يا مدلله لـ محمد عبده
"يا مدلّلة! روحي وقفي مع باقي الناس اللي مالهمش قيمة!"
جوز أمي أهانّي قدّام 500 لواء.
فضل 7 سنين يناديني فاشلة ومطرودة من العيلة.
بصّيت له في عينيه… وقلت كلمتين بس:
"الأرملة الحديدية."
القاعة سكتت.
صرخ: "اقبضوا عليها!"
ماكانش يعرف إني معايا دليل 7 سنين يثبت إنه خاين…
الجزء الأول
القاعة سكتت قبل ما أنطق بكلمة.
كنت واقفة تحت مسرح واسع، تحت صفوف من النور الأبيض، حواليّ عدد ضباط مايتشافوش في عمر كامل. لواءات قاعدين على ترابيزات مفروشة قماش فاخر. قيادات الدفاع في الصفوف الأولى. صحفيين واقفين ورا حواجز مخمل، الكاميرات على كتافهم مستنية اللحظة.
على المسرح، جوز أمي ماسك درع كريستال في إيده ومايك في التانية.
اللواء جمال حمدان كان طول الليلة بياخد إشادة على "تفانيه الكامل في حماية أمن الوطن". شعره الأبيض كان متظبط من الصبح، وبدلته الرسمية مظبوطة على جسمه كأنها مفصّلة عليه. حتى من بعيد، كنت شايفة ريحة البرفان التقيل اللي بيحطه من أيام ما كنت مراهقة.
أمي كانت قاعدة في نص القاعة، لابسة فستان كحلي، إيديها ماسكة شنطة صغيرة.
هي أول واحدة شافتني.
شِفَتِها اتفتحت، بس صوتها ما طلعش.
7 سنين غيروا ملامحي. قوّوا وقوفي، رسموا خطوط خفيفة حوالين عيني، وبدّلوا البنت المتوترة اللي كانت تعرفها بضابطة برتبة رائد لابسة الزي الرسمي الكامل.
بس الأم المفروض تعرف مشية بنتها… وفعلاً عرفت.
جمال بصّ ورا نظرتها.
لحظة واحدة بس، ومرّ على وشه تردد… بعدين بصّ لبدلتي، شاف واحدة طالعة على المسرح لوحدها من غير مرافق، فقرر إني أقل منه.
دي كانت أكبر نقطة ضعف فيه.
كان عمره ما بيسأل… طالما افتراضه بيخليه حاسس بالقوة.
قرب من المايك وقال:
"بصّوا مين اللي قررت ترجع أخيرًا."
ضحك خفيف طلع من شوية ضيوف.
أمي نزلت عينيها للأرض.
جمال وسّع ابتسامته وقال:
"قولي للّواءات اسمك الحركي يا مدلّلة."
الضحك زاد، بس مش كله.
كام ظابط قريب من المسرح ما ضحكوش. واحد حط كوباية الميه بهدوء، والتاني عدّل قعدته وبصلي باهتمام مفاجئ.
وقفت عند أول السلم.
جمال كان فاكر إنه حاصرني بنكتة قديمة. فاكر إني لسه عندي 22 سنة، ولسه واقفة على سفرة بيته وهو بيشرحلي إني معنديش انضباط، ولا نضج، ولا قدرة أعيش من غير فلوس أمي.
ماكانش يعرف إن فيه 12 من الشرطة العسكرية واقفين حوالين القاعة.
ماكانش يعرف إن الحفلة اتقدّمت 15 دقيقة بطلب من وحدتي.
ماكانش يعرف إيه اللي في الملف المقفول تحت دراعي الشمال.
وأكيد ماكانش فاهم ليه أكبر القيادات في القاعة بدأوا يركزوا عليه… مش عليّ.
حطيت رجلي على أول درجة في السلم.
من 7 سنين، خرجت من بيت أمي بشنطة واحدة وساعة أبويا القديمة.
الساعة وقفت عند 4:17 بعد يومين من وفاته. ما صلّحتهاش.
العقارب الثابتة كانت بتفكرني إن الزمن مش دايمًا بيعالج…
أحيانًا بس بيكشف الناس هتوصل لإيه لما يفتكروا إن الماضي خلاص سكت.
أبويا، دكتور سامح والي، كان مفتش طيران عسكري قبل ما مرض في قلبه يخلّيه يسيب الخدمة.
كان دقيق، هادي، وصعب ترضيه.
لما كان عندي 10 سنين، علّمني أغيّر كاوتش العربية تحت المطر، وقال:
"المشاكل ما بتستأذنش قبل ما تيجي."
مات وأنا عندي 19 سنة.
✨ الجزء الجاي تحت
الجزء الثاني
طلعت أول درجة… وبعدين التانية.
كل خطوة كنت باخدها، كانت بتقربني من اللحظة اللي استنيتها 7 سنين.
القاعة كانت ساكتة بشكل غريب. حتى الصحفيين بطلوا همس. الكل بقى مستني يشوف إيه اللي هيحصل.
جمال حمدان كان لسه واقف على المسرح، ابتسامته متجمّدة، بس عينيه بدأت تضيق شوية.
واضح إنه بدأ يحس إن في حاجة مش مظبوطة.
وقفت قدامه مباشرة.
المسافة بينا كانت متر واحد بس…
متر واحد بين الماضي والحقيقة.
بصّ لي من فوق لتحت، بنظرة فيها استعلاء وقال بصوت واطي:
"واضح إنك لسه ما اتعلمتيش الأدب."
ما رديتش.
مدّ إيده بالمايك ناحيتي كأنه بيستهزأ:
"اتفضلي… عرفي نفسك."
خدت نفس هادي… وبصّيت حواليّ.
اللواءات اللي كانوا قاعدين في الصف الأول، بقوا مركزين معايا بشكل واضح.
واحد منهم لمّ الملف اللي قدامه وقفله بهدوء.
والتاني شبّك إيديه وبص لجمال نظرة طويلة.
رجّعت عيني في عينه… وقلت بهدوء شديد:
"اسمي… رائد ليلى سامح والي."
القاعة سكتت أكتر.
ابتسامته رجعت تاني، بس المرة دي كانت فيها سخرية:
"رائد؟ جميل… واضح إنك بتلعبي دور كبير."
ساعتها رفعت الملف اللي تحت دراعي… وخبطت بيه خفيفة على المنصة قدامه.
الصوت كان بسيط…
بس تأثيره كان تقيل.
قلت:
"الدور الحقيقي… لسه ما بدأش."
وشه اتغيّر لحظة.
بصّ للملف… وبعدين ليّ… وبعدين للصف الأول من القيادات.
هنا… القلق بدأ يظهر بوضوح.
وقبل ما يتكلم، واحد من اللواءات الكبار وقف من مكانه.
قال بصوت قوي هادي:
"كمّلي يا رائد."
الهمهمة رجعت للقاعة… بس بشكل أخف.
جمال حاول يستعيد سيطرته، وضحك وقال:
"واضح إن في عرض مسرحي جديد النهارده."
بس محدش ضحك المرة دي.
ولا حد.
بصّيت له… وقولت الكلمتين اللي غيّروا كل حاجة:
"الأرملة الحديدية."
الصمت نزل على القاعة زي الصدمة.
الاسم ده… ماكانش اسم عادي.
ده كان لقب عملية عسكرية سرية…
عملية محدش يعرف تفاصيلها غير أعلى القيادات.
إيد جمال اللي كانت ماسكة المايك… اتهزت.
وشه شحب.
قال بصوت متوتر:
"إنتي بتقولي إيه؟"
بس قبل ما أرد…
اتفتحت أبواب القاعة فجأة.
ودخل 12 ظابط من الشرطة العسكرية.
خطواتهم كانت منتظمة… وسريعة.
كلهم وقفوا في أماكنهم حوالين القاعة.
الأنظار كلها راحت لجمال.
وأول مرة…
شوفته فعلاً خايف.
✨ الجزء اللي بعده هيكشف الحقيقة الكاملة…
الجزء قبل الأخير
القاعة اتجمّدت.
ولا صوت… ولا حركة… غير أنفاس متقطعة ونظرات متوترة.
جمال حمدان رجع خطوة لورا…
وبص حواليه بسرعة، كأنه بيدوّر على مخرج.
بس ماكانش في مخرج.
الـ12 ظابط من الشرطة العسكرية ثبتوا أماكنهم، وكل واحد فيهم عينه عليه.
واحد من اللواءات الكبار قام من كرسيه ببطء… وقال:
"رائد ليلى… قدّمي التقرير."
هزّيت راسي بهدوء… وفتحت الملف.
الورق كان متقسم بعناية… 7 سنين من الأدلة، كل صفحة فيها جزء من الحقيقة اللي اتدفنت.
رفعت أول ورقة وقلت بصوت واضح:
"من 7 سنين… بدأ اللواء جمال حمدان يتواصل مع جهات خارجية غير مصرح لها."
همهمة خفيفة انتشرت في القاعة.