في ليلة بارده

لمحة نيوز

في ليلة باردة تُركت طفلة على الطريق السريع، ومعها عملة صغيرة فقط لكن ما حدث بعد سنوات، كان أقسى بكثير.

تركني أبويا في محطة بنزين ومعايا جنيهين وقال
إنتي كبرتي خلاص ارجعي لوحدك 
بعد 18 سنة، دخلت فرح أخويا وأنا لابسة أسود، وحطيت الجنيهين على الترابيزة الرئيسية وساعتها الكل فهم إن العيلة المثالية دي كانت مخبية حاجة مرعبة.

بالجنيهين دول ترجعي يا دينا ولو معرفتيش، تبقي تتعلمي الأدب.
قالها أبويا، حسام العطار، وهو حاطط العملة في إيدي، قبل ما يركب عربيته ويمشي كأنه رمى حاجة مالهاش قيمة مش بنته.
كنت عندي 14 سنة.
كنا في محطة بنزين على طريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي، قريب من وادي النطرون. كانت ليلة شتوية قاسية الهوا بيعدي من الهدوم، والعربيات النقل بتهز الأرض حواليكي. كنت لابسة هدوم المدرسة تحت سويت شيرت رمادي، ومعايا شنطة فيها كشكولين وسندوتش مهروس أمي ادتهولي من غير حتى ما تبصلي.
كنا ساكنين في شبرا.
أبويا بيشتغل في التأمينات، ودايمًا بيقول إنه راجل عنده مبادئ.
أمي، سناء، كانت من النوع اللي تفضل السكوت على المواجهة.
وأخويا الكبير، أحمد، كان الابن المثالي شاطر، هدومه مكوية، وابتسامة مؤدبة قدام الناس لكن قاسي بطريقة صغيرة ومستمرة لما محدش يكون شايفه.
الليلة دي كنا راجعين من زيارة قريبة تعبانة في الإسكندرية. كنت قاعدة ورا جنب الشباك، مرهقة. أحمد خد دفتري من الشنطة وبدأ يقراه بصوت عالي، وهو بيضحك على صفحة كنت كاتبة فيها إني عايزة أدرس علم نفس علشان أساعد بنات زيي.
قال بسخرية
بصي بقى منقذة الغلابة!
شدّيت الدفتر منه. زقني بكوعه. قلتله إني زهقت من إنه دايمًا بيتشجع على قلة أدبه.
أبويا زعق وطّي صوتك!
وأمي قالت من غير ما تبصلي
يا دينا، ما تستفزيش أخوكي إنتي عارفة طبعه.
ساعتها حاجة جوايا اتكسرت.
قلت
أنا مش بستفزه أنا بس عايزة مرة واحدة تدافعوا عني.
العربية فرملت جامد راسي كانت هتخبط في الكرسي. أبويا دخل على محطة البنزين، فتح الباب، شدني من دراعي. افتكرت إنه هيخليني أعتذر قدامهم لكن نزلني، حط الجنيهين في إيدي، وقفّل الباب.
إنتي كبرتي ارجعي لوحدك.
أمي بصّت قدامها ولا كلمة.
أحمد ابتسم من ورا الإزاز.
جريت ورا العربية وهي ماشية
يا ماما لو سمحتي!
ما وقفوش.
فضلت واقفة تحت نور لافتة كبيرة، قابضة على العملة حاسة إن لو سبتها، هفقد آخر دليل إن اللي حصل ده حقيقي.
ماكانش معايا موبايل. مش عارفة أكلم مين.
المكان كله كان مرعب.
قضيت الليل قاعدة بين حيطة وصناديق فاضية. عامل عرض عليّ أدخل، بس كسفت أقول إن أهلي سابوني. في السن ده الواحد بيفتكر إن العيب عليه.
كل ما عربية بيضا تدخل، كنت أقوم أفتكرهم رجعوا
بس ما رجعوش.
الصبح، ست كانت بتبيع فطار اسمها أم محمود لاحظتني. جابتلي شاي سخن وخلتني أتكلم. بعدها كلمت المدرسة من رقم لقيته في دفتري.
أبويا جه بعد 4 ساعات. وشه كان جامد كأني أنا اللي غلطانة.
في الطريق ما سألش لو حد أذاني.
ما حضنيش.
ما قالش آسف.
بس قال
يمكن كده تتربي شوية.
يومها فهمت إن ممكن عيلة ترميك في الشارع وبرضه تطلب منك لما ترجعي البيت تغسلي طبقك وتسكتي.

على مدار 18 سنة، احتفظت بالجنيهين في كيس صغير جوه محفظتي.
مش علشان حقد زي ما أمي كانت بتقول.
احتفظت بيهم علشان هما كانوا الدليل الوحيد إن خوفي كان حقيقي مش دراما.

وبعد 18 سنة دخلت فرح أحمد في فيلا فخمة على النيل في المعادي، لابسة أسود
والكل بيضحك كأنهم عمرهم ما سابوا بنت على الطريق.
ولما حطيت إيدي في الشنطة ولمست الجنيهين
كنت عارفة إن محدش متخيل اللي هيحصل بعد كده.

إنت كنت هتعمل إيه لو عيلتك أنكرت حاجة غيّرت حياتك؟
الجزء التاني الليلة اللي الحقيقة فيها قررت تظهر، حتى لو الكل كان بيهرب منها.

دخلت القاعة بخطوات ثابتة رغم إن قلبي كان بيدق بسرعة. النور، الموسيقى، الضحك كل حاجة كانت بتقول إن دي ليلة فرح عادية.
بس بالنسبة لي كانت ليلة حساب.
أحمد كان واقف في النص، لابس بدلة شيك، ماسك إيد عروسته وبيضحك للناس. نفس الابتسامة القديمة المؤدبة قدام الكل.
ولما عينه جت عليّ ابتسامته اختفت لثواني.
يمكن ما كانش متوقع إني أجي أصلاً.
قربت من الترابيزة الرئيسية بهدوء.
أمي كانت قاعدة جنب خالتي، بتضحك وبتتكلم كأن مفيش حاجة.
أبويا واقف مع المعازيم، بيحكي وبيهزر بنفس الثقة اللي عمرها ما اتكسرت.
حطيت الشنطة على الترابيزة وطلّعت الكيس الصغير.
فتحتُه ببطء وطلعت الجنيهين.
صوتهم وهم بيخبطوا في بعض كان خفيف
بس بالنسبة لي كان زي صوت انفجار.
حطيتهم قدام أحمد.
سكت وبصلي.
وقال بنبرة واطية
إيه الهبل ده؟
رفعت عيني وبصيتله
دول حق الرجوع فاكر؟
وشه اتشد.
أمي وقفت عن الكلام.
أبويا لفّ ناحية الصوت وبص علينا.
اللحظة اتجمدت.
قلت بهدوء، بس بصوت مسموع
18 سنة وأنا مستنية حد فيكم يقول إن اللي حصل غلط بس واضح إنكم نسيتوا. فقلت أفكّركم.
واحدة من القرايب سألت
هو إيه اللي حصل؟
أحمد حاول يضحك
مفيش شوية دراما قديمة كده.
ابتسمت نفس الابتسامة اللي كانوا بيكرهوها مني زمان.
آه دراما. زي الليلة اللي سبتوني فيها على الطريق وأنا عندي 14 سنة.
همهمة بدأت تنتشر.
أبويا قرب بسرعة وقال بحدة
مش وقته الكلام ده.
بصيتله بثبات
هو كان له وقت؟ لما سيبتني هناك؟
سكت لأول مرة.
أمي قامت وقالت بصوت مهزوز
يا دينا، عيب الناس كلها بتبص.
رديت بهدوء
ما أنا عايزاهم يبصوا.
وبعدين لفّيت للمعازيم
تحبوا تعرفوا العيلة المثالية دي عملت إيه؟
أحمد مسك دراعي
كفاية بقى!
بصيت لإيده وبعدين لعنيه
إنت أكتر واحد عارف أنا
 

تم نسخ الرابط