زرع الفتنة و خراب البيوت ج2
عمي.. أنا لا بكرهه ولا بشمت فيه. ربنا عالم أنا استحملت قد إيه، وفتحت بيتي وقلبي قد إيه عشان خاطر العيش والملح والستارة اللي كانت مبنيّة بينا. بس الهدم لما بيحصل في الأساس، البيت مبيتعمرش تاني. هو اختار يصدق أمه وينسى الحقيقة، واختار يمد إيده عليّا ويمشيني من بيتي زي الغريبة.. في اللحظة دي، هو اللي كتب النهاية، مش أنا. وأنا كل اللي عملته إني كتبت السطر الأخير بشرف.
الراجل سكت، ومقدرش ينطق حرف واحد، لإن كلامي كان عين العقل والحقيقة. وقف، وقال بصوت حزين
عندك حق يا بنتي.. اللي ضيع الدهر بإيده، ميستاهلش يلاقيه تاني. ربنا يفتحها في وشك ويعوضك باللي يفهم قيمتك.
مشى عم طليقي، والبيت رجع لهدوه وطمأنينته. بصيت لبابا وماما اللي كانوا بيحضنوني وعيونهم بدمع من الفرحة والاطمئنان عليّا. حسيت إن كل هموم الدنيا اتمسحت من على قلبي، وبقت قدام طريق مفتوح على مصراعيه للشمس والنجاح.
بعد الشهر ده، حصلت نقلة تانية في حياتي المهنية. دار نشر كبيرة تواصلت معايا عشان تنشر أول رواية ورقية ليا باسم الكاتبة تاج، وتتحول لمسلسل درامي قصير على إحدى المنصات الرقمية الكبرى. الخبر ده نزل عليا كأنه تعويض إلهي عن كل دمعة نزلت من عيني في الأيام السودا دي. لقيت اسمي بينور على أغلفة الكتب، ولقيت قصتي اللي طلعت من رحم القهر والۏجع، بتلهم آلاف البنات والستات إنهم ما يرضوش بالظلم، وإن الكرامة خط أحمر مسموحش لأي حد يتجاوزه.
في يوم توقيع العقد الأول للرواية الورقية، كنت واقفة في قاعة الاحتفال الكبرى، لابسة دريس أنيق وراقي، وعليّا ابتسامة واثقة من نفسها. الكاميرات بتصورني، والصحفيين بيسألوني عن سر النجاح المفاجئ والقوي ده، وعن إزاي قدرت أكتب رواية حسيتها حية لدرجة إن كل ست شافت نفسها فيها.
ابتسمت للكاميرا، وبصيت للجمهور الكبير اللي كان حاضر القاعة، وقلت بصوت ثابت ومؤثر
السر مش في القلم.. السر في الۏجع اللي بيتعلم منه الإنسان. كل ست فينا بتمر بمحڼة بتفتكر إنها نهاية العالم، وإن انكسارها معناه خلاصها.. بس الحقيقة إن الانكسار
هو بداية التكوين. أنا مكنتش بكتب قصة خيالية، أنا كنت بكتب واقع عشته، وطلعت منه أقوى، وعرفت إن الست اللي بتعرف تدافع عن حقها بكرامة، هي الست اللي بتقدر تكتب نهاية أي حكاية على مزاجها.
التصفيق ملأ القاعة، ودموع الفرحة نزلت من عيون ماما وبابا اللي كانوا قاعدين في الصف الأول بيعيطوا من الفخر. حسيت إن كل تعب السنين، وكل كلمة قهر، وكل دمعة نزلت في الأوضة المظلمة عند أهلي.. كان ليها حكمة إلهية كبيرة عشان تقودني للمكان ده، للمنصة دي، للنجاح ده اللي محدش كان يتوقعه.
رجعت البيت بالليل، بعد ما اليوم الطويل خلص. دخلت أهاوي الشباك بتاع أوضتي، والهواء النظيف والبارد دخل يداعب وجهي. بصيت للسماء الواسعة، وشفت النجوم بتلمع بوضوح كأنها بتبارك لي طريقي الجديد. فتحت كشكولي القديم، الصفحة الأخيرة اللي كانت فاضية، مسكت القلم وكتبت بخط عريض وواضح
الحكاية مابتخلصش لما حد يقرر يقفل الباب في وشك.. الحكاية الحقيقية بتبدأ لما تفتحي باب جديد بنفسك، وتكتبي بيدكِ عنوان فصل النور والحرية.
قفلت الكشكول بالراحة، وحطيته على المكتب جنب فنجان القهوة الدافئ، وحسيت براحة غامرة بتملي روحي. مكنتش محتاجة أقول حاجة تانية، ولا أبص ورايا تاني. البوصلة كانت واضحة، والطريق كان مرسوم، وأنا.. أنا كنت البطلة المطلقة للحكاية، من أول سطر.. لحد الفصل الأخير.