القصة كاملة بقلم محمد عبده

لمحة نيوز


ابني؟! سألت سارة بقلق.
رفع رأسه ببطء، وصوته خرج مكسورًا
الشقة دي مش بتاعتي.
ساد صمت ثقيل.
إزاي يعني؟! قالت أمه بعصبية أنت اللي دافع فيها!
لا قال وهو يبتلع ريقه الشقة، والعربية وحتى الحساب اللي كنا بنصرف منه كله باسم ليلى.
اقتربت سارة وخطفت الورقة من يده، وبدأت تقرأ بصوت مرتجف
تؤكد السيدة ليلى أنها المالكة الوحيدة لكافة الأصول المذكورة ولا يحق للطرف الآخر المطالبة بأي جزء منها.
شهقت أمينة
يعني إحنا كنا عايشين على حسابها؟!
لم يجب أحد.
لكن الصدمة لم تنتهِ بعد.
كانت هناك ورقة أخيرة مختومة بختم شركة.
فتحها كريم ببطء، وكأن قلبه يرفض معرفة الحقيقة.
قرأ الاسم فتجمد في مكانه.
شركة النيل للنقل والاستثمار
ثم السطر التالي
المساهم الرئيسي ليلى محمود بنسبة 62.
سقطت الورقة من يده.
مستحيل
إيه ده؟! سألت سارة وهي تلتقطها يعني هي غنية؟!
لم يستطع الرد.
كل شيء بدأ يتضح الآن.
بساطتها صمتها تحملها لكل الإهانات
لم تكن ضعفًا.
بل اختيارًا.
في تلك اللحظة، رن هاتف كريم.
رقم مجهول.
تردد لثوانٍ ثم رد.
ألو؟
جاءه صوت هادئ بارد يعرفه جيدًا.
مساء الخير يا كريم.
تجمّد.
ليلى؟
أتمنى تكونوا استمتعتوا بالرحلة.
لم يجد ما يقوله.
ليه عملتي كده؟ قال أخيرًا بصوت مهزوز.
ضحكت بخفة.
أنا ما عملتش حاجة أنا بس بطّلت أدفع.
سكت للحظة، ثم قال بانفعال
طلاق إيه؟! إحنا لسه متجوزين!
بالضبط ردّت بهدوء ودي كانت أسرع غلطة في حياتي وقررت أصلحها بسرعة.
انتي بتهزري؟!
لأ أنا ببدأ من جديد.
ثم أضافت، بنبرة حاسمة
كل حاجة هتتم عن طريق المحامي. ومتقلقش أنا واخدة حقي بس.
وقبل أن يغلق، قال بصوت شبه مكسور
ليلى استني إحنا ممكن نحل الموضوع
توقفت لثانية.
ثم قالت آخر جملة
أنا فعلًا حلّيته لما مشيت.
وأغلقت الخط.
نظر كريم حوله.
البيت الذي ظنه بيته ليس له.
الحياة التي ظن أنه يسيطر عليها لم تكن يومًا بيده.
حتى المرأة التي اعتقد أنها بلا سند كانت أقوى منه بكثير.
جلس ببطء على الأريكة.
لأول مرة
فهم.
لكن بعد فوات الأوان.
الجزء الأخير
مرّت أيام قليلة لكنها بدت لكريم كأنها سنوات.
البيت أصبح صامتًا، ثقيلًا، وكأنه يرفض وجودهم داخله.
كل زاوية فيه كانت تذكّره بحقيقة واحدة لم يكن يومًا ملكه.
الديون بدأت تطارده.
اتصالات لا تتوقف رسائل من البنك وأصدقاء يطالبون بما اقترضه.
أما الحاجة أمينة، فكانت تجلس طوال اليوم تندب حظها
ضيّعناك يا ابني ضيّعناك بإيدينا!
وسارة لم تعد تتحدث بثقة كما كانت، بل بنبرة خافتة
هو إحنا هنعمل إيه دلوقتي؟
لكن كريم لم يكن يسمع.
كان شاردًا يستعيد كل لحظة.
كل كلمة قالها لها.
كل مرة سخر فيها من صمتها.
كل مرة اختار أن يرضي أمه بدل أن يحمي زوجته.
في صباح يوم حار، دقّ جرس الباب.
فتح كريم، ليجد رجلًا أنيقًا يقف أمامه.
أستاذ كريم؟
أيوه
أنا من طرف المالك.
تجمّد.
مالك؟!
أيوه السيدة ليلى. معاك 48 ساعة لإخلاء الشقة.
لم يستطع الرد.
فقط وقف كأن الأرض سُحبت من تحته.
بعد يومين
خرج كريم من الشقة ومعه حقيبتان فقط.
خلفه أمه وأخته بلا كلام.
لا شقة.
لا مال.
ولا حتى كرامة كما كانوا يظنون.
على الجانب الآخر
كانت ليلى تقف أمام نافذة مكتبها في الدور العاشر من مقر شركتها.
ترتدي بدلة أنيقة، وشعرها مرفوع بثقة.
أمامها المدينة كلها وتحت قدميها بداية جديدة.
دخلت مساعدتها
أستاذة ليلى، الاجتماع جاهز.
ابتسمت بهدوء.
تمام أنا جاية.
ثم توقفت لحظة، ونظرت إلى هاتفها.
رسالة واحدة من رقم مجهول
أنا غلطت اديني فرصة أصلّح كل حاجة.
تأملت الرسالة لثوانٍ
ثم حذفتها.
بدون تردد.
دخلت قاعة الاجتماع، والجميع وقف احترامًا.
لم تعد تلك الفتاة الصامتة التي تتحمل الإهانة.
بل امرأة تعرف قيمتها ولا تسمح لأحد أن يساوم عليها.
جلست على رأس الطاولة، وقالت بثقة
نبدأ.
وفي مكان آخر
كان كريم يجلس على مقعد قديم، ينظر في الفراغ.
أدرك أخيرًا الحقيقة التي تجاهلها طويلًا
ليست كل امرأة صامتة ضعيفة.
وليست كل فرصة تتكرر.
أما ليلى
فلم تخسر شيئًا.
بل ربحت نفسها.
انتهت.
حكايات محمد عبده

 

تم نسخ الرابط