راجل عجوز قرب مني

لمحة نيوز


في صمت.
وبعدين قال
سامح كان هيحبك أوي.
بصيت له.
يمكن. بس إنت اللي ربيتني. إنت اللي علمتني أركب العجلة. إنت اللي كنت بتستناني بره الكلية. وإنت اللي عملت نفسك مش بتعيط يوم أول ترقية ليا.
مسكت إيده.
الدم ممكن يفسر أنا جيت منين... لكنه ما يحددش مين أبويا.
رفعت نزل راسه.
ولأول مرة من يوم الجنازة...
عيطت.
ما عيطتش على الراجل اللي كان المفروض موجود جوه التابوت.
عيطت على سامح...
الأب اللي عمري ما عرفته.
وعلى إلهام...
اللي حولت الخوف لعُرف عاشت بيه سنين.
وعلى كريم...
اللي خلط بين الميراث وبين الحق.
وعلى رفعت...
اللي حبني لدرجة إنه وهو بيحاول ينقذني، كاد يدمر ثقتي فيه.
وعيّطت على نفسي كمان.
لأني أخيرًا فهمت إن الحقيقة مش دايمًا بتصلح العيلة.
أحيانًا...
كل اللي بتعمله إنها تمنع الكدبة من إنها تتورث لجيل جديد.
لما خرجنا من المدافن، السما كانت صافية.
حطيت مفتاح النحاس القديم في جيبي.
المخزن رقم 17 كانت جهات التحقيق فضته بالكامل.
لكن أنا احتفظت بالمفتاح.
علشان يفضل يفكرني بحاجة عمري ما سمحت بعد كده لرتبة أو زي عسكري أو اسم عيلة يخلوني أنساها
الوفاء مش إنك تحمي عيلتك من عواقب أفعالهم.
الجزء الثالث والأخير دَين العيلة
الليلة دي فهمت إن الشجاعة مش بس إنك تواجه عدوك.
أوقات الشجاعة الحقيقية إنك تعترف إن الشخص اللي بتحبه...
ممكن يكون مذنب.
وإن حبك ليه مش معناه إنك تبرر اللي عمله.
في الوقت اللي كانت فيه قوة من جهات التحقيق بتتحرك ناحية مزرعة العيلة، أبويا، رفعت، قعد جنبي وبدأ يحكيلي الحقيقة اللي خبّاها عني وعن العالم كله تقريبًا تلاتين سنة.
سنة 1997، خالي كمال العرابي كان لسه في بداية سيطرته على مجموعة العرابي.
أمي، إلهام، كان عندها ستة وعشرين سنة.
كانت حامل فيا.
وكانت بتحب راجل اسمه سامح الشرقاوي.
سامح كان ضابط في الجيش، ومكلف وقتها بمراجعة مجموعة من عقود التوريد اللي الشركة بتنفذها لصالح جهات حكومية.
وخلال المراجعة...
اكتشف مصيبة.
فواتير بتتكرر مرتين.
شحنات أدوية المفروض تروح مستشفيات بتختفي.
عربيات نقل بتخرج من مسارها الرسمي وتدخل مخازن محدش مسجلها.
ومبالغ ضخمة بتتنقل بين حسابات وهمية.
سامح فهم بسرعة إن الموضوع مش مجرد اختلاس.
الشركة كانت غطاء لشبكة أكبر بكتير.
وقبل ما يقدم بلاغ رسمي...
عمل غلطة واحدة.
راح لأمي.
حكالها كل حاجة.
وهي ارتكبت الغلطة اللي غيرت حياة كل واحد فينا.
راحت قالت لأخوها.
كمال.
أمي كانت متخيلة إن أخوها ممكن يكون مش عارف.
أو إنه أول ما يسمع منها هيتراجع.
لكن كمال هو اللي كان ماسك كل الخيوط.
مثّل عليها إنه اتصدم.
وقال لها
اديني أربع وعشرين ساعة يا إلهام. أنا هصلح الموضوع بنفسي.
وفي اليوم اللي بعده...
عربية سامح وقعت من فوق طريق جبلي.
التقرير الرسمي قال
عطل ميكانيكي.
والقضية اتقفلت.
لكن رفعت ما صدقش.
رفعت كان صاحب سامح المقرب.
وكان وقتها محاسب في شركة العيلة.
بدأ يدور من ورا الكل.
لحد ما لقى تحويل مالي لورشة سيارات قبل الحادث بيومين.
ولقى كمان سحب مبلغ كبير تم باستخدام توقيع أمي.
بصلي أبويا وقال
أول ما شوفت الورق افتكرت إن إلهام هي اللي دفعت لهم علشان يقتلوا سامح.
بصيت له وأنا مش قادرة أتكلم.
كمل
خدت سنين علشان أعرف إن كمال استخدم توقيعها الإلكتروني من غير علمها.
تنفست براحة للحظة.
لكن رفعت كمل الجملة
بس لما عرفت الحقيقة، كان فات وقت طويل... وأمك كانت بالفعل اختارت السكوت.
قلت
يعني هي ما قتلتش سامح؟
لا.
طب ليه فضلت ساكتة؟
رفعت سكت شوية.
وبعدين قال
في الأول خوف.
رفع عينه ليا.
بعدين راحة.
وبعدها قال
وبعد الراحة جه العار. كل سنة عدت وهي ساكتة، بقى الاعتراف أصعب.
الكلام كان بيوجع أكتر من لو اكتشفت إن أمي شريرة من البداية.
لأنها ما كانتش شريرة.
كانت أضعف من إنها تواجه الحقيقة.
وبسبب ضعفها...
فضل قاتل سامح يقعد على سفرتنا كل عيد.
دخل بيتنا.
جاب لنا هدايا.
حضر أعياد ميلادنا.
حطني على رجله وأنا طفلة.
وكان بيناديني
بنتي الكبيرة.
وأمي...
كانت عارفة.
مش كل حاجة.
لكن كفاية.
كفاية إنها تعرف إن أخوها هو السبب في موت سامح.
وكفاية إنها تسكت.
وبعدها بدأت توقع أوراق وحسابات مزورة علشان تحمي الشركة.
سألت أبويا
وإنت اتجوزتها ليه؟
بص بعيد.
في الأول علشان أحميكي إنتِ وهي.
وبعدين؟
ابتسم بحزن.
وبعدين حبيتها.
اتجوزها وهو عارف إنها حامل من أعز صاحبه.
اداني اسمه.
رباني.
ولما كريم اتولد بعد سنين، رفعت صدق إن ممكن فعلًا نبدأ عيلة جديدة مالهاش علاقة باللي حصل.
لكن الماضي ما اختفاش.
كمال فضل يدخل فلوس للبيت.
أمي كانت بتسميها
أرباح العيلة.
لكن رفعت كان عارف إنها فلوس مشبوهة.
فبدأ يحتفظ بكل حاجة.
فاتورة.
شيك.
تحويل.
تسجيل صوتي.
خطاب.
نسخة من عقد.
لحد ما المخزن رقم 17 بقى أرشيف كامل لتاريخ عيلة العرابي الأسود.
سألته
طب ليه استنيت كل السنين دي؟
رد
علشانك.
نفسي كنت أكرهه لما قالها.
قلت بعصبية
بلاش الكلمة دي! كلكم عملتوا حاجات وحشة وبعدين قلتوا عملناها علشانك!
هز راسه.
عندك حق.
وبعدين كمل
لكن اسمعي الحقيقة. لما دخلتي الكلية العسكرية، كمال بدأ يخاف منك.
مني أنا؟
مش منك وقتها. من اللي ممكن تبقيه بعد سنين.
كمال عرف إن بنت أخته اللي بيعتبرها جزء من العيلة دخلت مؤسسة ممكن في يوم توصلها لمعلومات تفضحه.
هدد رفعت.
قال له لو فتح بقه، هيزرع أدلة تخلي مستقبلي العسكري ينتهي.
وبعدها هدده بحياتي نفسها.
قلت
كان لازم تقولي!
رد
كنت عايز أديكي حياة ما تبدأش بجريمة قتل أبوكي.
سكت.
الكلمة وجعت.
لأول مرة، كنت مضطرة أفرق بين حاجتين.
سامح كان أبويا بالدم.
لكن رفعت...
كان أبويا في كل حاجة تانية.
بصيت على الضمادة اللي على جنبه.
إزاي زورت موتك؟
قال إن قبل وفاته بأسبوع، الشغالة لقت دواء غريب جنب كوباية الشاي بتاعته.
تحاليله أثبتت إن المادة ممكن تسبب اضطراب شديد في ضربات القلب.
وقتها فهم إن كمال وكريم خلاص قرروا يتخلصوا منه.
الخطة كانت بسيطة.
يسموه.
يجيبوا دكتور مرتشي يثبت إن الوفاة أزمة قلبية.
وبعدين يصروا على دفنه أو حرق الجثمان بسرعة قبل ما أطلب تشريح.
لكن رفعت كان مستعد.
المقدم داليا شوقي كانت بتحقق في مجموعة العرابي بقالها سنتين.
هي اللي ساعدته.
ومع دكتور تحت الحماية ودار جنازات متعاونة مع التحقيق، رتبوا موت مزيف.
الجثة اللي شوفتها ورا الإزاز ما كانتش رفعت.
كانت جثة رجل مجهول قريب من سنه.
الوجه في الإضاءة الضعيفة كان كفاية يخدع أي حد في حالة صدمة.
أما الساعة...
فكانت ساعة أبويا فعلًا.
قلت وأنا حاسة بغضب بيرجع جوايا
خلتني أبوس الإزاز وأنا فاكرة إنك ميت.
رفعت نزل عينه.
عارف.
وقفت في جنازتك.
عارف.
شلت تراب بإيدي وحطيته على تابوت فاضي!
قال بصوت مكسور
مفيش اعتذار في الدنيا يكفي اللي عملته فيكي.
بصيت له فترة.
كنت عايزة أزعق.
وعايزة أحضنه.
في الآخر قلت
ننقذ ماما الأول. حسابنا بعدين.
المزرعة القديمة كانت ملك جدي.
أنا وكريم لعبنا فيها وإحنا صغيرين.
كنت فاكرة ممراتها.
الأوض القديمة.
المصلى الصغير.
والنفق اللي كان العمال بيستخدموه زمان.
رسمت كل حاجة للقوة.
ما كانش مسموح لي أشارك رسميًا بسبب صلتي بالقضية.
لكن داليا سمحتلي أوصل معاها لحد نقطة معينة.
رفعت فضل في عربية إسعاف تحت حماية.
القوة دخلت المزرعة.
بعد دقائق قبضوا على تلات رجالة.
لقوا أجهزة كمبيوتر متكسرة.
ملفات بتحترق.
وصناديق مليانة فلوس ومستندات ومتجهزة للخروج.
لكن مفيش أمي.
ومفيش كريم.
وفجأة...
افتكرت جملة كانت جدتي بتقولها لما كنا بنلعب استغماية
في البيت ده، الحاجة اللي محدش المفروض يلاقيها... دايمًا بتستخبى تحت الأولياء.
بصيت لداليا.
وجريت ناحية المصلى.
دخلنا.
كان هادي بشكل مرعب.
في آخره صورة دينية كبيرة.
أحد الضباط لاحظ خدوش جديدة على الأرض.
حركنا القاعدة.
ظهر سلم حجري ضيق.
نزلنا.
الريحة كانت رطوبة وتراب.
وفي آخر السلم...
لقينا أوضة صغيرة.
أمي كانت مربوطة في كرسي.
وشها متورم.
وفي جبهتها جرح.
لكنها كانت حية.
قدامها ترابيزة.
فوق الترابيزة كان الظرف الناقص من المخزن 17.
وكريم كان واقف جنبه.
ماسك ولاعة.
أول ما شافنا قال
محدش يتحرك.
بصيت لأخويا.
طول عمري كنت بدافع عنه.
لما كان يخسر فلوس، أساعده.
لما يتخانق مع أبويا، أقول إنه حساس.
لما يغار مني، أقول طبيعي.
كنت بسمي كراهيته إحساس بالنقص.
لكن اللي كان واقف قدامي دلوقتي...
ما كانش طفل متضايق إن أخته أنجح منه.
كان راجل اختار طريقه.
قلت
سيب ماما يا كريم.
ضحك.
علشان تختارك إنتِ تاني؟
الموضوع مش بيني وبينك.
صرخ
كل حاجة بيني وبينك!
أمي رفعت راسها.
كريم...
اسكتي!
وبعدين بصلي.
بابا قضى عشرين سنة بيجمع أدلة علشان يديهالك إنتِ. ماما من قبل ما تتولدي وهي بتحاول تحميكي. وأنا؟ عارفة أنا ورثت إيه؟
قرب مني خطوة.
ديون. تهديدات. شركة من
 

تم نسخ الرابط