اتنين من ضباط المرور

لمحة نيوز


الكلبشات.
رد الظابط بتردد
يا فندم... الإجراءات...
قاطعه الرجل بنبرة أقوى
قلت فكها.
الظابط مد إيده ناحية مفتاح الكلبشات... لكنه تردد ثانية، كأنه مستني تعليمات من حد أعلى.
في نفس اللحظة، دوى صوت جهاز اللاسلكي مرة تانية.
الظابط فتحه بسرعة.
جاله صوت واضح وحازم
جميع الأفراد الموجودين على الطريق الزراعي... ممنوع اتخاذ أي إجراء إضافي لحين وصول القيادة المختصة للموقع... كرر، ممنوع اتخاذ أي إجراء إضافي.
أول ما انتهت الرسالة، وش الظابط الأول اصفر.
أما زميله، فبدأ يتلفت حواليه بعصبية.
الرجل ابتسم ابتسامة خفيفة لأول مرة وقال
يبدو إن في ناس جاية... وهما اللي هيقرروا الخطوة الجاية.
وقبل ما أي حد يرد...
ظهر في آخر الطريق موكب جديد، أكبر من الأول، يتقدمه عدد من السيارات الرسمية التي بدأت تقترب بسرعة، بينما تبادل الظابطان نظرات قلقة بعدما أدركا أن الساعات القادمة قد تغير مسار القضية بالكامل... دون أن يعرفا بالضبط من الذي سيترجل من السيارة الأولى الموكب وقف على بعد أمتار قليلة.
نزل منه عدد من المسؤولين بملابس رسمية، واتجهوا مباشرة ناحية مكان الواقعة.
الناس اللي كانت واقفة على الطريق بدأت تهمس
واضح إن الموضوع كبير... مين البنت دي؟
الظابط الأول أخد نفسًا عميقًا، وحاول يقف بثبات، لكن ارتباكه كان واضح.
أحد المسؤولين وصل للمكان، وبص على البنت وإيديها المتكلبشتين، ثم سأل بهدوء
مين المسؤول هنا؟
الظابط الأول رفع إيده وقال
أنا يا فندم.
رد المسؤول تمام... هاتلي سبب توقيفها.
بدأ الظابط يشرح بسرعة
اشتبهنا في...
قاطعه المسؤول معاك محضر إثبات؟ لا يا فندم.
معاك بلاغ؟ لا.
سجلت مخالفة مرورية؟ لا.
إذن على أي أساس تم استخدام القوة؟
ساد صمت ثقيل.
الظابط التاني حاول يتدخل
يا فندم... الموقف اتصعد لما بدأت تصور.
المسؤول رد بهدوء شديد
وهل ده يبرر تقييدها؟
لم يجد إجابة.
في تلك اللحظة، خرج شاب من بين المتجمعين وقال
يا فندم... أنا صورت من أول ما وقفوها، والفيديو عندي كامل.
رفع هاتفه أمام الجميع.
كل الأنظار اتجهت إليه.
المسؤول قال
احتفظ بالفيديو... محدش يحذفه، وهيتراجع ضمن التحقيق.
الظابطان تبادلا نظرات قلقة، بينما البنت كانت ما زالت صامتة.
بعدها التفت المسؤول إليها وقال باحترام
تحبي تقولي أي حاجة قبل ما نبدأ الإجراءات؟
ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت
هقول... لكن بعد ما تتفك الكلبشات الأول.
نظر المسؤول إلى الظابط الأول وقال بحزم
فكها... حالًا.
مد الظابط يده بمفتاح الكلبشات، وكانت أول مرة يرتعش فيها بهذا الشكل.
صدر صوت فتح الكلبشات، وسقطت من حول معصميها.
فركت يديها بهدوء، ثم أخرجت نفس الشيء الذي كان في جيبها مرة أخرى، ووضعته في يد المسؤول.
بمجرد أن رآه... تغيرت ملامحه، ثم رفع رأسه ونظر إليها باحترام واضح.
بعدها التفت إلى جميع الموجودين وقال
من هذه اللحظة... أي كلمة هتتقال أو أي إجراء هيتم، لازم يتسجل رسميًا.
الجميع شعر أن القضية أكبر بكثير مما كانوا يتخيلون.
أما البنت... فاكتفت بالنظر إلى الظابطين وقالت بهدوء
قلت لكم من البداية... كنتوا تقدروا تخلصوا الموضوع في أول دقيقة... لكنكم اخترتوا طريقًا أصعب.
وساد صمت ثقيل، بينما بدأ المسؤول يطلب جمع كل التسجيلات، واستدعاء كل من كان حاضرًا، تمهيدًا لبدء تحقيق رسمي في الواقعة... دون أن تتضح بعد كل الحقائق بدأ المسؤول يدوّن ملاحظاته بنفسه، ثم قال لأحد مرافقيه
سجّل أسماء كل الموجودين... ومحدش يغادر قبل ما يدلي بأقواله.
اتجه أحد الأفراد إلى المواطنين الواقفين، وبدأ يسألهم واحدًا واحدًا عما شاهدوه منذ لحظة توقيف السيارة.
الشاب الذي كان يصور سلّم هاتفه للمسؤول، وقال
الفيديو من أول ثانية... ما حذفتش منه حاجة.
أخذ المسؤول الهاتف، وشغّل المقطع.
ساد صمت تام.
ظهر في الفيديو بوضوح أن البنت أوقفت سيارتها فورًا، وقدمت أوراقها بهدوء، ثم سألت عن سبب توقيفها أكثر من مرة، دون أن ترفع صوتها أو تحاول الهرب.
وبعد ثوانٍ، ظهر أحد الظابطين وهو يفتح باب السيارة بعنف، ثم يمسك ذراعها قبل أن تُستعمل الكلبشات.
المسؤول أوقف الفيديو عند هذه اللقطة.
رفع عينيه نحو الظابطين، وقال
هل في جزء ناقص من اللي حصل؟
الظابط الأول حاول يتكلم، لكنه تردد.
أما الثاني فاكتفى بالنظر إلى الأرض.
في تلك اللحظة، اقترب الرجل الذي وصل مع أول موكب، وقال للمسؤول
فيه كاميرات مراقبة على مدخل الطريق الزراعي... أكيد سجلت كل اللي حصل قبل ما الناس تتجمع.
هز المسؤول رأسه وقال
تم طلب التسجيلات بالفعل.
ثم التفت إلى البنت وسألها
هل تحتاجين رعاية طبية؟ واضح إن في آثار ضغط على معصميك.
نظرت إلى يديها، التي بدأت تظهر عليها علامات احمرار واضحة، ثم قالت
الحمد لله... أنا بخير.
لكن إحدى السيدات من المتجمعين قالت بصوت مرتفع
إحنا شفناها وهي بتتزق على العربية... البنت ما عملتش أي حاجة.
أومأ المسؤول برأسه، وسجل كلامها ضمن أقوال الشهود.
في هذه الأثناء، رن هاتف الظابط الأول.
نظر إلى الشاشة، فتغيرت ملامحه.
تردد في الرد.
المسؤول لاحظ ذلك وقال
رد... وخلي المكالمة على السماعة.
ابتلع الظابط ريقه، وضغط زر الرد.
انطلق صوت من الطرف الآخر يقول
وصلتوا لفين في الموضوع؟
وقبل أن يجيب، نظر الجميع إليه في ترقب، بينما ازداد التوتر في المكان، وأدرك الجميع أن المكالمة قد تكشف تفاصيل جديدة لم يكن أحد يتوقعها الخبير فتح الحقيبة مرة تانية، وأخرج جهازًا لوحيًا صغيرًا، وبدأ يقلب فيه عدة صفحات.
كل الموجودين كانوا مركزين معاه.
المسؤول سأله بهدوء
وصلت لإيه؟
رفع الخبير رأسه وقال
قبل ما أقول أي حاجة... محتاج أتأكد من توقيت الواقعة بالدقيقة.
رد أحد أفراد المرور
التوقيف بدأ تقريبًا الساعة ثلاثة وسبعتاشر دقيقة.
الخبير دوّن الوقت، ثم ضغط على الشاشة عدة مرات.
بعد ثوانٍ قال
تمام... البيانات متطابقة.
الظابط الأول بدأ يفقد أعصابه وقال
بيانات إيه يا فندم؟ إحنا معملناش حاجة.
الخبير تجاهله تمامًا، ثم وجّه كلامه للمسؤول
من وقت بداية التوقيف لحد لحظة تقييدها... كل التحركات في الموقع اتسجلت زمنيًا.
المسؤول سأله
التسجيلات كاملة؟
كاملة... ومش من مصدر واحد.
بدأ الهمس يدور بين الواقفين.
أحد المواطنين قال
يعني كل اللي حصل متوثق؟
رد الخبير
أكثر مما تتخيل.
الظابط الثاني ظهر عليه القلق بوضوح، وقال
يمكن التسجيلات ما تبينش كل حاجة.
ابتسم الخبير ابتسامة خفيفة وقال
عشان كده اعتمدنا على أكثر من وسيلة توثيق، وكلها هتراجع في التحقيق.
البنت كانت واقفة في هدوء تام، وكأنها كانت تعرف أن الحقيقة ستظهر دون أن تضطر للدفاع عن نفسها.
المسؤول التفت إليها وقال
هل عندك أي طلب قبل ما نكمل؟
قالت بهدوء
طلب واحد... يتم سماع كل شاهد من غير أي ضغط، ويتكتب كل حرف زي ما اتقال.
أومأ المسؤول برأسه وقال
ده حقك... وده اللي هيحصل.
وفي تلك اللحظة، أسرع أحد أفراد القوة نحو المسؤول وهو يحمل ملفًا صغيرًا كان قد وصل للتو.
قال وهو يلتقط أنفاسه
يا فندم... ده الملف اللي طلبتوه.
فتح المسؤول الملف بسرعة، وما إن قرأ أول صفحة حتى اتسعت عيناه.
قلب الصفحة الثانية... ثم الثالثة.
بعدها أغلق الملف ببطء، ونظر مباشرة إلى الظابطين.
لم ينطق بكلمة.
لكن النظرة وحدها كانت كافية لتجعل التوتر يسيطر على المكان كله، بينما ظل محتوى الملف مجهولًا، وأدرك الجميع أن ما بداخله قد يكون أخطر مما توقع أي شخص الظابط بلع ريقه، وضغط على زر السماعة الخارجية كما طُلب منه.
انطلق الصوت من الهاتف بوضوح
أيوه... خلصتوا الإجراءات ولا لسه؟
تردد
 

تم نسخ الرابط