راجل عجوز قرب مني
في عز جنازة أبويا، راجل عجوز قرب مني وهمس أبوكي حضّر لموته من عشرين سنة.
وحط في إيدي مفتاح نحاس قديم.
بصيت للمفتاح وقلت يبقى هفتح الحاجة اللي سابهالي.
لكن قبل ما أوصل للمخزن رقم 17، وصلتني رسالة من موبايل أمي بتحذرني إني ما أثقش في ضابطة النيابة اللي كانت مستنياني هناك بالفعل.
الجزء الأول التابوت الفاضي
تابوت أبوكي فاضي.
حفّار القبور مسكني من رسغي في اللحظة اللي كان فيها آخر المعزين بيخرجوا من المدافن.
صوت العربيات كان لسه بيتلاشى وسط المطر، وأمي كانت واقفة جنب عربية نقل الموتى، حواليها قرايبنا بيحضنوها ويواسوها، وهي باينة قدام الكل كأنها أرملة فقدت حياتها كلها في لحظة.
في الأول ما استوعبتش هو بيقول إيه.
أنا اسمي فريدة منصور.
عقيد في الجيش المصري.
طول اتنين وعشرين سنة في الخدمة، اتعلمت إزاي أحس بالخطر قبل حتى ما أشوفه.
لكن اليوم ده...
كنت سمحت للحزن إنه يطفي كل غرائزي.
أبويا، رفعت منصور، كان المفروض إنه مات قبلها بتلات أيام بأزمة قلبية مفاجئة وهو في مكتبه.
كان عنده سبعة وستين سنة.
ما بيدخنش.
بيمشي كل صباح.
وبيحتفظ بكل تحاليله الطبية مرتبة بالتاريخ.
ومع ذلك، صدقت الرواية.
مضيت الأوراق.
اخترت الورد.
ووقفت جنب أمي، إلهام العرابي، وهي بتكرر لكل الناس
كل حاجة حصلت بسرعة... أنا نفسي مش مستوعبة.
بصيت لحفار القبور وقلت
أنا شفت جثته بعيني.
العجوز، وكان اسمه عم صابر، هز راسه.
إنتِ شفتي وش ورا إزاز، والنور كان ضعيف، والجسم كله كان متغطي لحد الرقبة. شفتي ساعة أبوكي في إيده... فصدقتي الحاجة اللي عيلتك كلها كانت محتاجاكي تصدقيها.
وبعدين مد إيده وحط مفتاح نحاس قديم في كفي.
كان محفور عليه رقم
17
بصيت له.
المفتاح ده بتاع إيه؟
قال
ما ترجعيش بيتكم. روحي مخازن الوادي في أكتوبر. المخزن رقم 17.
مين اداك المفتاح؟
بص في عيني وقال
أبوكي.
سكت لحظة، وبعدين أكمل
من عشرين سنة.
حسيت كأن الأرض اتحركت تحت رجلي.
وقبل ما ألحق أسأله أي سؤال، موبايلي اهتز.
رسالة من أمي
تعالي البيت لوحدك.
رفعت عيني.
أمي كانت واقفة على بعد أقل من خمسين متر مني تحت شمسية سودا...
وبتبص ناحيتي.
اتوترت.
أمي عمرها ما كانت بتبعتلي رسائل بالطريقة الجافة دي.
كانت دايمًا تتصل.
ولو كتبتلي، لازم تنهي كلامها ب
يا حبيبتي.
عم صابر شاف الرسالة على وشي تقريبًا.
لونه اتغير وقال بسرعة
ما ترديش عليها.
وبعدين طلع ظرف قديم مصفر من جيبه وادهولي.
على الوش كان اسمي مكتوب بخط أبويا.
فتحت الظرف.
جواه ورقة واحدة عليها تلات تعليمات
روحي للمخزن رقم 17.
ثقي في الست اللي هتكون مستنياكي هناك.
وما ترجعيش البيت قبل ما تعرفي الحقيقة كلها.
سقت عربيتي ناحية أكتوبر وسط مطر شديد.
طول الطريق، أمي اتصلت خمس مرات.
ما رديتش.
بعدها بعتت
إنتِ رحتي فين؟ لازم أعرف مكانك.
فضلت أبص للرسالة.
الكلام ما كانش كلام أم خايفة على بنتها.
كان كلام حد...
بيحاول يعرف أنا فين.
وصلت للمخازن.
لقيت ست واقفة قدام المخزن رقم 17، لابسة بدلة غامقة.
أول ما قربت منها، طلعت كارنيهها.
المقدم داليا شوقي، من جهة التحقيقات المختصة. أبوكي كان عارف إنك هتيجي.
المخزن رقم 17 كان عليه قفلين.
هي فتحت القفل الإلكتروني.
وأنا دخلت المفتاح النحاس في القفل التاني.
أول ما لفيته...
صوت إنذار بدأ يطلع من جوه.
بيب...
بيب...
بيب...
وفي نفس اللحظة، وصلت رسالة على موبايلي من رقم مجهول
لو فتحتي الباب ده، أمك هتموت.
وبعدها بثواني، وصلت رسالة تانية.
المرة دي...
من رقم أمي.
ما تثقيش في الست اللي جاية من جهة التحقيقات.
بصيت لداليا.
هي بصت لشاشة موبايلي.
وفجأة...
سمعنا صوت حاجة تقيلة بتتحرك ورا الباب المعدني.
كأن في شخص جوه اتكعبل في الضلمة.
داليا طلعت مسدسها.
وأنا...
لفيت المفتاح.
الباب المعدني بدأ يطلع لفوق ببطء.
وفي اللحظة دي...
سمعت صوت أبويا.
صوته كان حي.
مذعور.
وبيصرخ باسمي من جوه.
الجزء الثاني الراجل اللي دفناه
فريدة! نزلي الباب!
اتجمدت.
لكن الصوت ما كانش جاي من جوه المخزن مباشرة.
كان خارج من سماعة.
داليا ضغطت زر الإغلاق فورًا، والباب المعدني نزل بسرعة.
بعدها كتبت كود على لوحة مخفية جنب الحائط.
صوت الإنذار وقف.
دخلنا.
ما كانش فيه متفجرات.
كان فيه دواليب ملفات.
كراتين مقفولة بالشمع الأحمر.
تلات أجهزة كمبيوتر.
صور.
مستندات.
وشاشة كبيرة ظهر عليها أبويا، رفعت منصور، قاعد قدام حيطة بيضا.
بصيت لتاريخ التسجيل.
كان قبل وفاته المزعومة بيومين.
أبويا بدأ يتكلم
لو إنتِ بتشوفي التسجيل ده يا فريدة، يبقى موتي اتعلن قبل ما يحصل. ما تثقيش في أول دليل تشوفيه. في عيلتنا، كل حقيقة اتبنت علشان تخبي حقيقة تانية.
ظهر على الشاشة مستند.
أمر موقع باسم أمي.
الأمر بيسمح بتسليم رفعت لالشركاء لو رفض يسلم ملفات معينة.
حسيت معدتي بتتقلب.
همست
أمي باعت أبويا.
داليا قالت
كملي للآخر.
أبويا شرح إنه طول تلاتين سنة كان مسؤول عن حسابات مجموعة العرابي، شركة النقل اللي أسسها جدي من ناحية أمي.
الشركة كانت بتنقل أدوية وأغذية ومعدات لجهات حكومية.
لكنها كانت بتنقل حاجات تانية كمان.
فلوس.
سلاح.
وبشر.
كل ده لصالح شبكة بيديرها خالي...
كمال العرابي.
وبعدين ظهرت صورة قديمة.
أمي وهي صغيرة في السن وحامل...
واقفة جنب راجل لابس الزي العسكري.
الراجل ده ما كانش رفعت.
أبويا قال من التسجيل
اسمه سامح الشرقاوي.
وسكت ثواني.
سامح هو أبوكي البيولوجي.
حسيت إني نسيت إزاي أتنفس.
سامح كان نقيب في الجيش.
اكتشف شبكة كمال سنة 1997.
وقبل ما يبلغ عنها...
كمال أمر بقتله.
أما رفعت، أعز أصحاب سامح، فهرب بإلهام من المنيا، واداكي اسمه وإنتِ لسه في بطنها، وقضى باقي عمره بيجمع أدلة ضد كمال.
مديت إيدي علشان أقفل الشاشة.
رفعت منصور أبويا.
داليا ردت بهدوء
وهو عمره ما قال غير كده.
التسجيل كمل.
أمي أخفت حقيقة مقتل سامح عشرات السنين.
ووقعت قوائم مالية مزورة.
وساعدت في غسل أموال علشان تحمي أخوها.
ولما رفعت قرر أخيرًا يشهد ضده...
إلهام وقعت أمر تسليمه.
لكن كان فيه ورقة ناقصة.
داليا فتشت صندوق لحد ما لقت ظرف مقطوع.
كان فاضي.
قالت
حد وصل هنا قبلنا.
فتحنا تسجيلات كاميرات المراقبة.
ظهر راجل داخل المخزن الصبح باستخدام كود أبويا.
عرفته فورًا.
أخويا الصغير، كريم.
في اللحظة دي موبايلي رن بمكالمة فيديو.
أمي ظهرت قدامي.
كانت قاعدة في أوضة ما أعرفهاش.
على جبينها دم ناشف.
وواقف وراها...
كريم.
أمي قالت
اديهم المخزن يا فريدة. وما تسأليش أسئلة.
بصيت لها.
إنتِ اللي وقعتي الأمر ضد بابا؟
كريم أخد منها الموبايل.
بابا اختار ينقذك إنتِ طول عمره. المرة دي إنتِ اللي هتنقذينا.
وقفل المكالمة.
وفجأة...
جزء من الحيطة الخلفية للمخزن اتحرك.
باب سري اتفتح.
خرج منه راجل بيتسند على عصاية.
كان خاسس جدًا.
وشه مرهق.
وعلى جنبه ضمادة كبيرة.
لكن ملامحه...
مستحيل أغلط فيها.
رفعت.
أبويا.
كان حي.
جريت عليه.
نسيت رتبتي.
نسيت شغلي.
نسيت كل حاجة.
حضنته بكل قوتي لدرجة إنه اتوجع.
إزاي قدرت تخليني أدفنك؟!
قال بصوت ضعيف
علشان كنت محتاج كمال يصدق إني مت.
بعدت عنه.
ماما وقعت ورقة تسليمك.
غمض عينيه.
أيوه. لكن كريم أجبرها بعد ما اكتشف إنها كانت ناوية تعترف.
طلع جهاز تتبع صغير مخبي داخل سبحة.
الإشارة كانت بتتحرك ناحية مزرعة قديمة للعيلة في الفيوم.
وبعد دقائق...
الإشارة وقفت.
أبويا بصلي بنظرة عمري ما هنساها.
وقال
التابوت الفاضي ما كانش معمول عشاني يا فريدة.
أمال لمين؟
كمال كان محتفظ بيه للشخص اللي يلاقي الملفات دي.
سكت.
وبعدين قال
ودلوقتي...
عايزين يحطوا أمك جواه.
الجزء الثالث دَين العيلة
في الليلة دي فهمت إن الشجاعة مش معناها بس إنك تواجه عدوك.
أحيانًا الشجاعة إنك تعترف إن الشخص اللي بتحبه...
ممكن يكون مذنب.
وفي الوقت اللي كانت فيه قوة أمنية بتتحرك ناحية مزرعة العيلة، أبويا حكى لي الحقيقة اللي خبّاها حوالي تلاتين سنة.
سنة 1997، كمال العرابي سيطر على مجموعة العرابي.
أمي كان عندها ستة وعشرين سنة، وكانت حامل فيا، وبتحب سامح الشرقاوي.
سامح كان نقيب مكلف بمراجعة عقود توريد.
اكتشف فواتير مكررة.
وشاحنات أدوية بيتم تحويلها لمخازن سرية.
وقبل ما يبلغ رسميًا...
راح لأمي.
وأمي ارتكبت الغلطة اللي غيرت حياتنا كلنا.
قالت لأخوها.
كمال مثّل إنه ندمان.
وطلب منها أربعة وعشرين ساعة بس يصلح كل حاجة.
تاني يوم...
عربية سامح وقعت من فوق طريق جبلي.
التقرير الرسمي قال إن السبب عطل ميكانيكي.
رفعت ما صدقش.
لأنه بصفته محاسب وصاحب سامح، اكتشف دفعة مالية لورشة عربيات قبل الحادث بيومين.
وكمان لقى عملية سحب تمت بتوقيع إلهام.
أبويا قال
في الأول افتكرت إن أمك هي اللي دفعت علشان يقتلوا سامح. خدت سنين لحد ما اكتشفت إن كمال استخدم توقيعها الإلكتروني. لكن وقتها... أمك كانت اختارت السكوت بالفعل.
سألته
خوف؟
في الأول، آه. بعدين راحة. وبعدها خجل.