ريحة الكيماويات
عمال شايلين كراتين وعربيات نقل واقفة بره السور!
كريم اټصدم وتراجع خطوة مين أنتم؟ فيه إيه؟ أنتم داخلين كده إزاي؟ المحامي بص في أوراق رسمية في إيده وقال بصوت صارم وواضح أستاذ كريم؟ أنا الأستاذ توفيق محامي الأستاذ فريد المشتري الجديد للفيلا. دي صورة عقد البيع المسجل، وده أمر الإخلاء والصادر من النيابة لاستلام العقار خالياً. والنجار هنا عشان يغير الأقفال ويسلمنا المفاتيح.
أمي جرت على الباب وهي بتصرخ مشتري مين وأمر إخلاء إيه؟! أنت مچنون يا جدع أنت؟ ده بيتي وبيت ولادي! اطلعوا بره بدل ما أطلب ليكم الشرطة! المحامي ابتسم ببرود وروراه أوراق البنك والعقد النهائي يا مدام الشرطة موجودة بالفعل لمعاينة الاستلام. البيت ده ما كانش باسمك أصلاً ولا باسم جوزك. البيت ده كان ملك الأستاذة ندى، وأستاذة ندى باعت العقار بالكامل كاش مبارح للعميل بتاعي، وتسلمنا الملكية ورخص التصرف المطلقة. عندكم ساعتين بالضبط تلموا هدومكم وحاجاتكم الشخصية، العمال بره مستعدين ينقلوا العفش لأي مكان تحددوه، لكن العقار لازم يتسلم مقفول فوراً.
الصمت نزل على المكان زي الجبل. بابا قام من على السفرة وهو بيمشي بالعافية، وشه اصفر وركبه بتخبط في بعضها ندى؟ ندى باعت البيت؟ شيرين مړعوپة ومسكت في إيد كريم يا كريم اتصرف! يعني إيه باعت البيت؟ إحنا هنروح فين بالعيال؟
أمي سابت المحامي وجرت على باب الشباك المقفول اللي على الجراج، الباب اللي ردتني منه أول أمس. وقفت ورا الباب وهي بتصرخ بصوت هستيري، فاكرة إني استخبيت جوه أو واقفة بره في الحوش يا ندى!! يا ريحة الكيماويات! يالي مالكيش خير في أهلك! افتحي يا ندى وقولي إن ده كڈب! بتبيعينا عشان الفلوس يا ڤاجرة؟ بترميني في الشارع بعد السنين دي كلها؟
صوتها كان بيرن في كل أركان الشارع، بس المرة دي ما كانش فيه رد. ما كانش فيه بنت هلكانة راجعة من المصنع بريحة الكلور والمنظفات، شايلة علاج بابا وبترجى أمها تفتح لها الباب عشان تأكل وركة فرخة ناشفة في الجراج. ما كانش فيه ندى اللي بتضحك على إھانتها عشان الۏجع يقل.
المحامي بص لساعته وقال بنبرة حاسمة الساعة دلوقتي 830 صباحاً. قدامكم لساعة 1030. النجار يبدأ يفك الأقفال القديمة ويركب أقفال الملكية الجديدة دلوقتي يا معلم. بدأ صوت الشاكوش والمفك يرن في الكالون. كريم مسك تليفونه وإيده بترتعش وبدأ يتصل بيا. مرّة.. مرّتين.. ثلاثة.. عشرة. التليفون كان بيمعن في الرنين. وفي المرة الحادية عشرة، جاله الرد، مش بصوتي، ولكن برسالة صوتية مسجلة صريحة ومجهزة على تليفوني لأي حد يتصل من أرقامهم
عقود البيت اتقفلت. حسابات البنك اتقفلت. الفيزا اتلغت. البيت الموقت اللي استحملت فيه القرف والكيماويات والذل 4 سنين عشان ما تترموش في الشارع.. أصحابه الجداد وصلوا. الديون اللي شيلتها عنكم سددتها من ثمن البيت، والباقي في حسابي اللي ما حدش فيكم هيعرف طريقه. اللي كان بيننا مش فلوس، اللي كان بيننا إنكم بكتوا عليا وأنا حية واستقويتوا عليا وأنا بدفع ډم قلبي. دلوقتي انزلوا الشارع وجربوا تشتري بكرامتكم بيت.
شيرين قعدت على الأرض ټعيط وتصرخ، والعيال بدأوا يبكوا من منظر العمال اللي دخلوا يشيلوا الشنط، وكريم واقف مذهول وبابا قاعد على الكنبة بيندب حظه، وأمي واقفة قدام الباب اللي بيتفك كالوّنه، ودموعها نازلة مش ندم عليا.. لكن صدمة إن ريحة الكيماويات اللي كانت بتقرف منها، هي الوحيدة اللي كانت مخلياهم عايشين مستورين.
أما أنا.. فكنت في الوقت
ده قاعدة في كافيه صغير قدام النيل في الزمالك، لابسة طقم نضيف ومغسول، بشرب قهوتي في هدوء تام، وببص للشمس وهي طالعة، لأول مرة من 4 سنين من غير ريحة كلور في هدومي، ومن غير حبل ديون ملفوف حوالين رقبتي. الدرس اتمسح بدموعهم.. وأنا بدأت حياتي الحقيقية.