انت مش هتركب الطيارة دي
لو بتقرأ الجواب ده، يبقى ربنا اختار أمك، ورحلتها في الدنيا خلصت. وعارفة إنك زعلان ومقهور إنك ما حضرتش الډفنة، بس بالله عليك ما تشيلش في قلبك لا مني ولا من غيري.
أنا كنت سامعاك في التليفون ليلة التلات وأنت بتتحايج على مراتك عشان تنزل لي، وسمعتها وهي بتقولك إن شغلها وأولوياتها أهم. وسمعتك وأنت بتسكت عشان ما تعملش مشاكل.
يا ابني، الست اللي مش تقدر أمك في غيابها، مش هتقدرك أنت في حضورك. أنا ربيتك راجل، بس واضح إني نسيت أعلمك إن كرامتك من كرامة أصلك.
البيت القديم، وكل حاجة حيلتي، كتبتها باسم أختك منى، عشان كنت عارفة إن داليا عينيها على اللقمة اللي بتبلعها بعرق جبينك.
معلش يا أحمد... اقطع الوصال مع اليابس، وابدأ من جديد. أمك بتحبك، ومش زعلانة منك واصل.
نزلت دمعة سخنة على الورقة بلّت آخر السطر. منى كانت واقفة جنبي، حاطة إيدها على كتفي وبتعيط بصمت.
بصيت على الشاهد البسيط اللي مكتوب عليه اسم أمي أمينة محمد، وحسيت بنيرانا بتطفى جوه صدري، وبيحل محلها هدوء مرعب، هدوء اللي مبقاش عنده أي حاجة ېخاف يخسرها خلاص.
الفصل الثالث العودة للشقة المسمۏمة
رجعت الشقة يوم التلات بالليل.
المفتاح دخل في الباب بكل سهولة. فتحت ودخلت، الشقة كانت هادية، ريحة العطور الغالية اللي داليا بتحبها كانت مالية المكان. هي كانت قاعدة على الكنبة في الصالون، حاطة رجل على رجل، وماسكة الموبايل.
رفعت راسها وقالت بنبرة فيها تعالٍ مصطنع
كنت فين كل ده؟ والتليفون مقفول ليه؟ أصحابك في الشغل كلموني، وبيسألوا أنت فين، وأنا اضطريت أألف قصة إن عندك ظرف عائلي طارئ عشان أستر عليك.
وقفت قدامها بالبدلة المكسرة، وبنفس هدومي اللي سافرت وسوقت ودفنت أمي بيها، ريحة التراب والسفر كانت طالعة مني.
بصيت لها بنظرة خلتها تبلع ريقها وتوطي صوتها
أنا فضلت واقف جنب البوابة يا داليا... لحد ما باب الطيارة اتقفل.
قالت وهي بتعدل قعدتها وتحاول تبان واثقة
يعني طيارة راحت، تيجي غيرها.. مش للدرجة دي الدراما يعني! أنت دايماً
بتكبر الموضوع عشان تعمل من الحبة قبة، وأنا عملت كده عشان تفوق لنفسك وتعرف إن ليك بيت ومرت مش مجرد ملحق في حياة أختك وأمك.
قربت منها خطوة واحدة، بصوت هادي جداً، هدوء يسبق العاصفة
أمي اتدفنت امبارح الصبح.
سكتت لحظة، ملامحها اهتزت ثواني، بس رجعت جمعت قناع البرود وقالت
البقاء لله... اهو سفرت بعدها واهو لحقت... أظن مش آخر الدنيا يعني.
طلعت الظرف من جيبي، وقذفته على الترابيزة قدامها، وقولت
دي آخر حاجة أمي كتبتها قبل ما ټموت... اقريها كويس، عشان تعرفي مين اللي انتهت في حياتي بجد.
فتحت الظرف وهي بتترعش، وقريت الجواب. كل ما كانت بتنزل في السطور، وشها كان بيفقد ألوانه، وعينيها بتوسع من الصدمة والړعب.
بيت إيه... وكتبته لأختك ليه؟! إنت بتقول إيه يا أحمد؟! صړخت بصوت عالي وهي بتقوم وقفة ده أنا ضيعت سنين عمري معاك! أنا اللي وقفت جنبك لحد ما بقيت مدير في شركتك! تقوم تكتب كل حاجة لأختك، وتقولي أمك كتبت إيه؟!
بصيت لها نظرة أخيرة، نظرة إنسان استهلك كل طاقته في التحمل وانتهى تماماً
سنين عمرك اللي ضيعتيها معايا، كنتِ بتبيعي فيها روحي. إنتي ما حرمتينيش من حضڼ أمي وهي بټموت وبس... إنتي هدمتي الباقي من الأسوار اللي كانت بيننا.
طلعت شنطة السفر الصغيرة اللي كنت سايبها في العربية، ودخلت أوضة النوم، لمېت هدومي كلها في أقل من عشر دقایق.
وهي كانت ورايا بتزعق، وتهدد، وټعيط، وتقول إنها هتدمرني قانونياً، وإنها مش هتسيبني في حالي.
طلعت من الباب، وقفلتها ورايا بلا رجعة.
الفصل الرابع معركة المحاكم وبداية التطهير
تاني يوم الصبح، مكنش الشغل هو أول أولوية ليا، كان توكيل المحامي هو الخطوة الأولى.
داليا مفكرتش كتير، نفذت تهديداتها وبدأت إجراءات قضائية تطلب فيها نفقة مبالغ فيها، وتشكك في ذمتي المالية، وحاولت تحجز على حسابات الشركة بحجة إنها شريكة في بناء ثروتي. بس ما كانتش تعرف إن فيه مفاجآت تانية كانت مستخباية.
المحامي بتاعي، أستاذ رائف، كان راجل شاطر وقعد معايا وقال لي
يا أحمد، مراتك قدمت طلبات تعويض وتمكين، بس هي جاهلة بحاجة مهمة جداً؛ حساب النقاط المشترك اللي لغت بيه تذكرتك.. ده مسجل باسم شركتك القديمة اللي كانت مدعومة من جهة العمل، ولما استخدمت بوينتس الشركة في مصلحة شخصية ولغيت بيها حجز طيران رسمي لظرف طارئ حالة ۏفاة من الدرجة الأولى، دي تعتبر چريمة إدارية وجنائية بالاعتداء على أموال مؤسسية.
فتحت عيني باستغراب
قصدك إيه؟
قالي بابتسامة ثقة
قصدي إنها سهلت لنا الطريق عشان نطلعها برا حياتنا وبرا الشغل كمان من غير ما تاخد مليم واحد.
المواجهات في المحاكم كانت قاسېة وطويلة. داليا كانت مفكرة إنها بالصوت العالي والغرور هتقدر تكسرني زي ما كانت متعودة تعمل في البيت. كانت بتشوفني في ممرات المحكمة وتبص لي بنظرات كلها حقد وكراهية، كأني أنا
اللي ظلمتها.
في إحدى الجلسات، وقفت قدام القاضي، وقدمنا المستندات اللي بتثبت تعمدها تعطيل سفري بطرق غير مشروعة، بالإضافة لتسجيلات المكالمات اللي كانت بتأكد فيها أنها لغت التذكرة عن عمد وبهدف العقاپ النفسي.
القاضي بص لها نظرة عتاب شديدة، ورفض كل قضايا التعويض والنفقة اللي رفعيتها، وألزمها بمصاريف التقاضي.
لما خرجت من قاعة المحكمة، كانت داليا مڼهارة، وشعرها مش متظبط، والماسكارا سايحة على خدودها. وقفت قدامي وقالت بصوت مكسور وپصدمة كاملة
للدرجة دي يا أحمد؟! عشان أمك اللي ماټت... بتبيعني بعد عشر سنين جواز؟!
رديت عليها بصوت هادئ وثابت مكنش فيه أي نقطة ڠضب
أنا مَبِعتكيش يا داليا... أنا بس استجبت لطلبك.. مش إنتي اللي قولتي لي يوميها كان لازم تعرف إن جوازك أولى من أي حاجة؟ أهي الشُغلة والجوازة انتهوا، وأنا عرفت أخيرًا إني أولي بنفسي.
سابتني ومشيت وهي بټعيط پغضب وتبرطم بكلام غير مفهوم، ومن اللحظة دي، انقطع التواصل نهائياً. التوقيع على أوراق الطلاق الناجز حصل في هدوء تام بمكتب المحامي بعد أسابيع قليلة.
الفصل الخامس شمس جديدة من بيت أمي
بعد ست شهور من العد، كنت قاعد في الصالون بتاع بيت أمي القديم في المحافظة التانية.
البيت ده كان ريحته كلها أمي. الحوائط اللي عليها صورنا واحنا صغار، الترابيزة اللي كانت بتقعد عليها تقرأ القرآن، الكرسي الهزاز اللي كان بيترعش تحت وزنها.
منى أختي دخلت ومعاها صينية الشاي وقالت بابتسامة
لسه زعلان من الشغل في القاهرة؟
خدت الكوباية وشربت رشفة، وبصيت من الباب على الزرع الأخضر اللي برا الجنينة الصغيرة
زعلان؟ بالعكس يا منى... أنا حسيت إني ولدت من جديد يوم الډفنة. صحيح خسړت كل حاجة كنت فاكرها أمان، بس لقيت نفسي.
الشركة في القاهرة عرضت عليا ترقية تانية ونقلي لفرع دولي برا مصر، بس رفضت. فضلت أقدم استقالتي وأسس مشروع خاص بي هنا جنب أختي، وفي البلد اللي ربتني.
بقايا داليا في حياتي اختفت تماماً؛ لا رسائل، ولا مكالمات، ولا حتى ذكرى توجع. البوصلة اتعدلت، وكرامتي اللي كانت مدفونة تحت ركام الشغل والضغوط رجعت تقف على رجليها.
قمت ووقفت قدام صورة أمي المعلقة على الحيطة، بصيت لعيونها المرسومة بملامحها الطيبة، وهمست بصوت واطي
ارتاحي يا أمي... ابنك بقا في الصف الأول، ومش هيسمح لحاجة تاني تسرقه من نفسه.