مراتي كل يومين
بني اسمعها... الموضوع مش زي ما أنت فاهم.
بص لها حتى إنتي يا أمي؟ كل مرة حد يقولي اسمع قبل ما أحكم... طيب إمتى أنا هعرف الحقيقة كاملة؟
نزلت الأم دمعة وقالت أنا غلطت إني سكت.
غادة مسحت دموعها وقالت أنا كنت في وقت صعب... ولما عرفت إني حامل كنت تايهة. خالد أخويا هو اللي ضغط عليا إني أخبي عليك لحد ما يتم الجواز.
محمود ركز معها خالد؟
هزت رأسها آه... هو اللي قال إنك لو عرفت ممكن تسيبني، وإن الحل الوحيد إننا نتجوز الأول.
محمود افتكر التسجيل الصوتي.
وطب اتفاقه مع أمي؟
سكتت غادة.
وهنا أمه قالت خالد جه لي وقال إن لازم أضمن إن ابني ما يسيبش مراته وطفله، وإن الورق ده مجرد ضمان.
محمود بص للورق مرة تانية.
ثم قال يعني كل واحد كان بيحاول يحمي نفسه... وأنا كنت آخر واحد يعرف.
لم يرد أحد.
فجأة رن هاتف غادة.
نظرت للشاشة، واتغير وجهها.
محمود لاحظ.
مين؟
قالت بتوتر خالد.
مد إيده هاتي الموبايل.
ترددت.
فقال لو مفيش حاجة تخبيها... هاتي.
بعد لحظة أعطته الهاتف.
فتح محمود الرسالة الأخيرة.
وكانت من خالد
إحنا لازم نتقابل النهارده قبل ما محمود يعرف باقي الحقيقة... لأن لو عرف إن الطفل مش...
توقف محمود عن القراءة.
عيناه اتسعتا.
رفع رأسه ببطء ناحية غادة.
مش إيه يا غادة؟
ولأول مرة...
غادة لم تستطع أن تنطق بكلمة محمود فضل باصص للموبايل، وصوت دقات قلبه كان أعلى من أي صوت في الشقة.
مش إيه يا غادة؟
غادة فتحت بؤها تتكلم... لكن الكلمات ما طلعتش.
قال محمود بصوت مكسور ردي عليا... الرسالة دي معناها إيه؟
أمه قربت منه بسرعة يا بني اهدا، ممكن يكون في تفسير تاني.
لف لها تفسير تاني؟ أنا بقيت مش عارف أصدق مين!
غادة انهارت على الكرسي، وحطت إيديها على وشها.
أنا كنت هقولك... والله كنت هقولك.
محمود قرب منها تقوليلي إيه؟ إن في حاجة تخص ابني وأنا آخر واحد أعرفها؟
رفعت عينيها وهي تبكي الطفل ابنك يا محمود.
سكت لحظة.
لكن ملامحها ما طمنتوش.
قال إذن كملي الرسالة... خالد كان هيقول إيه؟
غادة بصت بعيد.
وهنا فهم محمود إن سكوتها أخطر من أي إجابة.
قال خالد كان عارف إيه؟
في اللحظة دي، سمعوا صوت خبط شديد على الباب.
الكل بص ناحية الباب.
ثواني...
والباب اتفتح.
كان خالد واقف.
ملامحه كانت متوترة، وكأنه كان عارف إن اللحظة دي هتيجي.
محمود بص له بغضب جيت في وقتك يا خالد.
خالد حاول يضحك إيه اللي حصل؟
رفع محمود الموبايل قدامه إنت هتقولي إيه اللي حصل.
أول ما خالد شاف الرسالة، اتغير وشه.
قال بسرعة محمود اسمعني...
قاطعه أنا سمعت كتير... دلوقتي عايز الحقيقة.
خالد دخل وقفل الباب وراه.
بص لغادة وقال إنتي كنتي هتقولي له؟
محمود اتجمد.
يعني في حاجة فعلًا؟
خالد سكت.
ثم قال أنا كنت بحاول أحمي أختي.
رد محمود من مين؟ مني؟
خالد هز رأسه لا... من اللي كان ممكن يحصل لو عرفت وقتها.
اقترب محمود منه قول.
خالد أخذ نفسًا عميقًا وقال
قبل جوازكم بأيام... حصل موقف غيّر كل حاجة.
سكت لحظة.
والحقيقة إن الشخص اللي كان سبب في كل الخلافات اللي حصلت بينك وبين غادة... مش أمك ولا غادة.
محمود عقد حاجبيه أمال مين؟
خالد نظر ناحية الأم...
ثم قال جملة جعلت الجميع يصمت
الشخص اللي بدأ الموضوع كله... كان حد من عيلتك أنت محمود حس إن الكلام نزل عليه زي الصدمة.
حد من عيلتي أنا؟!
بص حوالين المكان، كأنه بيدور على الإجابة في وشوشهم.
مين يا خالد؟ انطق.
خالد تردد.
أمه قالت بقلق يا خالد... كفاية لحد هنا.
لكن محمود انفجر لا يا أمي، مش كفاية! أنا عشت شهور وأنا شايل ذنب ناس تانية، وكل واحد مخبي عني جزء من الحقيقة!
خالد بص للأرض وقال أنا ما كنتش عايز أوصل الموضوع لكده... بس خلاص.
ثم رفع عينه وقال
اللي كلم غادة قبل الجواز... كان عمك.
محمود اتجمد.
عمي؟! ليه؟
خالد قال كان خايف إن الجواز ده يحصل.
غادة بدأت تبكي بصمت.
محمود لف ناحيتها وإنتي كنتي تعرفي؟
هزت رأسها عرفت بعدين.
عرفتي إيه؟
قالت عرفت إنه كان بيحاول يقنعني إنك مش جاهز للجواز، وإنك هتتعبني، وإن أمك هتتحكم في حياتنا.
محمود بدأ يربط الأحداث.
الكلام اللي كان بيسمعه من غادة... والخوف اللي كان شايفه في عيون أمه... والخلافات اللي بدأت من أول يوم...
كلها كانت حلقات في نفس السلسلة.
قال يعني عمّي كان بيحاول يبوّظ الجواز؟
خالد هز رأسه مش بس كده.
سكت.
محمود قرب منه فيه إيه تاني؟
خالد قال كان عايز الشقة.
ساد الصمت.
محمود ضحك بذهول الشقة؟
قال خالد أيوه... كان عارف إن البيت ده هيبقى ليك بعد أمك وأبوك، وكان شايف إن جوازك هيقفل الباب ده.
محمود بص لأمه.
وعشان كده إنتي كنتي خايفة؟
أمه أومأت أنا كنت حاسة إن في حد بيلعب من بعيد... بس ما كنتش عايزة أتهم حد من غير دليل.
غادة مسحت دموعها وقالت وأنا غلطت إني صدقت كلامه... وغلطت أكتر إني استخدمت خوفك من أمك عشان أحمي نفسي.
محمود فضل ساكت.
كان غاضبًا من غادة... ومن عمه... ومن نفسه لأنه صدق نصف الحكايات.
لكن فجأة رن جرس الباب مرة تانية.
الجميع التفت.
دخل رجل يحمل ظرفًا كبيرًا.
قال مين محمود؟
رد محمود أنا.
مد له الظرف وقال ده كان متساب عندي من فترة... وقالوا لي أوصله لك لو حصلت مشكلة في البيت.
محمود أخذه ببطء.
نظر إلى الاسم المكتوب عليه...
واتغير وجهه.
لأن الظرف كان مكتوب عليه
من والدك... قبل وفاته.
ولأول مرة منذ بداية الحكاية...
محمود شعر أن السر الحقيقي لم يبدأ بعد محمود فضل واقف مكانه، ماسك الظرف وكأنه ماسك مفتاح لحاجة أكبر من كل اللي حصل.
إيده كانت بتترعش.
من أبويا؟
أمه أول ما سمعت الجملة، وشها اتغير.
قربت منه وقالت يا محمود... الظرف ده كان مع مين؟
الرجل قال أنا كنت شغال مع والدك زمان. هو اداني الظرف ده قبل وفاته وقال لي ما تسلموش لمحمود غير لما يحس إن في حاجة في حياته مش واضحة.
محمود بص للظرف.
وليه ما اديتهوشولي وقتها؟
رد الرجل لأن أبوك قال لي ابني لازم يفتحه في الوقت اللي يبقى فيه محتاج يعرف الحقيقة بنفسه.
ثم مشي.
محمود قفل الباب ببطء.
الكل كان ساكت.
حتى غادة اللي كانت طول الوقت بتدافع عن نفسها، بقت مشدودة وهي مستنية.
فتح الظرف.
طلع منه جواب قديم.
بدأ يقرأ...
ابني محمود...
توقفت عينه عند أول سطر.
لو أنت بتقرأ الرسالة دي، يبقى غالبًا حصلت خلافات بينك وبين أمك أو زوجتك... وأنا عارف إنك هتكون محتار ومش عارف تصدق مين.
محمود رفع عينه ناحية أمه وغادة.
ثم كمل
عايزك تعرف إن أكبر غلطة ممكن يعملها الإنسان إنه يحكم على الناس من كلام غيرهم.
سكت لحظة.
ثم قلب الورقة.
وكان في آخرها سطر واحد مكتوب بخط واضح
قبل ما تلوم أمك... اسألها عن اليوم اللي رجعت فيه من المستشفى بعد ولادتك.
محمود اتجمد.
بص لأمه.
ولادتي؟
الأم بدأت دموعها تنزل.
قالت يا بني...
لكن محمود قاطعها لا... المرة دي مفيش سكوت.
غادة كانت تنظر لأمه باستغراب.
هو في إيه؟
أمه جلست ببطء وقالت في حاجة عمرك ما عرفتها.
اقترب محمود.
إيه هي؟
أخذت الأم نفسًا عميقًا وقالت
بعد ولادتك... حصل موقف خلاني أخاف أخسرك طول عمري.
محمود شعر بقشعريرة.
أخسرني؟ يعني إيه؟
نظرت له أمه وقالت
لأن في اليوم ده... أبوك اكتشف إن في حد من العيلة حاول ياخدك مني.
سكت الجميع.
وغادة همست يا نهار أبيض...
لكن محمود لم يكن يسمع إلا صوت أمه وهي تكمل
والشخص اللي حاول يعمل كده...
توقفت.
ونظرت ناحية الباب.
ثم قالت
هو نفس الشخص اللي كان بيحاول يفرق بينك وبين مراتك دلوقتي.
محمود فتح عينيه بصدمة.
عمي؟
لكن أمه هزت رأسها ببطء.
لا يا محمود...
مش عمك.
الشخص ده... أقرب مما تتخيل سكت المكان كله...
محمود حس إن كل حاجة كان فاكرها ثابتة بدأت تهتز.
أقرب مما أتخيل؟ يعني مين يا أمي؟
أمه بصت له بعينين مليانين خوف.
يا ابني... أنا كنت مستنية اليوم ده من سنين.
محمود قرب منها مستنية إيه؟ إن حياتي كلها تبقى أسرار؟
هزت رأسها بحزن كنت مستنية إن الحقيقة تظهر من غير ما أخسر حد.
غادة كانت واقفة بعيد، لأول مرة مش عارفة تتدخل.
قالت بصوت ضعيف محمود... أنا حاسة إن الموضوع أكبر من موضوعي وموضوع أمك.
رد عليها هو فعلًا أكبر... لأن واضح إن في ناس كانت بتحرك حياتنا من ورا الستار.
أمه فتحت درج صغير في غرفتها، وأخرجت صورة قديمة.
ناولتها له.
محمود بص للصورة...
كانت صورة عائلية قديمة، فيها هو طفل صغير، وأمه وأبوه، وشخص رابع واقف جنبهم.
شخص يعرفه.
اتغير وجهه.
لا...
أمه قالت أيوه يا محمود.
ده... خالي؟
هزت رأسها.
خالك كان أكتر شخص أبوك وثق فيه.
محمود قرب الصورة منه إيه علاقته بكل ده؟
أمه قالت بعد وفاة أبوك، اكتشفت إن في حاجات حصلت وأنا ما كنتش فاهمة سببها.
زي إيه؟
تنهدت زي إن خالك كان دايمًا يحاول يعرف كل تفاصيل حياتنا... فلوسنا... أملاكنا... وحتى تفاصيل جوازك.
محمود بدأ يفتكر.
فعلاً... كان خاله دائمًا يسأل أسئلة كثيرة.
لكن السؤال الأهم كان
ليه يعمل كده؟
أمه لم ترد.
بدلًا من ذلك، أخرجت ورقة أخرى من نفس الدرج.
وقالت لأن الورقة دي هي السبب الحقيقي.
فتحها محمود.
كانت ورقة من مكتب محاماة.
قرأ أول سطر...
ثم تغيرت ملامحه.
إيه ده؟
غادة قربت في إيه؟
محمود لم يرد.
كان يقرأ جملة واحدة فقط
في حالة وفاة محمود الأب... تنتقل الوصاية على ممتلكات ابنه القاصر إلى...
وتحتها كان اسم الشخص مكتوبًا.
رفع محمود عينه ببطء.
أمي...
قالت وهي تبكي
أنا ما كنتش عايزة أقولك.
لأن الشخص اللي كان المفروض يحميك...
هو نفسه الشخص اللي كان بيحاول يسيطر على حياتك.
وفي اللحظة دي، رن هاتف محمود.
نظر للشاشة...
وكان الاتصال من اسم لم يظهر أمامه منذ سنوات.
خاله.
محمود نظر للجميع...
ثم ضغط زر الرد.
ألو؟
جاءه صوت خاله هادئًا
كنت عارف إن اليوم ده هييجي يا محمود...
بس قبل ما تسمع أي كلام من أمك أو مراتك...
لازم تعرف إنهم مخبيين عليك الحقيقة الأكبر.
سكت محمود.
ثم قال
إيه الحقيقة؟
رد خاله
الحقيقة إن جوازك من غادة... ما كانش صدفة من البداية محمود اتجمد وهو ماسك التليفون.
يعني إيه جوازي من غادة ما كانش صدفة؟
ضحكة خفيفة جت من الناحية التانية.
صوت خاله كان هادي بشكل مستفز يعني إن في ناس رتبت حاجات كتير قبل ما أنت تعرف حتى إن غادة هتبقى مراتك.
محمود قبض على إيده.
إنت بتتكلم عن مين؟
سكت خاله لحظة، ثم قال عن أمك... وعن أهل غادة.
بص محمود لأمه بسرعة.
كانت واقفة مكانها وملامحها متوترة.
قال إنت بتكدب.
رد خاله كنت عارف إنك هتقول كده، عشان كده عندي دليل.
محمود سكت.
دليل إيه؟
قال خاله فاكر أول مرة شوفت غادة؟
محمود حاول يفتكر.
في مناسبة عند قرايبنا.
ضحك خاله لا يا محمود... أول مرة شوفتها كانت قبلها بشهور.
محمود عقد حاجبيه.
إنت بتقول إيه؟
رد خاله أنا اللي عرفت أمك على أهلها. وأنا اللي قربت بين العيلتين.
غادة رفعت عينيها بصدمة.
إنت؟
خاله كمل لأن كان عندي سبب.
محمود قال سبب إيه؟
جاء الرد ببطء
كنت عايز أتأكد إنك تفضل قريب مني... وقريب من العيلة.
محمود شعر أن الكلام غير منطقي.
يعني جوزتني عشان أبقى قريب منك؟
ضحك خاله مش بالظبط.
ثم قال جملة جعلت محمود يسكت
لأن أبوك قبل ما يموت كتب وصية... والوصية دي فيها حاجة تخصك.
محمود نظر لأمه.
وصية؟
أمه أغمضت عينيها، وكأنها كانت تخشى هذه اللحظة.
قال محمود ماما... كنتي عارفة؟
لم تجب.
فصرخ كنتِ عارفة؟!
قالت بصوت