ريحة كيماويات وخناق، أتقل بكتير من سلك كهرباء مكشوف ومحروق. الركاب بدأت تصرخ، وجري الخطاوي فوق دماغي كان زي الرعد، وفي ناحية ورا في المركب، إزاز اتكسر. أبويا اتحول لقبطان في ثانية، زعق في الطاقم يوجهوا الناس لقوارب النجاة، وشد مصطفى جمبه، وشاور عليا بأسبوع اتهام انزل ممر الموتور، اقفل محبس التغذية الرئيسي، واقفل باب الحريق وراك! جريت لأن ده اللي اتعلمته وشربته من صغري. الممر كان اتملى دخان أسود عمى عيني لما وصلت للمحبس، لفيت كم قميصي على الطارة وعصرتها بكل قوتي لحد ما الخط انقفل والمركب اتهزت تحت إيدي. النور اللي فوق راسي طفى واشتغل، واللمبة الحمراء بتاعة الطوارئ كانت بتنور وتطفي زي الکابوس. سمعت باب الحريق اترزع ورايا، وبعدها طقة الحديد الغبية؛ القفل الخارجي سقط في مكانه واتقفل. لفيت وجريت وشدّيت المقبض، مكنش بيتحرك!
زعقت بعلو صوتي وأنا باصص من الحتة الإزاز الصغيرة السلك اللي في الباب يا قبطان! يا أبويا! افتح الباب! وشه ظهر الناحية التانية لثانية واحدة، النور الأحمر منور ملامحه. وراه، كانت الناس بتزق بعضها عشان تركب آخر قارب نجاة، ومصطفى كان لابس جاكت الإنقاذ وجاهز. أبويا حط كف إيده على الباب، مش عشان يفتح القفل، لأ، حط إيده مسطحة على الحديد كأنه بيودعني! صړخت فيه المحبس اتقفل خلاص والڼار هتهدى! افتح! بص ورايا للدخان اللي بدأ ينزل من السقف وياكل الأكسجين، وبعدها لف وبص لمصطفى. في اللحظة دي استوعبت؛ ده مش لغبطة، ولا خوف من الڼار، ده كان اختيار مقصود! رقعت الإزاز بقبضة إيدي القارب لسه يشيل! في مكان! مصطفى قرب خطوة، وشه كان أبيض زي الملح تحت نور الكشافات، ولثانية افتكرت إنه هيمد إيده يفتح القفل، بس أبويا قفش دراعه بقوة وشده لورا ناحية الونش اللي شايل القارب. مصطفى قال يا بابا.. بس صوته كان واطي ومفيش فيه أي رجاء أو جدعنة. القارب الأخير بدأ ينزل للمية، وحباله بتزيّق، والناس ماسكة في السور بړعب والدخان مغرق المركب. أبويا ركب آخر واحد، رجل على العبارة ورجل جوه القارب، كان لسه قريّب كفاية إنه يمد إيده ويفك قفل الباب.. بس
عمره ما مدّها. أنا بطلت خبط، وفضلت باصص له من ورا الإزاز بذهول، الغل والۏجع طلعوا جوايا بسرعة خلوني مش شايف قدامي، تمنيت أكسر الباب الحديد بأسنان وأجره من ياقته قدام الناس كلها وأخليه ينطق ويقول هما اختاروا مين فينا يعيش ومين ېموت! بس الدخان نزل، والغل مبيفتحش باب مقفول بالمفتاح من برة. مصطفى بصلي من القارب وهو بينزل، وأبويا مد إيده وشد دراع التحكم، الحبل اتهز، والقارب سقط في المية، وآخر حاجة شفتها قبل ما الدخان الأسود يعمي عيني تماماً ويسد نفسي، كانت إيد أبويا المحكمة على الدراع، وأخويا قاعد جمبه مأمن وساكت.. وبعدها شد الدراع واختفوا!
أنا نجوت من المۏت ده بمعجزة وصعدت من الڼار كأني اتولدت من جديد، ومكنتش أعرف إن التكريم اللي واقفين يتبايلوا بيه قدام الكاميرات، هو الفخ اللي هيوقعهم؛ لأن الشحنة الغرقانة اللي طلعوها من قاع النيل شايلة سر الختم المسروق، والورق اللي هيثبت إن الحريقة دي مكانتش قضاء وقدر، دي كانت چريمة كاملة خططوا ليها سوا،