إهانة في حفلة الكريسماس
ذهبت إلى الطبيب وحدي لأن عاصم كان مشغولًا بالهروب من الدائنين. وهناك، تلقيت الخبر الذي تمنته كل زوجة مبروك مدام نور، أنتِ حامل.
عدت إلى البيت والفرحة تملأ قلبي، ظننت أن هذا الطفل سيكون طوق النجاة الذي يجمع شتاتنا ويدفع عاصم للعمل والاستقرار.
لكن رد فعله كان صدمة عمري. عندما أخبرته، لم يبتسم. لم يحتضني. بدلاً من ذلك، نظر إليّ بنظرة باردة مليئة بالشك والنفور وقال
حامل؟ في الوقت ده بالذات؟ ومنين أعرف إن الولد ده ابني فعلًا؟ أنتِ عايزة تدبسيني في مصاريف وتكتفيني هنا عشان الديانين يمسكوني؟
نزلت الكلمات عليّ كالمطر الحمضي الذي ېحرق الروح. بكيت، صړخت، حلفت له بكل مقدسات الكون أنني لم أعرف رجلًا غيره، وأن هذا طفله. لكنه كان قد اتخذ قراره بالفعل. كان يبحث عن ذريعة تخلصه من ذنب الهروب.
في صباح اليوم التالي، استيقظت فلم أجده. وجدت ورقة طلاق غيابي تركها على الطاولة، مع رسالة قصيرة أنا ماشي... متدوريش عليا. والولد ده مش بتاعي وميلزمنيش.
تركني ولا أملك في جيبي سوى مائة جنيه إيجبت. الشقة كانت إيجارًا ومتأخرًا عليها إيجار ثلاثة أشهر. صاحب العقار كان ېهدد بطردي كل يوم. لم يكن لدي عائلة تدعمني؛ فوالداي توفيا في حاډث سير قبل زواجي بسنة، وكنت وحيدة تماماً في هذا العالم القاسې.
سقطت على الأرض وأنا أبكي وأتوسل إلى الله ألا يترکني. وفي تلك اللحظة بالذات، شعرت بمغص شديد في بطني. ذهبت إلى المستشفى الحكومي وأنا أجر أذيال الخيبة والمړض. هناك، كشف عليّ طبيب طيب القلب، ونظر إلى شاشة السونار بذهول ثم الټفت إليّ قائلاً بنبرة دافئة
يا بنتي... جمدي قلبك واستقوي بالله. أنتِ مش شايلة طفل واحد... أنتِ شايلة أربعة!
أربعة توائم!
تخيلوا حجم الړعب والمسؤولية التي وقعت على كاهل فتاة وحيدة ومطرودة ومفلسة. أربعة أطفال يحتاجون إلى رعاية، حليب، حفاضات، أدوية، ومأوى.
في تلك اللحظة، انقسمت حياتي إلى نصفين نصف ماټ فيه الضعف والخۏف والتردد، ونصف ولدت فيه نور الجديدة. امرأة حديدية لا تنكسر ولا تستسلم.
قررت ألا أجهض، وألا أتسول. بدأت بالبحث عن أي عمل.
اشتغلت في تنظيف المكاتب ليلاً، ومترجمة قطاع حر Freelancer نهاراً مستغلة دراستي للغات. كنت أنام ساعتين في اليوم. جسدي كان يرتجف من التعب والحمل الثقيل، لكن في كل مرة كنت أشعر بحركة أطفالي الأربعة في أحشائي، كان يتولد في داخلي بركان من القوة.
أنشأت مدونة صغيرة على الإنترنت لتقديم خدمات الترجمة وكتابة المحتوى، وبدأت الأمور تزدهر تدريجيًا. وبفضل ذكائي وإصراري، استطعت جذب عملاء كبار من خارج البلاد. قبل أن ألد بأسبوعين، قمت بتأسيس شركتي الصغيرة لخدمات الترجمة والتسويق الرقمي من داخل غرفتي الصغيرة.
وعندما حانت لحظة الولادة، ولدت أطفالي الأربعة بعملية قيصرية صعبة. لم يكن بجانبي زوج يمسك بيدي، ولا أم تقبل جبيني. كان بجانبي فقط دعاء ربي وإصراري.
خرجوا إلى الدنيا حمزة، يوسف، ياسمين، ونادين.
كانوا ضعافًا صغارًا، لكنهم كانوا أجمل ما رأت عيني. من أجلهم، واصلت العمل من داخل المستشفى. كنت أضع الكمبيوتر المحمول على بطني الجريحة وأعمل بينما هم نائمون في الحاضنات.
ومرت السنين...
تحولت الشركة الصغيرة إلى إمبراطورية رائدة في مجال الترجمة الفورية والخدمات الرقمية. انتقلت من الشقة الإيجار الضيقة إلى فيلا واسعة في أرقى أحياء العاصمة. أصبح لدي أسطول من الموظفين، ومساعدة شخصية تدير أعمالي. والأهم من ذلك كله، كبر أطفالي الأربعة في بيئة مليئة بالحب والدعم، ملتحقين بأفضل المدارس الدولية، متميزين في دراستهم ورياضاتهم.
ولم أذكر عاصم أمامهم بسوء أبدًا، كنت أقول لهم دائمًا إن لديهم أبًا مسافرًا، وكنت أنتظر اللحظة المناسبة التي يختارها القدر ليكشف الحقيقة.
والآن، ها نحن هنا في الكريسماس بعد ثماني سنوات.
وقف عاصم من مقعده، محاولاً استجماع ما تبقى من شجاعته المهترئة. نظر إلى أمه التي كانت تحتضن البنتين، ثم نظر إليّ بضعف وڠضب مكتوم
نور... أنتِ جيتي هنا عشان تذليني؟ عشان تظهري بمظهر البطلة قدام أهلي وتخربي خطوبتي ويومي؟
ضحكت والتفتت إليه بكامل هدوئي
أذلّك؟ يا عاصم أنت أصغر بكتير من إني أضيع وقتي وجهدي عشان أذلّك. أنا جيت هنا تلبية لرغبة والدتك اللي بعتت لي رسالة من تليفونك...
هنا تداخلت الحاجة كريمة وهي تمسح دموعها وتنظر لولدها پغضب
أيوه يا عاصم! أنا اللي أخدت تليفونك وبعت لها الرسالة دي! أنا كنت حاسة إنك كذاب ومخبي عليا حاجة من يوم ما طلقتها واختفيت. كنت دايماً بسأل عليك وعليها، ولما رجعت من السفر وبدأت تتباهى بفلوسك وخطيبتك الجديدة، قلبي مقبلش الظلم. دورت على نور وسألت لحد ما عرفت الحقيقة وعرفتها هي بتشتغل إيه وبقت فين. أنا اللي طلبت منها تيجي... بس مكنتش أعرف إن ربنا كرمني بأربع أحفاد دفعة واحدة! ربنا أراد يفضحك في اليوم اللي كنت فاكر نفسك فيه ملك!
نظر عاصم لأمه بذهول أنتِ يا أمي؟ أنتِ اللي عملتِ كده؟
وقبل أن يجيب أحد، خطى حمزة، الولد الأكبر ذو النظرة الحادة، نحو عاصم.
كان يرتدي بدلة كريسماس أنيقة كأنه رجل أعمال صغير. نظر لعاصم من الأعلى إلى الأسفل وقال بنبرة قوية تفوق عمره بكثير
أنت مش هتقدر تبص في عيوننا يا عمو... أقصد يا بابا. ماما علمتنا إن الراجل هو اللي بيحمي عيلته ومبيسبهاش لما الدنيا تضلم. أنت مشيت وسبت ماما وهي تعبانة. إحنا مش محتاجينك، ماما جابت لنا كل حاجة في الدنيا، وجابت لنا طيارة هليكوبتر وجينا بيها هنا عشان تيتة بس. إحنا مش عايزين منك حاجة... حتى اسمك إحنا هنغيره قريب لما نكبر!
كلمات حمزة الصغير كانت كمسامير تُدق في نعش كبرياء عاصم. تراجع للخلف وجلس مرة أخرى، وقد تملك منه العجز التام. شعر بالقزامة أمام هذا الطفل الصغير الذي يحمل ملامحه ولكنه يملك كبرياء وقوة لم يملكهما عاصم طوال حياته.
التفتتُ إلى الحاجة كريمة، وانحنيت وقبلت يدها ورأسها بوقار
يا أمي... أنا جيت هنا عشانك أنتِ بس. عشان مكنش ينفع أحرمك من رؤية ولاد ابنك قبل ما تقابلي وجه كريم. وولادك موجودين دايماً، باب بيتي مفتوح لكِ في أي وقت تحبي تشوفيهم فيه. لكن عاصم... عاصم ماټ بالنسبة لي وبالنسبة لولادي من ثماني سنين.
أمسكت بأيدي أطفالي الأربعة حمزة، يوسف، ياسمين، ونادين. التفتنا جميعاً بوقار، ومشينا بخطوات ثابتة نحو باب الخروج، تاركين وراءنا رجلاً محطماً يندب حظه والفرصة العظيمة التي أضاعها بنذالته، وعائلة انقشعت عنها غيوم الأكاذيب لتشرق شمس الحقيقة الساطعة في يوم كريسماس لن ينساه أحد.