لم يسمع احد ضحكة المليونير منذ سبع سنين لـ محمد عبده

لمحة نيوز


جزء صغير من التراب وظهر غصن أخضر ضعيف.
اتجمد مكانه.
ده كان الروز ماري اللي زرعته ليلى بإيديها.
كان فاكر إنه مات من سنين.
قال بصوت واطي
سيبيه خلاص انتهى.
لكن أمينة هزت راسها
مش كل حاجة بتختفي تبقى ماتت في حاجات بس بتتدفن.
سكت
وبص للغصن كأنه شايف ذكرى بتتنفس من جديد.
همس
ممكن ما يعيشش
ردت بثقة
ده عاش سبع سنين لوحده هيعيش تاني لما حد يهتم بيه.
الكلام دخل جواه أكتر مما كان مستعد يعترف.
الليلة دي، حسام ما قدرش ينام.
فضل يتقلب في سريره، وكل ما يقفل عينه يشوف الغصن الأخضر صغير، ضعيف لكنه عايش.
قام من السرير ونزل المطبخ على الساعة اتنين الفجر.
لقى أمينة قاعدة لوحدها، قدامها كشكول قديم، وإيديها فيها دقيق.
استغرب
إنتي لسه صاحيه؟
رفعت عينيها بابتسامة خفيفة
والنوم ييجي إزاي وأنا ورايا عيش لازم يتخبز؟
بص للكشكول
بتكتبي إيه؟
قالت وهي تقلب الصفحات
وصفات جدتي كانت بتطبخ من غير مقادير كله إحساس. بكتب عشان ما تضيعش.
سأل بهدوء
هي ماتت؟
سكتت لحظة وبعدين هزت راسها
أيوه وأنا مش جنبها.
حسام حس بحاجة بتشد في صدره.
كملت
كلمتني تلات مرات يومها وأنا كنت مشغولة. قلت لها هاجي يوم الأحد بس هي ماتت السبت.
الصمت نزل بينهم
بس المرة دي كان صمت مليان وجع مفهوم.
حسام طلع الساعة من جيبه نفس الساعة اللي وقفت من سنين.
قال بصوت مكسور
أنا كمان ما لحقتش أودّع.
بصت له أمينة من غير شفقة لكن بفهم.
قامت حطت مية على النار، وعملت شاي بالينسون، وقسمت رغيف عيش نصين.
مدت له نص
مش لازم تحكي كل حاجة دلوقتي.
قعدوا ياكلوا في هدوء
بس الهدوء ده كان مختلف.
مش هدوء موت
ده هدوء اتنين عارفين معنى الفقد، وبيحاولوا يعيشوا بعده.
لما حسام طلع أوضته، حط الساعة على الكومودينو
ولأول مرة من سبع سنين
نسي يلفها.
الصبح، القصر كله كان مليان بريحة حاجة محروقة.
حسام نزل بسرعة وهو متضايق.
في إيه؟!
دخل المطبخ
واتجمد.
أمينة واقفة، وشها كله دقيق، وإيديها عجين، وحاطة حلة معدن على راسها زي التاج.
بصت له بجدية غريبة وقالت
العيش اتحرق
وسكتت لحظة، وبعدين كملت
ارْكع قدام ملكة الكوارث.
فضل باصص لها
المشهد كان غريب عبثي مستحيل يحصل في بيت زي ده.
بس فجأة
حاجة اتكسرت جواه.
مش دموع
ضحك.
ضحك لأول مرة من سنين.
ضحكة تقيلة، طالعة بصعوبة، كأنها كانت محبوسة ومصدية.
أمينة فضلت واقفة، رافعة دقنها، والحلة لسه على راسها.
الخدم اتجمعوا على الباب، واحد وقع الصينية من الصدمة، والتاني واقف مش فاهم.
حتى الضيوف اللي كانوا مستنيين برا، وقفوا مصدومين.
محدش في القصر سمع حسام الكيلاني بيضحك من سبع سنين.
هو نفسه اتحرج وحط إيده على بقه.
وكأن الضحك غلط.
ورجعت نظرة الحزن لعنيه
لكن أمينة ما اتحركتش.
حطت إيديها في وسطها وقالت بحزم
إوعى تعتذر عشان ضحكت.
سكتت لحظة وبعدين قالت الجملة اللي غيرت كل حاجة
إوعى تعتذر عشان بقيت حي.
وفي اللحظة دي
حسام فهم إن اللي واقفة قدامه مش مجرد طباخة.
دي أول حد من سنين قدر يرجعه للحياة.
من بعد اليوم ده القصر ما بقاش زي الأول.
مش لأن حاجة كبيرة حصلت مرة واحدة
لكن لأن حاجات صغيرة بدأت تتغير.
حسام بقى ينزل يفطر حتى لو قعدة خمس دقايق بس.
الستاير بقت مفتوحة أغلب الوقت والشمس دخلت أماكن كانت ناسية طعم النور.
الجنايني بدأ يزرع من تاني والروز ماري كبر شوية شوية، لحد ما بقى ريحته بتوصل لباب القصر.
وأمينة؟
فضلت زي ما هي.
بتتكلم بصراحة بتضحك بصوت عالي ومابتخافش.
في يوم، حسام كان قاعد في الجنينة، لأول مرة من سنين، من غير لابتوب ولا موبايل.
كان مركز مع صوت الهوا وريحة الزرع.
أمينة قربت منه، حطت قدامه كباية شاي.
قال من غير ما يبصلها
ليه ما مشيتيش؟
سكتت لحظة
أمشي ليه؟
قال بهدوء
أنا مش شخص سهل والبيت ده مش مريح.
ابتسمت
أنا كمان مش سهلة وبعدين أنا مش جاية أدور على راحة.
بصلها لأول مرة بتركيز
أمال جاية تدوري على إيه؟
قالت ببساطة
شغل وراحة ضمير.
سكت
الكلام كان بسيط، بس دخل جواه.
بعدها بأيام، كان عنده اجتماع مهم مع مستثمرين كبار.
ناس من أكبر الشركات صفقة بملايين.
لكن قبل ما يخرج، شم ريحة أكل.
وقف
رجع خطوة.
دخل المطبخ.
لقى أمينة بتقلب في حلة، وبتغني بصوت واطي.
سألها
إيه ده؟
قالت
ملوخية بس بطريقتي.
قال
أنا عندي اجتماع.
ردّت من غير ما تبص
والملوخية هتستناك.
وقف لحظة
وبعدين قعد.
أول مرة يختار حاجة بسيطة على حساب شغله.
أكل وهو ساكت.
لكن المرة دي، السكوت كان فيه راحة.
في نفس اليوم، المستثمرين مشيوا.
السكرتير حاول يكلمه، لكنه قال
أجل الاجتماع.
كل اللي حواليه اتفاجئوا
بس هو كان لأول مرة مش فارق معاه.
الليل، وهو طالع أوضته، وقف قدام صورة ليلى.
بص لها وابتسم ابتسامة خفيفة.
وقال بهدوء
يمكن الحياة ما خلصتش.
مرت شهور
والبيت بقى فيه صوت.
ضحك خفيف كلام حياة.
وفي يوم، حسام وقف في الجنينة، جنب الروز ماري اللي بقى شجرة صغيرة.
أمينة كانت بتسقيه.
قال لها
فاكرة أول يوم قولتي إنه مش ميت؟
ابتسمت
أيوه.
بصلها وقال
أنا كمان مكنتش ميت.
سكتت وبصت له.
لأول مرة ما ردتش بسرعة.
قال بهدوء
أنا كنت مدفون بس.
ابتسمت نفس الابتسامة اللي فيها دفا.
وفي اللحظة دي
كان واضح إن القصة ما كانتش عن طباخة جريئة
ولا عن مليونير حزين
لكن عن اتنين
كل واحد فيهم ساعد التاني يرجع يعيش من تاني.
تمت 
حكايات محمد عبده

 

تم نسخ الرابط