خدامة في بيت عائلة جوزي ج١ بقلم منى السيد
بيشرب قهوته...وبيمسك موبايله.
وقال بمنتهى الرضا:
"كانت سهرة جميلة... الناس كلها انبسطت."
بصيت لإيديا اللي كانت لسه بتوجعني.
وضهري اللي كان هيتكسر من التعب.
وما سمعتش كلمة شكر واحدة.
لكن...زي كل مرة...سكت وووو......
#حكايات_مني_السيـد
خرجت من المطبخ وأنا شايلة حلتين كبار، ضهري كان حاسس إنه بيتقسم نصين من شيل وصحبة. وبصيت لأحمد اللي قاعد متستف في القعدة، لابس جلابيته المظبوطة وبيضحك مع عم جابر وصحابه، كأنه هو اللي واقف على رجله طول اليوم يبكّت في الأكل.
قربت من السفرة وأنا ركبي بتخبط في بعضها من المجهود، وقبل ما أحط الصحون، أحمد بصلي من طرف عينه، وكأنه بيديني أمر مش مباشر، وقال بصوت عالي قدام الكل عشان يثبت إنه سي السيد:
"هاتي العيش السخن يا سعاد، ومتنسيش القهوة المظبوطة لعمك جابر بعد الأكل، ووصي على السكر شوية."
الكلمات طلعت منه بسلاسة، كأنه بيكلم شغالة أجرها مدفوع مقدماً، مش ست بيته اللي متجوزها من سنين ومفروض يشيل عنها الفتلة. بصيت في وشوش العشرين واحد اللي قاعدين، ناس بتاكل وبتمسح إيديها في الفوط، وناس بتتفرج عليا بفضول. في اللحظة دي، حست بدمي بيفور، كأن كل الـ 12 سنة اللي فاتت من التعب والسكوت اجمعت كلها في كلمة واحدة محشورة في زوري.
نزلت الصواني على السفرة برزعة خفيفة خلت الكاسات ترن. أحمد بصلي باستغراب، حواجبة اتعقدت كأنه بيقولي "إيه اللي بتعمليه ده؟".
وقفت بطولي، مسحت إيديا في المريلة اللي كنت لابسها، وبصيت له بثبات في عينه وقلت بصوت واضح يسمعه أبعد واحد قاعد على الترابيزة:
"إنـت اللـي عزمتهـم؟ يبقـى إنـت اللـي هتخـدمهم..."
السكوت نزل على الأوضة زي الصاعقة. حركة المعالق وقفت، وعم جابر سكت في نص الجملة اللي كان بيقولها. أمه بصتلي بصدمة وعينيها طلعت لبرة، كأني ضربت ابنها بالكرباج قدام الناس.
أحمد وشه جاب ألوان. خط الشغف والضحك اتعفرت من على وشه في ثانية، وبقى حيطة سد. تحس إنه مش مستوعب إن سعاد، المهندسة الهادية اللي بتسمع الكلام وبتمشي جنب الحيط، بتقول الكلام ده قدام صحابه وأهله.
حاول ينقذ ما يمكن إنقاذه، ابتسم ابتسامة صفرا ومزيفة، وقال بصوت محشرج:
"سعاد بتتكلم بتهزر يا جماعة... تعبانه بس من وقفة المطبخ."
رديت عليه ببرود تام وأنا بشيل المريلة من عليا وبفك رباطها:
"لا يا أحمد، مش بهزر. أنا تعبت. إنت اللي عزمت عشرين بني آدم في يومين، وإنت اللي قعدت ترحب وتضحك من غير ما تمد إيدك تشيل كوباية مية. المطبخ جوة فيه الشاي والقهوة والحلويات، إيدك معاك والأطباق على الرخامة. اللي عايز حاجة يتفضل يساعدك."
رميت المريلة على الكرسي الفاضي جنب السفرة، ولفيت ضهري ومشيت ناحية أوضة النوم.
سمعت شهقة أمه وهي بتقول: "جرى إيه يا سعاد! إيه القلة الأدب دي؟!"
وسمعت أحمد بيقوم من على الكرسي بسرعة، كراسيه اتحركت باحتكاك جامد مع الأرض، وصوته المكتوم جالي من ورايا:
"سعاد! تعالي هنا أنتِ اتجننتِ ولا إيه؟!"
ما ردتش عليه ولا بكلمة. دخلت الأوضة وقفلت الباب بالمفتاح. قعدت على طرف السرير وأنا جسمي كله بيموت من الرعشة. مش خوف منه، لا... ده كان اندفاع الدم بعد كبت سنين طويلة. كل حصر كميات عملته في شغلي، وكل جدول حسابات عملته، كان أسهل ألف مرة من الحسبة المعكوسة اللي كنت عايشة فيها مع أحمد.
سمعت صوت خبط جامد على الباب.
"افتحي يا سعاد! افتحي بدل ما أكسر الباب ده على دماغك! قدام الناس تفضحيني كده؟!"
صرخ بكلماته وهو بيحاول يمسك أعصابه عشان الناس اللي برة.
رديت عليه من جوة بصوت واطي بس صارم:
"لو كسرته يا أحمد، هطلع ألم باقي حاجتي وأمشي على بيت أهلي فوراً، وساعتها كمل العزومة لوحدك واغسل المواعين اللي جوة بنفسك."
الخبط وقف. سمعت نفسه العالي ورا الباب. هو عارف إني مش بهزر، وعارف إن لو مشيت بجد، هيبقى في موقف أعفن قدام أهله وصحابه.
سمعته بيمشي بخطوات سريعة وغاضبة ناحية الريسبشن. حطيت ودني على الباب عشان أسمع اللي بيحصل برة.
صوت الهمهمات كان عالي. أمه كانت بتتكلم بصوت جهوري:
"شايف مرتك؟ شايف اللي مربيها؟ تسيبك كده قدام صحابك؟! تقوم إنت تخدم على الناس؟"
عم جابر كان بيحاول يهدي الجو:
"خلاص يا أحمد يا ابني، حصل خير، الست تعبت برضه من الصبح، معلش..."
لكن أحمد كان اتحط في زاوية ماليهاش مخرج. لو طرد الناس هيبقى شكلها وحش، ولو ساب الأكل كده يبقى العزومة باظت. سمعت صوت هبد الصواني على السفرة، وصوت الكاسات وهي بتتزق. أحمد بدأ يتحرك في المطبخ بنفسه.
كنت قاعدة على السرير، قلبي بيدق بسرعة، بس حاسة براحة غريبة. لأول مرة من 12 سنة، ضهري مفرود ومفيش مريلة مطبخ ملفوفة حوالين وسطي.
ساعة... ساعتين... والهدوء بدأ يتسرب للبيت. الضيوف بدأوا يستأذنوا بدري. الأصوات اللي كانت طالعة بالضحك والهزار بقت مكتومة ومحروجة. الناس كانت بتسلم على أحمد بكلمات مقتضبة ويمشوا. كل واحد فاهم إن البيت فيه حريقة.
على الساعة واحدة بعد نص الليل، سمعت صوت باب الشقة بيتقفل. البيت بقى ساكت تماماً.
فجأة، سمعت خطوة أحمد قريبة من الباب. الخطوات كانت ثقيلة، كأنه شايل جبل على كتفه.
سمعت صوت المفتاح بيتلف في الباب من برة؟ لأ، ده بيحاول يفتح الباب المتقفول بالمفتاح من جوة.
طقطقت بالمفتاح وفتحت الباب ببطء.
كان واقف في الممر. القميص النضيف اللي كان لابسه بقى مبهدل، أكمامه مرفوعة لفوق، وعلى أكمامه بقعة صلصة طماطم. وشه كان أحمر من الغضب والتعب في نفس الوقت. إيديه كانت مبلولة رغوة صابون وريحتها زفرة.
بصلي بجمود، عيونه كانت فيها شرار، ونطق بصوت واطي بس ملغوم:
"مبسوطة كدة؟ فضحتيني قدام أمي وجابر والصحابة كلهم؟ خلتيني أقف أغسل المواعين وأصب الشاي زاي الشغالة؟"
ربعت إيديا وبصيتله ببرود:
"إنت ما كنتش شغالة يا أحمد. إنت كنت بتحس باللي أنا بحس بيه كل شهر من 12 سنة. إنت عملت في ليلة واحدة اللي أنا بعمله بقالي سنين وأنا ساكتة."
قرب مني خطوة، وصوته علي شوية:
"أنا راجل! أنا اللي بصرف على البيت ده! مش شغلي أقف في المطبخ أغسل أطباق وفطاير!"
ضحكت بكسرة، ضحكة خفيفة طالعة من قهر:
"أنا كمان بشتغل يا أحمد! أنا مهندسة وبصرف معاك في البيت ده قرش بقرش! شغلانة المطبخ والعزومات دي مش فرض عليا، دي كانت تفضل مني، وإنت اعتبرتها حق مكتسب. اعتبرت إن البيت ده مبني عشان عزوماتك ووجاهتك الاجتماعية على حساب صحتي ونفسيتي."
"يعني إيه؟" أحمد سأل وهو بيصز على سنانه، عروق رقبته كانت بارزة. "يعني خلاص؟ هتعيشي دور المظلومة وتلغي حياتنا عشان عزومة؟"
"لأ يا أحمد..." قلتها بوضوح وأنا بحط عيني في عينه. "مش عشان عزومة. عشان 100 عزومة فاتوا، وعشان العزومة الجاية اللي كنت ناوي تعملها الشهر الجاي من غير ما تسألني. الحياة دي لازم تتغير، يا إما مش هكمل فيها."
أحمد بصلي بذهول، كأنه أول مرة يشوف الست اللي عايشة معاه في نفس البيت. كان متعود إن سعاد بتزعل يومين وتسكت، تغسل المواعين وهي بتتحسر وترجع تبتسم تاني. بس المرة دي، نبرة صوتي كانت مختلفة.
سكت لفترة، يبص لإيديه المبلولة صابون، وبعدين يرجع يبصلي.
وفجأة... الموبايل بتاعه اللي كان في جيبه رن.
رنة الموبايل كسرت الهدوء القاتل اللي بيننا.
سحب الموبايل وبص في الشاشة. وشه اتغير تماماً.
كان اسم أمه بيلمع على الشاشة.
رد أحمد وصوته مكشر: "أيوة يا أمي..."
وفجأة، صوت أمه طلع من السماعة عالي وواضح، لدرجة إني سمعت كل كلمة وهي بتقول:
"سمعني كويس يا أحمد... لو الست دي فضلت في بيتك بعد اللي عملته النهارده، لا أنت ابني ولا أعرفك! تيجي بكرة الصبح تطلقها وترجعلي كرامتك اللي اتمسحت بالأرض!"
أحمد بصلي، وأنا فضلت واقفة مكاني، مستنية أمتدادت اللحظة دي، وأشوف هو هيختار إيه...