جوزي قالي انه مسافر
سيقلب مسار الأحداث من جديد أخذت نفسًا عميقًا...
ورفعت غطاء الصندوق بالكامل.
في الداخل...
لم يكن هناك ذهب.
ولا أموال.
ولا أي شيء ثمين.
كان فيه ألبوم صور صغير...
ومعاه دفتر ملاحظات جلدي قديم.
وفوقهم ورقة مكتوب عليها بخط واضح
دي حاجاتك... كنتِ نسيتيها عندنا بعد نقل العفش.
عرفت الخط فورًا.
خط والد أحمد.
جلست على الأريكة، وفتحت الألبوم.
كانت الصور من أول سنة جواز.
صورة وهما بيدهنوا الشقة بنفسهم.
صورة وهي بتحاول تركب ستارة، وأحمد واقف يضحك.
صورة لأول سفرة قصيرة ليهم.
وصورة وهي واقفة في المطبخ، وشعرها مربوط، وبتضحك من قلبها.
فضلت تقلب الصور واحدة واحدة.
واكتشفت إن أغلب اللحظات الحلوة...
هي نفسها ما كانتش فاكرة إنها اتصورت.
قفلت الألبوم.
وفتحت الدفتر.
كان دفتر مصاريف قديم.
كل صفحة فيها تاريخ.
ومكتوب تحتها
إيجار.
كهرباء.
أجهزة.
عفش.
وفي آخر كل صفحة...
كان أحمد كاتب ملاحظة صغيرة.
شكراً إنك وقفتي جنبي.
لولا تعبك ما كناش قدرنا نبدأ.
أول مرتب زيادة ليها... أصرت تشتري بيه الغسالة.
وقفت عند آخر صفحة.
كانت فاضية...
إلا من سطر واحد.
أوعى في يوم أنسى إن اللي بيتشارك... عمره ما يبقى حق لطرف واحد.
أغلقت الدفتر ببطء.
وهمست لنفسها
إزاي نسيت كل ده؟
وفي اللحظة نفسها...
رن جرس الشقة.
استغربت.
هي ما قالتش لحد إنها رجعت.
قربت من الباب.
بصت من العين السحرية.
ولقت البواب واقف.
فتحت.
قال باعتذار
آسف يا بنتي... في راجل تحت بيسأل إذا كانت الشقة اتفتحت ولا لأ.
سألته
مين؟
قال
ماطلعش. قال إنه هيستنى تحت.
نزلت بعينيها من البلكونة.
كان فيه رجل واقف بجوار سيارته.
أول ما لمحها...
رفع رأسه.
لكن بدل ما يلوح بإيده...
أخرج من جيبه ورقة مطوية، ورفعها في الهواء، كأنه يريد أن يريها شيئًا من بعيد.
لم تستطع قراءة ما كُتب عليها...
لكنها لاحظت شيئًا واحدًا.
في أعلى الورقة...
كان مكتوب اسمها بالكامل بخط كبير.
وقبل أن تقرر هل تنزل أم لا...
استدار الرجل فجأة عندما سمع صوت سيارة تقف خلفه...
ثم اختفت ملامح وجهه عن نظرها، لتبدأ حكاية جديدة لم تكن تتوقعها نزلت بسرعة.
لكنها ما كانتش بتجري.
كانت ماشية بخطوات ثابتة.
وصلت مدخل العمارة.
الراجل كان لسه واقف.
أول ما قربت، ابتسم باحترام وقال
حضرتك... الأستاذة؟
هزت رأسها.
أيوه.
ناولها الورقة اللي كانت في إيده.
وقالت باستغراب
إيه دي؟
قال
أنا شغال في مكتب محاماة. ومكلف أوصلها لحضرتك.
فتحتها.
كانت عبارة عن إشعار استلام.
وفي آخره عنوان مكتب محاماة معروف.
سألته
ومين اللي بعتني هناك؟
رد
للأسف مقدرش أقول. التعليمات إن حضرتك تعرفي بنفسك لما توصلي.
شكرته، وأخذت الورقة.
وقبل ما يركب عربيته...
قال جملة واحدة
قالولي أبلغك إن الموضوع ملوش أي علاقة بأحمد.
وده كان أول شيء طمّنها.
...
في اليوم التالي...
وصلت مكتب المحاماة.
السكرتيرة رحبت بيها، وطلبت منها تنتظر دقائق.
بعد شوية...
خرج محامٍ كبير في السن.
صافحها وقال
اتفضلي.
دخلت مكتبه.
لاحظت إن فوق المكتب ملفًا أبيض مكتوب عليه اسمها.
جلس المحامي وقال
قبل أي كلام... أحب أطمنك إن مفيش أي قضية، ولا أي مشكلة قانونية.
تنفست الصعداء.
ثم دفع الملف ناحيتها.
الملف ده بقاله عندنا أكتر من أربع سنين.
استغربت.
أربع سنين؟
أيوه.
وليه محدش كلمني؟
ابتسم.
لأن صاحب الملف كتب تعليمات واضحة.
فتح الورقة الأولى.
وقرأ بصوت هادئ
لا يتم تسليم الملف إلا إذا حضرت بنفسها وببطاقة إثبات الشخصية.
ناولها الملف.
فتحت أول صفحة.
كان بداخلها عقد وديعة بنكية قديمة.
وبجانبه خطاب.
بدأت تقرأ.
الأستاذة... هذه الوديعة تم فتحها منذ سنوات، وتم النص على ألا تُصرف إلا بحضورك شخصيًا.
رفعت رأسها.
أنا أول مرة أشوف الورق ده.
قال المحامي
وده طبيعي.
قلبت الصفحة التالية.
وجدت اسم صاحب الوديعة.
فابتسمت في دهشة.
كان الاسم...
والدها.
قال المحامي
الوديعة دي كان والدك عاملها من سنين، وحط فيها مبلغ بسيط وقتها، وكان كل هدفه إنها تكون سند ليكي لو احتجتيها يومًا.
شعرت بعينيها تمتلئان بالدموع.
لم يكن المبلغ هو ما أثر فيها...
بل الفكرة نفسها.
أن والدها، قبل سنوات طويلة، فكر في مستقبلها حتى بعد رحيله.
وقبل أن تسأله أي سؤال آخر...
طرق أحدهم باب المكتب.
فتح المحامي الباب.
ثم عاد وهو يقول
في شخص برة... عرف إنك هنا، وبيقول إنه مستنيكي من غير ما يدخل.
سألته
مين؟
رد المحامي وهو ينظر من خلف الزجاج
مش عارف... لكنه قال إنه مش هيمشي قبل ما يسلم عليكي دقيقة واحدة.
نظرت من النافذة...
لكن الشخص كان واقفًا في مكان لا يظهر منه سوى ظله...
ولم تستطع أن تعرف هويته بعد وقفت لحظة.
ثم قالت للمحامي
أنا هخرج أشوف مين.
ابتسم المحامي باحترام.
طبعًا... والملف خديه معاكي.
خرجت من المكتب.
كانت تمشي في الممر ببطء.
أول ما فتحت الباب الزجاجي...
شافت الشخص واقف على الرصيف المقابل.
ولما لف ناحيتها...
عرفته.
كان والد أحمد.
وقف في مكانه.
ما قربش.
ولا حتى حاول يسلم عليها.
قال بهدوء
اطمني... أنا مش جاي أتكلم عن أحمد.
ردت بهدوء
أمال جاي ليه؟
طلع من جيبه مفتاحًا صغيرًا.
ومده ناحيتها.
ده مفتاح المخزن اللي تحت العمارة.
استغربت.
وأنا مالي بالمخزن؟
قال
لأن فيه كراتين باسمك.
عقدت حاجبيها.
كراتين إيه؟
تنهد وقال
الحاجات اللي اشتريتيها من شغلك على مدار السنين.
لما بدأ الكلام يكتر بعد سفرك... قلت لأحمد إن محدش يلمس أي حاجة تخصك.
سكت لحظة.
ثم أكمل
كل حاجة اتقفلت بالمفتاح... ومستنية صاحبتها.
أخذت المفتاح في صمت.
ثم قالت
شكرًا.
هز رأسه.
واستدار ليمشي.
لكن قبل أن يركب سيارته...
التفت إليها وقال
في حاجة أخيرة.
انتظرته يتكلم.
قال
أنا مش بطلب منك ترجعي.
ولا بطلب منك تسامحي.
بس بطلب منك... لما تدخلي المخزن، افتحي الكرتونة المكتوب عليها 1 الأول.
ثم انصرف.
...
في مساء اليوم نفسه...
وصلت إلى العمارة القديمة.
البواب أول ما شافها، فتح لها باب المخزن.
كان مكانًا صغيرًا.
مرتبًا بشكل لفت انتباهها.
كل الكراتين مرصوصة فوق بعضها.
وعلى كل واحدة رقم.
1...
2...
3...
كما قال والد أحمد...
بدأت بالكرتونة الأولى.
فتحتها.
كان بداخلها أدوات المطبخ التي اشترتها بنفسها في أول سنة جواز.
الفواتير ما زالت داخل الأكياس.
وفوقها ورقة صغيرة.
دي أول حاجة اشتريتيها من مرتبك، وقلتي يومها نفسي أبني بيت على مهلي.
ابتسمت رغمًا عنها.
انتقلت للكرتونة الثانية.
وجدت كتبها.
وألبومات صورها.
وأشياء شخصية كانت تظن أنها ضاعت.
ثم وصلت للكرتونة الثالثة.
كانت أثقل من الباقي.
فتحتها ببطء.
في الداخل...
علبة خشبية مغلقة.
وفوقها ظرف.
فتحت الظرف أولًا.
كان فيه سطر واحد فقط بخط أحمد
مهما حصل بينا... عمري ما قدرت أرمي حاجة تعبتي فيها بإيدك.
أغلقت الظرف.
ولم تفتح العلبة الخشبية.
اكتفت بحملها بين يديها.
ونظرت حولها.
كل شيء في المخزن كان منظمًا بعناية...
وكأن أحدًا كان يرفض أن تضيع أي قطعة تخصها.
وقفت للحظات.
ثم أغلقت الكرتونة من جديد.
وحملت العلبة الخشبية معها.
وفي طريقها إلى الخارج...
سمعت البواب يناديها
يا مدام...
التفتت.
قال
في جواب وصل النهارده باسم حضرتك، ولسه حالًا واحد سلّمهولي.
أخذت المظروف.
لم يكن عليه اسم المرسل.
لكن الختم الموجود عليه...
كان من مدينة روما فتحت الظرف القادم من روما بيدين مرتعشتين.
في الداخل...
كانت هناك بطاقة بريدية عليها صورة الساحة التي جلست فيها أول يوم وصلت إيطاليا.
وعلى ظهرها جملة واحدة
شكرًا لأنك اخترتِ نفسك.
ابتسمت لأول مرة منذ عودتها.
عرفت أن البطاقة من صاحب المقهى الذي كانت تجلس عنده كل صباح، فقد كان قد طلب منها عنوانها في مصر قبل سفرها، ووعدها أن يرسل لها تذكارًا صغيرًا.
وضعت البطاقة داخل دفتر والدها، وقالت بهدوء
يمكن دي أحسن نهاية للرحلة.
في اليوم التالي أنهت كل إجراءاتها.
استلمت الوديعة التي تركها لها والدها.
وباعت الشقة القديمة بعد أن أخذت كل أغراضها الخاصة.
أما الأموال...
فاشترت بها شقة صغيرة باسمها وحدها، وبدأت مشروعًا كانت تحلم به منذ سنوات.
وبعد أسابيع...
رن هاتفها.
كان أحمد.
لأول مرة منذ شهور.
ترددت قليلًا...
ثم ردت.
ساد الصمت بينهما.
ثم قال أحمد
أنا مش متصل علشان أرجعك.
لم ترد.
أكمل
أنا متصل أقولك شكرًا.
استغربت.
قال
لأن اللي حصل علمني إن الاحترام أهم من أي حاجة، وإن الكذب مهما كان سببه بيهدم سنين في لحظة.
ثم أضاف
أنا آسف... ومش مستني منك تسامحيني.
أغلقت عينيها للحظة.
وقالت بهدوء
أنا مسامحاك... علشان أنا محتاجة أعيش مرتاحة.
سكتت ثانية.
ثم أكملت
لكن المسامحة مش معناها إن كل حاجة ترجع زي الأول.
قال بصوت هادئ
أنا فاهم... وربنا يكتبلك الخير.
أنهى المكالمة.
ولم يحاول الاتصال مرة أخرى.
بعد أشهر...
سمعت من دينا أن أحمد انتقل إلى بيت جديد، وأصبح يعتمد على نفسه، وأصلح علاقته بوالده، وتعلّم أن يضع حدودًا واضحة بين حياته الزوجية وعائلته.
أما هي...
فكانت تقف في شرفة شقتها الجديدة مع أول فنجان قهوة في الصباح.
نظرت إلى المدينة بابتسامة هادئة.
ثم فتحت الدرج.
أخرجت دبلة الزواج التي احتفظت بها طوال تلك الفترة.
نظرت إليها لحظات...
ثم وضعتها داخل صندوق صغير، وأغلقته.
لم يكن ذلك بدافع كراهية.
ولا ندم.
بل لأنها أدركت أن بعض الذكريات مكانها الماضي، لا المستقبل.
رفعت رأسها نحو السماء وهمست
شكرًا يا أبي... لأنك علمتني إن الكرامة عمرها ما تكون محل تفاوض.
ثم أغلقت النافذة...
وخرجت لتبدأ أول يوم في حياتها الجديدة.
تمت.