كل ما انشر غسيلي

لمحة نيوز


بين الصور.
أنا انحنيت أخدها.
كانت ورقة صفراء، باين عليها إنها قديمة جدًا.
أول ما فتحتها، لقيت فيها أسماء وتواريخ... وتحتهم توقيع.
لكن الاسم المكتوب تحت التوقيع خلّى أبو جوزي ينهار على الكرسي وهو بيقول
خلاص... مفيش فايدة من الإنكار.
في اللحظة دي، الكل حس إن السر الحقيقي لسه ما اتقالش... وإن اللي حصل مع الغسيل والهدوم المسروقة كان مجرد بداية لسلسلة أسرار أكبر بكتير.
يتبع...أبو جوزي رفع راسه بعد دقائق من الصمت، وقال بصوت مكسور
خلاص... هقول كل حاجة.
حماتي صرخت فيه
إوعى! لو اتكلمت هتخرب البيت.
رد عليها وهو بيهز راسه
البيت اتخرب من زمان... من يوم ما بدأنا نخبي ونكدب.
كل اللي قاعدين سكتوا.
جوزي قرب من أبوه وقال
أنا مش عايز ألغاز... قول الحقيقة.
أبوه أخد نفس طويل وقال
أمك من سنين كان عندها هوس غريب... كانت بتاخد أي حاجة تعجبها وتخبيها. في الأول افتكرنا إنها عادة وهتروح، لكن الموضوع كبر.
بص ناحيتي وقال
أول مرة كانت مع جارتي... خدت منها طقم فناجين. بعدها بقت تخبي هدوم، هدايا، فلوس... وكل مرة تلاقي مبرر.
أنا افتكرت كل حاجة كانت بتختفي من بيتي.
الملايات...
الهدوم...
الظرف اللي فيه الإيجار...
حتى السلسلة اللي كنت بدور عليها.
أبو جوزي كمل
أنا كنت برجع الحاجات لأصحابها في السر لما أقدر... ولما مقدرش، كنت بدفع تمنها من غير ما حد يعرف.
جوزي بص لأمه والدموع في عينه وقال
يعني كل السنين دي... كنتِ بتتهمي مراتي بالإهمال، وإنتِ السبب؟
حماتي انهارت في البكاء، وقالت بصوت متقطع
كنت... بحس إني لازم أخد الحاجة... وبعدها أندم... بس معرفش أرجعها.
الكل سكت.
حتى بنتها كانت بتعيط.
وفجأة... افتكرت حاجة.
قلت
استنوا... لو ده صحيح...
جريت على الشنطة التالتة، وقلبت الورق اللي فيها.
وفي آخرها لقيت كيس صغير مقفول.
فتحته...
ولقيت جواه السلسلة الدهب بتاعة أمي...
لكن تحتها كان فيه مفتاح صغير مربوط بورقة مكتوب عليها بخط حماتي
لو حد عرف يفتح المخزن القديم... هيعرف إن دي مش كل الحاجات.
القاعة اتجمدت.
جوزي رفع المفتاح بإيده، وبص لأبوه وقال
مخزن إيه؟
أبوه غمض عينه وقال
المخزن اللي مقفول بقاله أكتر من خمس عشرة سنة... واللي أمك كانت رافضة أي حد يدخله.
وساعتها... الكل لف يبص ناحية باب المخزن في آخر الطرقة، والهدوء كان مرعب... لأن محدش كان يعرف إيه اللي مستنيهم وراه.
يتبع...جوزي مسك المفتاح، وبص للمخزن آخر الطرقة.
قال بهدوء
النهارده... الباب ده هيتفتح.
حماتي جريت وقفت قدامه، وهي بتبكي
والنبي يا ابني... سيبه مقفول.
لكن المرة دي، محدش سمع كلامها.
راح للمخزن، ودخل المفتاح في القفل.
القفل كان مصدي، وفضل يحاول كذا مرة...
وفجأة...
تك!
الباب اتفتح.
ريحة تراب وخشب قديم خرجت من المكان.
نور المخزن كان مطفي، فأخو جوزي شغل كشاف الموبايل.
أول ما النور لف في الأوضة...
الكل اتجمد.
كان فيه رفوف من أول الأرض لحد السقف.
وعلى كل رف كراتين وصناديق، وكل واحدة مكتوب عليها ورقة صغيرة
هدوم.
ذهب.
هدايا.
مستندات.
لحد ما أرجعها.
أنا حسيت بقشعريرة.
جوزي فتح أول كرتونة.
كانت مليانة هدوم أطفال جديدة، لسه بتكتها.
بعدها فتح التانية...
طلع منها ساعات، محافظ، وعطور.
كل دقيقة كان حد من الموجودين يصرخ
دي بتاعتي!
وده الطقم اللي اختفى مني!
يا الله... دي الشبكة اللي ضاعت من أختي!
في أقل من عشر دقايق، المخزن بقى عامل زي معرض للحاجات المفقودة.
حماتي كانت قاعدة على الأرض، منهارة، ومش قادرة تبص في وش حد.
وفجأة...
أبو جوزي شاور على دولاب حديد صغير في آخر المخزن، وقال
أنا... عمري ما عرفت أفتحه.
جوزي قرب منه.
الغريب إن المفتاح اللي فتح باب المخزن ما رضيش يفتح الدولاب.
لكن كان فيه ظرف لاصقه عليه.
فتح الظرف.
كان جواه مفتاح تاني، ومعاه ورقة بخط حماتي.
قرأها بصوت عالي
لو وصلتوا للدولاب ده... يبقى خلاص، كل الأسرار القديمة طلعت. لكن اللي جواه هو السر الوحيد اللي كنت مستعدة أخسره... وماكنتش مستعدة أخسر ولادي بسببه.
سادت لحظة صمت.
جوزي حط المفتاح في الدولاب...
ولفّه ببطء.
وصوت فتح القفل دوّى في المخزن كله...
ثم فتح الباب الحديدي ببطء...
وأول ما شاف اللي جواه، رجع خطوة لورا وهو بيقول بصوت مخنوق
لا... مستحيل...
ثم بص ناحيتي وقال
اقفلي الباب... محدش يشوف ده دلوقتي.
يتبع...بعد أسبوعين، البيت كان هادي لأول مرة من سنين.
الحاجات رجعت لأصحابها، وكل يوم كان حد يخبط على الباب يستلم حاجة كان فاكرها ضاعت للأبد.
الغريب إن أغلب الناس، لما عرفوا الحقيقة، ما شتموش حماتي...
كانوا مصدومين أكتر من أي حاجة.
وفي يوم، وإحنا بننضف آخر رف في المخزن، لقيت صندوق كرتون صغير مكتوب عليه
ما يتفتحش إلا لو مرات ابني لقيته.
بصيت لجوزي باستغراب.
قال
افتحيه.
فتحت الصندوق.
كان فيه ظرف باسمي.
ولما فتحته، لقيت رسالة بخط حماتي.
بدأت أقرأ
لو إنتِ اللي بتقري الرسالة دي، يبقى أكيد الحقيقة كلها بانت. أنا ظلمتك، واتهمتك بالإهمال، وخليت ابني يقف ضدك، وكل ده وأنا عارفة إنك بريئة.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
الرسالة كملت
مش بطلب منك تسامحيني... لأن اللي عملته ما يتسامحش بسهولة. بطلب منك حاجة واحدة... خلي ابني ما يكرهنيش.
سكت شوية.
ولقيت تحت الرسالة مفتاح صغير، وإيصال بنك.
جوزي أخد الإيصال، وبص فيه باستغراب.
كان باسم حماتي.
وفيه مبلغ كبير جدًا.
قال
المبلغ ده إيه؟
أبو جوزي ابتسم لأول مرة وقال
دي فلوسها... كانت بتحوشها من معاشها ومن شغلها القديم.
قلبنا الورقة.
ولقينا مكتوب بخطها
الفلوس دي هدية لأول حفيد يتولد في العيلة... لأني عارفة إن يمكن ما ألحقش أشوفه.
في اللحظة دي، حتى جوزي مقدرش يمنع دموعه.
راح حضن أمه، وقال
غلطاتك كبيرة... لكن علاجها يبدأ بالاعتراف، وإحنا هنساعدك.
حماتي بكت لأول مرة من غير ما تبرر، وقالت
أنا مستعدة أبدأ من جديد.
ومن يومها، بقت تروح جلسات العلاج بانتظام، ومع الوقت بدأت تستعيد ثقة العيلة واحدة واحدة.
أما أنا...
فعمري ما نسيت اللي حصل، لكني اتعلمت إن في ناس بتغلط بقصد، وناس بتغلط لأنها مريضة... والفرق بينهم إن المريض لازم يعترف ويتعالج، مش يفضل يأذي اللي حواليه.
جريت ناحيته وأنا بقول
فيه إيه؟
لكنه فضل واقف قدام الدولاب، كأنه بيحاول يستوعب اللي شايفه.
أخو جوزي زقه برفق وقال
وسع... خلينا نشوف.
بص جوه... واتصدم هو كمان.
بعدها أبو جوزي قرب، وأول ما وقعت عينه على محتويات الدولاب، قعد على أقرب كرسي وهو بيتمتم
يا ساتر... كانت مخبية ده كله؟
أنا مقدرتش أستحمل الفضول، وبصيت.
لقيت ملفات قديمة، وعقود، وإيصالات، وصندوق خشب صغير.
جوزي فتح الصندوق.
كان جواه كل المصوغات الذهب اللي العيلة كانت فاكرة إنها ضاعت على مدار سنين.
كل قطعة ملفوفة في منديل، ومعاها ورقة صغيرة مكتوب عليها اسم صاحبتها وتاريخ اختفائها.
خالته شهقت وقالت
دي غويشاتي... اختفوا من عشر سنين!
وعمته قالت
وده خاتم جوازي... كنت فاكرة الخدامة خدته!
كل واحد بدأ يلاقي حاجة تخصه.
أما أنا... فطلعت علبة مخمل زرقا.
فتحتها بإيد مرتعشة.
لقيت فيها السلسلة اللي أمي الله يرحمها كانت جايباهالي، والخاتم اللي فضلت أدور عليه شهور.
حضنتهم وأنا بعيط.
حماتي كانت منهارة، وقالت بصوت مكسور
كنت كل مرة أقول هرجعهم... وكل مرة أخاف من الفضيحة.
سكت الكل.
جوزي أخد نفس عميق وقال
إحنا هنرجع كل حاجة لأصحابها... وكل واحد يعرف حقه.
وبدأت العيلة تفرز الحاجات، وتتصل بأصحابها، والبيت اتحول من مكان مليان شك وخناقات إلى مكان بيحاول يصلح أخطاء سنين.
أما حماتي... فوافقت أخيرًا إنها تتعالج، بعدما اعترفت قدام الكل إن اللي كانت بتعمله خرج عن سيطرتها، وإنها محتاجة مساعدة.
وبكده بدأت صفحة جديدة للعيلة، بعد ما الحقيقة ظهرت، والحقوق رجعت لأصحابها حماتي فضلت باصة للست، وشفايفها بتترعش.
قالت بصوت واطي
إنتي... عرفتي منين؟
الست طلعت نفس طويل وقالت
لأن بنتي قبل ما تموت قالتلي
 

تم نسخ الرابط