لم يسمع احد ضحكة المليونير منذ سبع سنين لـ محمد عبده
لم يسمع أحد ضحكة المليونير منذ سبع سنوات حتى جاءت الطباخة الجديدة، وضعت وعاءً معدنياً على رأسها، وقالت له الحقيقة التي كان الجميع يخشى قولها.
من يوم ما ماتت زوجتي، محدش في البيت ده بيضحك مفهوم؟
ده كان كلام حسام الكيلاني للطباخة الجديدة أول صباح شافها فيه وهي بتفتح شبابيك قصره في الشيخ زايد.
هي ما وطّتش عينها.
اسمها أمينة حسن، عندها تسعة وتلاتين سنة، لابسة جزمة قديمة ومريلة صفرا عليها رسمة دجاجة، وعندها عادة خطيرة إنها تكلم الأغنيا كأنهم لسه بني آدمين.
ردّت وهي بتعجن من غير ما تبصله
يبقى عشان كده ريحة البيت كأنه عزاء من أول الباب.
الراجل الكبير عم عبد الرحيم كبير الخدم وقع المعلقة من إيده، والبنت اللي بتنضف قالت أستغفر الله، حتى السواقاللي بقاله سبع سنين شايف صاحبه ماشي زي الشبحاتجمد مكانه.
حسام ما ضحكش من يوم الليلة اللي خرجت فيها مراته ليلى لوحدها في طريق صحراوي وسط الشبورة وما رجعتش.
العربية بتاعتها اتلاقت محطمة عند ملف خطر والساعة اللي كان جايبها لها أيام ما كانوا لسه على قد حالهم وقفت على 1143.
من ساعتها، حسام حوّل ثروته لسجن نضيف بس قاسي.
كان صاحب سلسلة قهوة الكيلاني المنتشرة في القاهرة والإسكندرية والمنصورة والغردقة. معاه فلوس يشتري عمارات كاملة لكن ما قدرش يشتري خمس دقايق من غير إحساس بالذنب.
كل صباح كان بيلف الساعة بتاعت ليلى ويسيب عقاربها واقفة.
البيت كله عاش على حزنه. الستاير مقفولة، مفيش موسيقى، المطبخ شغال في صمت، اسم ليلى ممنوع والضحك اختفى.
لحد ما الطباخة القديمة سافرت تعيش مع بنتها في طنطا، وسابت مكانها لأمينة.
قالت له قبل ما تمشي
شغلها نضيف بس مش بتعرف تتعامل مع الأغنيا.
سألها
يعني إيه؟
قالت
يعني مش بتخاف منهم.
حسام افتكرها بتبالغ
واتفاجئ من أول يوم.
أمينة وصلت بعربية نص نقل بابها مخبوط، ومعاها كرتونتين وصاج ملفوف في بطانية. الساعة سبعة الصبح كانت عاملة قهوة بلدي بالقرفة، وعيش طازة، ومشغلة أغاني قديمة لعبد الحليم بصوت واطي.
حسام نزل متعصب
اقفلي ده.
وطّت الصوت ما قفلتش.
قلت اقفليه.
وقفت العجن وبصت له
بص في عيني وقولي إن الصوت مضايقك بجد.
قال بحدة
ده بيتي.
ردّت
مش إجابة.
سكت وهو حاسس بحاجة بتضغط في صدره.
قالت بهدوء
لو فعلاً الصوت بيكسر حاجة جواك، مش هاشغله تاني بس مش هخلّي البيت كله يعيش في كآبة عشان حضرتك زعلان من الدنيا.
كان ممكن يطردها.
وكان المفروض يعمل كده.
بس فضل واقف وهي بتحط له قهوة وقطعة عيش سخنة قدامه.
قال
أنا مبفطرش.
ردّت
عارفة وكمان مبتعشّاش، ومبتنامش، وحتى الزرع مش سايبه يتنفس.
قال بضيق
أنا مش جاي أتحاكم.
ابتسمت
يبقى جيت متأخر العيش جاهز.
ما لمسش الأكل
لكن بعد ساعة لما رجعت تاخد الصينية، كانت اللقمة اختفت.
خلال أسابيع، أمينة كسرت كل القوانين اللي محدش قالها بصوت عالي.
فتحت الشبابيك حطت ورد خلت الجنايني يجيب تراب جديد وسلّمت على حسام ببساطة
صباح الخير يا حسام.
كبير الخدم كاد يختنق، فقالت
هو لازم ناخد ميعاد عشان نقول صباح الخير؟
حسام حاول يبعد
يأكل لوحده يشتغل طول الليل يوقع صفقات بملايين بنفس الوش الفاضي.
لكن ريحة الشوربة والعيش الطازة والبهارات بقت تطارده في كل حتة.
في يوم لقاها راكعة في الجنينه بتنضف حتة أرض مهجورة.
قال بعصبية
مين سمح لك تلمسي المكان ده؟
بصت له
ده كان مزرعة صغيرة.
قال
كان.
ردّت
تحت التراب في روزماري.
اتجمد
ليلى هي اللي كانت زرعته أول صيف ليهم هنا وكانت دايماً تقول المطبخ من غير ريحة أعشاب زي جواب من غير توقيع.
قال بصوت مكسور
سيبيه يموت.
شالت التراب وورته ورقة خضرا صغيرة
مش ميت بس مدفون تحت إهمال كتير.
بصلها كأنه سمع اسم مراته لأول مرة من سنين.
همس
يمكن ما يستحملش.
قالت
استحمل سبع سنين هيستحمل أكتر.
الليل ده، حسام ما نامش.
نزل المطبخ لقاها بتكتب في كشكول.
سألها
بتعملي إيه؟
قالت
وصفات جدتي كانت بتطبخ من غير مقادير لو ما كتبتهاش هتضيع.
سأل
ماتت؟
هزت راسها
كنت في الشغل كلمتني 3 مرات قلت لها هاجي الأحد ماتت السبت.
سكت
قالت وهي بتحضر شاي
لما بطبخ أكلها بحس إنها لسه موجودة.
مسك ساعته في جيبه
فاهم
كانت أول مرة يعترف بحاجة.
شربوا الشاي سوا في صمت.
بس مش صمت قبر
صمت اتنين نجوا من نفس الحريق.
طلع أوضته وساب ساعة ليلى من غير ما يلفها لأول مرة.
الصبح، ريحة حاجة محروقة مالية المكان.
نزل متعصب
لقى أمينة مغطية وشها دقيق، وإيديها عجين، وحاطة حلة معدن على راسها زي تاج.
قالت بجدية مضحكة
العيش اتحرق اركع قدام ملكة الكوارث!
بصلها
منظرها كان غريب ومضحك ومش شبه البيت ده خالص.
وفجأة
حصلت.
ضحك.
ضحكة تقيلة طالعة بصعوبة كأنها بقالها سنين صدأ.
الخدم اتصدموا واحد وقع الصينية الجنايني جري وحتى رجال أعمال واقفين بره اتجمدوا.
محدش سمع حسام الكيلاني بيضحك من سبع سنين.
هو نفسه حط إيده على بقه وكأنه غلط.
ورجعت العتمة لعنيه
لكن أمينة ما شالتش الحلة.
حطت إيديها في وسطها وقالت
إوعى تعتذر عشان بقيت حي.
وفي اللحظة دي الكل فهم
إن الطباخة دي قالت للمليونير الحقيقة اللي عمر حد ما قدر يقولها.
خلال أسابيع، أمينة كسرت كل القوانين اللي محدش قالها بصوت عالي.
فتحت الشبابيك كل صباح، وخلّت نور الشمس يدخل القصر اللي كان عايش في عتمة سنين. حطت ورد طبيعي في كل الأركان، وطلبت من الجنايني يزرع من تاني الأرض اللي كانت ميتة.
وأول مرة قالت له
صباح الخير يا حسام.
كبير الخدم اتخض كأنه سمع كارثة، لكنها بصت له باستغراب
هو في إيه؟ هو لازم ناخد ميعاد عشان نقول صباح الخير؟
حسام حاول يتجاهلها.
بقى ياكل في مكتبه، يقفل على نفسه بالساعات، يشتغل لحد الفجر ويهرب من أي حاجة فيها روح.
لكن رغم كده
ريحة الأكل بقت توصل له.
ريحة الشوربة السخنة العيش الطازة الفراخ المتبلة ريحة الحياة نفسها.
وفي يوم، نزل لقاها في الجنينه الخلفية، قاعدة على ركبتها بتنضف حتة أرض مهملة.
قال بحدة
مين سمح لك تعملي كده؟
رفعت راسها وبصت له بهدوء
المكان ده كان مزرعة صغيرة.
رد ببرود
كان وخلاص.
قالت وهي بتشيل التراب بإيديها
لسه فيه حياة تحت.
وسحبت بإيدها